أحيي عمال تونس وأجراؤها هذه السنة غرة ماي، اليوم العالمي للعمال، وكلّهم غضب من جهة على ما بلغته أوضاعهم المادية وظروف عملهم من تدهور خطير ومن جهة ثانية على استهتار سلطة الانقلاب بهم من خلال ما أعلنته قبل يوم من زيادات مهزليّة في الأجور تهمّ سنوات 2026-2027-2028. لقد جرت العادة منذ عقود أن تجري مفاوضات ثلاثية تجمع بين الحكومة واتحاد الأعراف واتحاد الشغل لإقرار تلك الزيادة. لكن قيس سعيّد ألغى هذا التقليد منذ أن استولى على السلطة بالكامل من خلال إلغاء كل علاقة بالاتحاد العام التونسي للشغل بسلسلة مناشير متتالية موجهة إلى الوزارات والمنشآت العامة (خاصة المنشور 20 الصادر في 9 ديسمبر 2021 الخاص بالاتفاقيات ذات المفعول المالي مع النقابات، والمنشور 21 الصادر في 17 نوفمبر 2022 والخاص بالتفاوض معها). ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ إذ تمّ توجيه أوامر لاتحاد الأعراف كي يوقف أيّ علاقة تفاوضية مع منظمة العمال. ولمّا كانت السنة الجارية معنية بالزيادة الدورية، أصدر الحاكم بأمره بندا في قانون المالية الحالي ينصّ على أنّ الزيادة تتمّ بأمر، وهو ما تمّ إصداره في الرائد الرسمي بتاريخ 30 أفريل 2026، أي قبل يوم من غرة ماي، في شكل زيادة عامة لا تتجاوز 5 %. وهي زيادة لا تغطي ولو جزءا ضئيلا ممّا طال المقدرة الشرائية من تدهور مريع خلال السنوات الأخيرة.
إنّ الزيادة لم تتجاوز في أعلى أصناف الوظيفة العموميّة 120د خام، ممّا يعني أنها لن تتجاوز 80 دينارا شهريا وهو مبلغ لا يؤمّن، وقد قرب “العيد الكبير”، أكثر من كيلو و200 غرام من لحم الضأن في “بلد العلّوش” (بحساب 66 د ثمن الكلغ). أما زيادة 90 د خام فلن يصل منها إلى الأجير أكثر من 60 د، وهي لا تغطّي بدورها ثمن كلغ من لحم الضأن. وبخصوص القطاع الخاص فإن الزيادة سحبت بنفس النسبة على قطاعات تختلف في خصوصياتها، وهو ما كان يتمّ الاشتغال عليه سابقا في مفاوضات خصوصية تهمّ كل قطاع على حده (المعادن، النسيج، السياحة…)، علما وأن المفاوضات السابقة كانت تطال الجوانب الترتيبية والقانونية وظروف العمال التي تهمّ هذا القطاع أو ذاك والتي تركها سعيّد هذه المرّة لأصحاب الأعمال كي يتصرّفوا فيها على هواهم. ومهما يكن من أمر فإنّ الأجر الأدنى الصناعي المضمون لن يتجاوز وفق الزيادة الحالية 554 دينار و793 مليم بعد أن كان 528 دينار و320 مليم أي بزيادة 26 دينار و473 مليم وهي لا توفّر حتى نصف كلغ من لحم الضأن. وللعلم فإن قيمة هذا الأجر الأدنى لا تتجاوز 164 يورو، وهو ما يجعله من أضعف منظومات الأجور في العالم (في حدود المرتبة95-97 من بين 124 دولة). وبعبارة أخرى فإن الزيادات التي قرّرها قيس سعيّد هي زيادات مهزليّة لا تسمن ولا تغني من جوع خاصة إذا علمنا أنّ نسبة التضخّم وبالتالي الأسعار مرشّحة للارتفاع بسبب تفاقم الأزمة العالمية جرّاء العدوان الصهيو-أمريكي على إيران وما سبّبه من ارتفاع أسعار النفط والمواد الغذائية. وفوق ذلك كلّه فيبقى السؤال قائما من أين سيأتي سعيّد بكلفة هذه الزيادة ونحن نعرف أنّه يحتاج 11ـ مليار دينار لميزانية هذه السنة سيحصل عليها أوراقا نقدية من البنك المركزي، فهل سيطلب منه، وهذا هو الأرجح، طبع مزيد الأوراق لتغطية هذه الزيادات وهو ما سيؤّدي إلى ارتفاع نسبة التضخّم وبالتالي إلى مزيد التهاب الأسعار.
