بقلم حمّه الهمّامي
جدل حول العُدوان الأمريكيّ الصهيونيّ على إيران (الجزء الأول)
“النظام الإيراني يعتدي على سيادة دول الخليج”
الموقف الثاني الذي يتطلّب منّا الوقوف عنده هو موقف الأنظمة العربيّة وبعض القوى الانتهازيّة التي تدور في فلكها والذي يدين النظام الإيراني وحتى يدعو إلى مواجهته عسكريّا بسبب ضربه القواعد الأمريكيّة في منطقة الخليج. لقد اعتبر الحكّام العرب أن إيران بسلوكها هذا تعتدي على “سيادة” البلدان المعنيّة. وهو أمر لا يستغرب من أنظمة عميلة وجبانة انخرط معظمها في الحرب الأمريكيّة على العراق كما انخرط في العدوان على ليبيا وشكّل “تحالفا إسلاميّا” للعدوان على اليمن دائما خدمة للامبريالي الأمريكي كما أنّه لم يتوان عن التدخل في السودان إلى جانب هذا الطرف أو ذاك من الطرفين اللذين يزجّان بالبلاد في حرب أهليّة مدمّرة. لقد عقد وزراء الخارجيّة العرب اجتماعا طارئا يوم 8 مارس الماضي وأصدروا بيانا يدينون فيه “الاعتداءات الإيرانيّة على الدول الشقيقة في الخليج” ويلوّحون “بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك”. لقد اصطف جميع الوزراء وراء هذا الموقف وهو ما جعل الأمين العام لجامعة الدول العربيةّ سيئة الصيت يصرّح بكل “ثقة في النفس” وبكل “فخر واعتزاز” بأن “العرب” تكلّموا لأول مرّة بصوت واحد ونسي أن يقول إن هذا الصوت الواحد هو صوت أمريكا، صوت العمالة والخيانة. فحتّى بعض الأنظمة ومنها النظام التونسي والنظام الجزائري التي اعتادت التظاهر بمصادقة إيران والوقوف لفظيّا إلى جانب المقاومة انضمت إلى الجوقة العربيّة التي يديرها النازي ترامب لتعزف ما يطلبه منها. ومن الملاحظ أنّ هذا البيان لم يتضمّن كلمة واحدة تدين العدوان على إيران أو حتّى تشير إليه مجرّد الإشارة. لقد تجاهلته “أنظمتنا” تجاهلا تامّا خوفا من مجنون البيت الأبيض خاصّة أنّ أوضاعها الداخليّة متأزمة وهي تخشى أن ينقلب عليها أو يهاجمها مثلما هاجم إيران أو فينيزويلا ويقتلعها من الحكم. وبالإضافة إلى ذلك فهل أنّ إيران حين ضربت القواعد الأمريكية اعتدت حقّا على سيادة البلدان التي تأوي تلك القواعد؟ بالطبع لا فهي تمارس حقّ الدفاع عن النفس لأنّ تلك القواعد تستعمل في العدوان عليها. وأكثر من هذا فإنّ الاعتداء الحقيقي على سيادة تلك البلدان هو وجود تلك القواعد على أراضيها التي تستعمل لإخضاع شعوب هذه البلدان وتأبيد استغلال ثرواتها كما تستعمل لحماية الكيان الصهيوني والاعتداء على الشعوب المجاورة كلما تطلّبت ذلك مصالح أمريكا والكيان. هذا هو دور تلك القواعد وبالتالي فإنّ المطلب السليم هو إزالتها لا التغاضي أو الدفاع عنها بدعوى أنّ من حق الأنظمة التي “تستضيف” تلك القواعد وتصرف عليها من أموالها أن تقيم التحالفات التي تريدُ. فهذه القواعد أداة هيمنة لا أداة تحالف وهي تعكس علاقة تابع بمتبوع ناهيك أنّ ترامب نفسه لم يتردّد في التصريح بأن حكام البلدان التي تأوي تلك القواعد لا يعلمون حتّى مجرّد العلم بانطلاق الطائرات والصواريخ ضد إيران منها. وإلى ذلك فإنّ عدوان الكيان الصهيوني على قطر في شهر سبتمر من عام 2025 دون أن يتحرّك سلاح الجو الأمريكي بقاعدة العديد ولا حتّى يشعر الحكومة القطريّة بالهجوم أكبر دليل على الدور الحقيقي لتلك القواعد. والأكثر من ذلك فإنّ مجنون البيت الأبيض لا يتوقّف عن إهانة هؤلاء الحكّام العرب وإذلالهم وابتزازهم بلا مواربة وهم يطأْطئون الرؤوس، لا يحتجّون ولا تتحرّك لهم همّة. وسبب هذا السلوك المخزي يكمن في أنّ هذه الأنظمة بعضها كما هو الحال في الخليج يمثّل عائلات نصّبها الاستعمار الغربي وهي مَدِينة له ببقائها حاضرا ومستقبلا. لقد ذكر ترامب في حملته الانتخابية قبل 7 سنوات إنّه قال للملك السعودي سلمان ابن عبد العزيز إنّه لن يبقى في السلطة “أسبوعين” دون دعم أمريكي وعليه بالتالي أن يدفع وهو اليوم يواصل إذلال ابنه ووليّ عهده محمّد الذي قال عنه إنّه لم يكن يتوقّع أنّه سيقبّل “مؤخّرته” وطالبه بأن يكون “لطيفا” أي سخيّا في تمويل واشنطن. أمّا بقيّة الأنظمة العربيّة فهي أنظمة دكتاتوريّة، استبداديّة، بعضها عسكري وبعضها الآخر مدني والكلّ لا علاقة له بالشعوب بل هو “عافس” على رقابها. وهكذا فإنّ هذه الأنظمة ومن يتذيّل لها لا حقّ لهم في اتهام إيران بالاعتداء على سيادة أي بلد يأوي قواعد أمريكيّة لتستعمل في العدوان عليه وعلى كافّة شعوب المنطقة بل إن شعوب المنطقة مطالبة بأن تضع ضمن أولوياتها طرد تلك القواعد وتحرير بلدانها منها ومنع استعمالها ضد إيران التي من الواجب الوقوف إلى جانبها اليوم في الدفاع عن نفسها في وجه العدوان الذي تتعرّض إليه.