هذه الملاحظات تهمّ الأرقام المجرّدة الخاصة بالأجور والزيادة الأخيرة، أمّا أوضاع العمل وقوانينه فتعرف بدورها مزيد التدهور في القطاعين العام والخاص، وتشمل كل القطاعات التي بات بعضها لا يحصل على جرايته في موعدها مثل عمال شركة فسفاط قفصة التي ظلت لعقود متتالية البقر الحلوب والمموّل الأساسي لميزانية الدولة ولجيوب اللصوص، أو شركات البستنة التي يعرف أعوانها أوضاعا مهينة، وهم يتحركون في أكثر من جهة وتقريبا كل شهر للحصول على أجور البؤس. ويعرف أعوان القطاع العام والوظيفة العمومية أوضاعا بائسة بحكم تجميد الانتدابات ممّا جعل حجم العمل يتضاعف في حالات عديدة بما في ذلك في قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم، وأيضا القضاء، وهو تدهور لا يقابله تحسين للأجور فضلا عن ارتفاع منسوب الظلم والإهانة بحكم التجميد الفعلي للنقابات. أما عن حالة المتقاعدين فحدّث ولا حرج، فغالبيتهم تعيش تحت خطّ الفقر. وهكذا فإن الوقائع تبيّن مرّة أخرى أن انقلاب 25 جويلية 2021 لم يحسّن في شيء أوضاع العمال والأجراء بل زادها سوءً على سوء، وهو ما يؤكّد أن هذا الانقلاب جاء لإنقاذ مصالح الأقليات الثرية المحلية والأجنبية المهيمنة على مصائر بلادنا كما يؤكّد أن لا هدف من استبعاد الاتحاد العام التونسي من الشغل من المفاوضات غير الانفراد بالعمال والأجراء وفرض أجور بؤس عليهم في الوقت الذي يشير فيه غالبية أهل الاختصاص إلى أنّ “ميزانية الكرامة” لعائلة تونسية تتركب من أربعة أفراد (الزوجان وطفلان) تتطلّب حصول العامل على ما لا يقلّ عن 3000 دينار لتعيش هذه العائلة “مستورة” حسب العبارة الشعبية.
لقد أثارت قرارات الزيادة الأخيرة في الأجور سخطا عامّا في أوساط العمال والأجراء ولا نخال هذا السخط إلّا أنّه سيتحول إلى غضب وهو ما ظهرت بوادره في التجمعات النقابية في العاصمة وبعض الجهات، وأيضا في تحركات المعطلين التي جذرت خطابها النقدي وخرجت لتحتج على تعطل الشروع في تنفيذ القانون 38 الخاص بمن طالت بطالتهم. لقد بدأت القناعة تعمّ بأن قيس سعيّد يبيع الوهم للشعب والعصا في يده ليضرب بها كل منتقد أو معارض أو محتج لخدمة الأقليات الثرية صاحبة المصلحة الحقيقية في نظامه الدكتاتوري، ولا أدلّ على ذلك مما يتعرض له اتحاد الشغل ونقاباته من ضغط وتهميش يستهدف وجودها أصلا. إن مصلحة العمال والأجراء تكمن في إزالة هذا النظام وعليه فإنّ مؤشرات الغضب يجب أن تتحول إلى حركة نضال واعية ومنظمة ومسلحة ببرنامج ثوري يطرح المطالب المباشرة المادية والمعنوية وفي مقدمتها الحق في أجور لائقة وظروف عمل إنسانية، كما يطرح المطالب الاستراتيجية التي تشمل تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي تغييرا جذريا في ظل نظام سياسي وطني وديمقراطي وشعبي بحقّ.
فليربط عمال تونس مع أمجادهم وأمجاد عمال العالم وكادحيه من أجل إيقاف منظومة العبث والفشل التي تحكم بلادنا وشعبنا وتحكم عليهما بالتخلف.
صوت الشعب صوت الحقيقة