“إيران لا تناصر الشعب الفلسطيني وإنّما تخدم مصالحها”
أمّا النقطة الثالثة التي نريد إثارتها فتخصّ موقف إيران وحلفائها في المنطقة من القضيّة الفلسطينيّة. إن أنظمة العار وأبواقها تروّج دائما أنّ إيران وفصائل المقاومة في لبنان واليمن والعراق لا تناصر القضيّة الفلسطينيّة بحقّ وأنّها “توظّفها لخدمة مصالحها” لا غير. وما من شكّ في أنّ هذا الكلام لو صدر عن أنظمة وأطراف تناصر فعلا القضيّة الفلسطينيّة وتقدّم إليها الدعم لكان ذلك مدعاة للتفكير ولكن عندما يصدر عن أنظمة متواطئة رأسا مع الكيان الصهيوني ومع الإمبريالية الأمريكية-الغربية، أنظمة لا تحرّك “جيوشها الجرّارة” إلّا ضدّ شعوبها وضدّ بعضها البعض أو ضدّ الخصم الذي تحدّده لها واشنطن، فذلك يكون مدعاة للسخرية. لقد كشفت حرب الإبادة التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني في غزّة والضفّة والقدس منذ أكثر من عامين الوجه البشع للأنظمة العربية التي لم تحرّك ساكنا لنجدة هذا الشعب الأبيّ. لقد منع أغلبها شعوبه من التضامن معه وشارك كما هو حال النظام المصري وحال عدد من دول الخليج مثل السعودية والأردن والإمارات في حصار الشعب الفلسطيني ودعم عدوّه النازي بألف طريقة وطريقة. ولم يجد هذا الشعب إلى جانبه سوى فصائل المقاومة في لبنان واليمن خاصّة كما وجد الدعم السياسي من إيران وهو ما كلّفهم جميعا تضحيات كبيرة إذ امتدّت إليهم يد الغدر الامبريالي الصهيوني فاغتالت قادتهم وقتّلت الآلاف من أبنائهم وبناتهم ودمّرت بناهم التحتية. فما من شكّ في أنّ السياسة تعبّر عن مصالح وبالتالي فإنّ أيّ نظام مهما كان له مصالح يدافع عنها وهو يحاول انطلاقا من هذه المصالح أن يختار حلفاءه إن إقليميّا أو دوليّا. ولكنّ المصالح تختلف ففيها ما يتماشى إن كليّا أو جزئيّا مع مصالح الشعوب في لحظة من اللحظات وفيها ما يتعارض مع تلك المصالح. إن النظام الإيراني وحلفاءه في المنطقة لهم مصالح تتناقض مع الامبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني إن لأسباب اقتصادية أو سياسية وعقائديّة وهو ما يجعلهم في مواجهة معه وهذا العامل، مهما كانت محدوديته وخضوعه للحسابات الخاصّة، فهو يخدم موضوعيّا وفعليّا القضيّة الفلسطينيّة في أوضاع إقليميّة ودوليّة صعبة ومعقّدة. أمّا الأنظمة العربيّة فمصالحها تتناقض رأسا مع مصالح الشعب الفلسطيني وتتماهى مع مصالح عدوّه الامبريالي الصهيوني وهو ما جعلها تعمل على الدوام على احتواء نضاله وتدميره عبر مخططات عدّة آخرها مخطّط التطبيع الشامل والكامل والوقح مع الكيان الصهيوني بهدف قبر القضية الفلسطينيّة نهائيا في إطار ما يسمّى اتفاقيات أبراهام وهو ما كشفه موقف تلك الأنظمة من حرب الإبادة في غزة ومن محاولات إلحاق الضفّة. ولا تجد أنظمة العار العربيّة من وسيلة لتغطية خيانتها وتواطئها مع أعداء الشعب الفلسطيني والشعوب العربيّة عامة غير تغذية النزعات الطائفية بين السنّة والشيعة والتهويل من الخطر الإيراني “الداهم” في الوقت الذي تصمت فيه على جرائم العدوّ الجاثم فعليّا على صدر الشعوب العربيّة والذي يعرقل نهوضها والتمتّع بثرواتها لتحقيق ازدهارها.
وفي الختام فإنّ مصلحة الشعوب العربيّة تكمن اليوم في الوقوف إلى جانب إيران ضدّ العدوان لأنّ نجاح هذا العدوان في تحقيق أهدافه سيعود بالوبال على كافة شعوب المنطقة ويشجّع المعتدي الامبريالي الصهيوني على الإمعان في جرائمه. إن الشعوب العربيّة تحتاج إلى يقظة كبيرة في هذا الظرف حتّى لا تتكرّر الإخفاقات التي لازمت مسيرتها منذ القرن التاسع عشر وحكمت عليها بالتخلّف وبالفشل في تحقيق طموحاتها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
