الرئيسية / صوت الوطن / لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة… بين زيف الشعارات وحقيقة السياسات
لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة… بين زيف الشعارات وحقيقة السياسات

لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة… بين زيف الشعارات وحقيقة السياسات

بقلم حمادي السعيدي

تمت يوم الثلاثاء الفارط، 28 أفريل 2026، المصادقة على مشاريع قوانين لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة في خطوة تعكس مدى التناقض بين الشعارات المرفوعة والسياسات الفعلية المطبقة للسلطة الماسكة بزمام الأمور في البلاد. فرغم تقديم الجامعة العامة للكهرباء والغاز جميع المؤيدات والحجج خلال الندوة الصحفية التي انعقدت يوم الثلاثاء 21 أفريل 2026 والتي تؤكد المخاطر والإخلالات المضمنة بعقود اللزمات ومدى تأثيرها على المؤسسة العمومية الشركة التونسية للكهرباء والغاز، إلا أن الجوقة الموالية للسلطة اعتبرت ذلك مكسبا وطنيا معتمدة على جملة من المغالطات والأرقام التي لا تعدو أن تكون سوى الشجرة التي تغطي غابة الحقائق والمعطيات الموضوعية المتعلقة بقطاع الطاقة الكهربائية بتونس.

1 التحفظات بخصوص اللزمات

اعتمادا على ما قدمته الجامعة العامة للكهرباء والغاز خلال الندوة الصحفية المذكورة أعلاه، فإن أحد أهم الاشكاليات المطروحة والتي لا تريد السلطة القائمة الخوض فيها هي تقييم نتائج طلبات العروض للزمات الفارطة. وهنا لا بد من تذكير القارئ بأن اللزمات المعروضة حاليا تمثل الدورة الثانية من طلبات العروض التي أعلن عنها في ديسمبر 2024 وتم إمضاء عقودها خلال شهر مارس 2025. في حين ان الدورة الأولى لطلبات العروض قد أعلن عن نتائجها في ديسمبر 2019 وتمت المصادقة عليها عبر مراسيم رئاسية خلال شهر ديسمبر 2021.

هذه اللزمات لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة عبر الخواص تخضع في مجملها لقانون ماي 2015 المتعلق بالطاقات المتجددة مع مراعاة مقتضيات قانون 2008 حول اللزمات بصفة عامة. وتمثل اللزمات من خلال قانون 2015 المشاريع الكبرى للطاقات المتجددة والتي لا تقل حسب دورتي طلب العروض عن 50 ميغاوات لكل مشروع بالنسبة للطاقة الفولطاضوئية.

وقد كان المطلب الأول والأساسي للهيكل النقابي هو تقييم نتائج الدورة الأولى قبل المرور لتمرير طلبات العروض للدورة الثانية. واستند للقيام بهذا التقييم على حالة العطالة التي عرفها الانتقال الطاقي المزعوم والمعد من طرف السلطة خلال السنوات التي تلت الإعلان عن نتائج طلب العروض لسنة 2019 والصعوبات المالية التي عرفها أصحاب اللزمات لتنفيذ مشاريعهم والإيفاء بالتزاماتهم. فرغم التعلل بأزمة كورونا من قبل سلطة الإشراف، إلا أن الجامعة العامة للكهرباء والغاز اعتبرت أن الإشكال أعمق من ذلك ويتعلق أساسا برغبة المستثمرين الأجانب في تحقيق عوائد أكبر من خلال مشاريعهم واعتمدت على انخفاض معدل شراء الألواح الشمسية إلى قرابة 50% خلال الفترة 2018-2023 مما يمكن من تغطية جزء كبير من ارتفاع سعر الفائدة من قبل الممولين (وللهيكل النقابي رأي في هذا الشأن).

واستجابة لما ذكر أعلاه، فقد طالب المستثمرون بجملة من التسهيلات – رغم أن البعض منهم قد انطلق فعليا في الإنجاز – لتعويض انخفاض معدل أرباحهم وهنا انطلقت عملية الابتزاز للدولة التونسية عبر ربط إنجاز المشاريع المعطلة بتقديم تنازلات من قبلها لصالحهم. هذا الابتزاز الذي انطلق منذ سنة 2023 أعقبه الانطلاق الفعلي لعملية إنجاز محطتين بكل من توزر وسيدي بوزيد بعد رضوخ السلطة (تم تشغيلهما خلال شهر أفريل من السنة الحالية). لكن رغم ذلك، فإن أهم مشروع لهذه الدورة من طلبات العروض والذي يمثل 40% من القدرة الجملية لكل المشاريع بقي معطلا بعد أن تخلى صاحب اللزمة عن إنجازه لصالح المشروعين المذكورين أعلاه وهنا نتساءل عن قدرة السلطة الحالية على التفاوض تجاه هؤلاء المستثمرين الأجانب: فقد اختار المستثمر التخلي عن إنجاز المشروع الأكبر وتمسك بالمشروعين الأقل حجما بعد أن ضمن عديد التسهيلات والتحفيزات و كان يمكن – حسب الجامعة العامة للكهرباء و الغاز – التفاوض حول تقديم تسهيلات مقابل إنجاز المشاريع الثلاث ولكن المتعهدين بالملف اختاروا الاستجابة لما يمليه هذا المستثمر وهو ما يعكس عدم ندية التفاوض مما يتناقض مع الشعارات التي تطلقها السلطة.

لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة (من عرض الندوة الصحفية للجامعة العامة للكهرباء والغاز)

لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة (من عرض الندوة الصحفية للجامعة العامة للكهرباء والغاز)

وهنا لابد من الإشارة إلى أن جملة التسهيلات التي قدمتها السلطة لصالح هؤلاء المستثمرين تمثلت أساسا في:

زيادة مدة اللزمة من 20 سنة إلى 30 مما يجعل الشركة التونسية للكهرباء والغاز مطالبة بشراء الكهرباء المنتجة لمدة عشر سنوات إضافية بعد أن كانت ستتمتع باستغلال المحطة مجانا بعد انتهاء المدة التعاقدية الأولى (20 سنة)

– التنازل عن التحفيزات والمنح المخولة لسندات الكربون لهذه المشاريع المملوكة حصرا للشركة التونسية للكهرباء والغاز لصالح هؤلاء المستثمرين مما يساهم في التخفيض من كلفة الإنجاز. فعلى سبيل الذكر تحصل أحد المستثمرين على حوافز تناهز 80 مليون دينار تونسي لإنجاز مشروعين بقدرة جملية مساوية ل 100 ميغاوات أي ما يعادل قرابة 30% من كلفة المشروعين. هذه التحفيزات كان بإمكانها تمويل مشاريع عمومية في مجال الطاقات المتجددة وهنا تظهر حقيقة شعارات التعويل على الذات وعدم الخضوع للإملاءات الأجنبية التي تطلقها السلطة.

2– سيادة طاقية في مهب الريح

إن المتمعن في خطابات المدافعين عن إنجاز هذا النوع من المشاريع وكذلك الموالين للسلطة يلاحظ التماهي مع خطابات حكومات ما بعد الثورة بجميع تلويناتها (نهضة – نداء..) وهو ما يعكس التوجهات الحقيقية للسلطة الحالية التي اتخذت من الانقلاب على المنظومة كذريعة لتبرير شرعيتها في الحكم.

فخطاب السيادة والتعويل على الذات يصبح أجوفا وبدون مضمون في غياب سياسات حكومية واضحة لتدعيمه، تقطع فعليا مع الارتهان للأجنبي وتؤسس لبناء اقتصاد وطني مندمج أساسه الاستثمار العمومي والحفاظ على مقدرات البلاد واستغلالها لصالح الشعب.

فبعيدا عن الجوانب التقنية بخصوص عقود اللزمات التي تمت الإشارة للبعض منها وعرجت عليها أيضا بعض فعاليات المجتمع المدني كالمرصد التونسي للاقتصاد، فإن الجامعة العامة للكهرباء والغاز أثارت من خلال خطابها الموجه لعموم الرأي العام مسألة أساسية تتعلق بالسياسة الطاقية للبلاد وانعكاسات التوجه الحالي للسلطة الحاكمة.

فقد ارتبطت العقود المذكورة بالاستثمارات الأجنبية لغياب رأس مال وطني قادر على القيام بهكذا مشاريع. ولعل إصرار الهيكل النقابي على دور الشركة التونسية للكهرباء والغاز وضرورة إنجاز هذه المشاريع من طرفها يعكس وعيا بهذه المسألة: إذ لا معنى للسيادة الطاقية في غياب تحكم وطني لاستغلال ثروات البلاد وهنا يكمن مربط الفرس.

فخلال العشرية الفارطة تم استبعاد الشركة التونسية للكهرباء والغاز من ‘إنجاز مشاريع الطاقات المتجددة المبرمجة لها ضمن المخططات الحكومية والمصادق عليها خلال عدة مجالس وزارية. كما أن أحد المشاريع التي كانت الشركة تنوي إنجازه بخصوص طاقة الرياح تم سحب تمويله من طرف سلطة ما قبل الانقلاب من أجل إعطائه للخواص. هذا كله يعكس توجها من الدولة نحو إقصاء الهيكل العمومي من الاستثمار وقد تواصل هذا النهج بعد الانقلاب وتم منح قرابة 80% من مشاريع الطاقات المتجددة المبرمجة لصالح الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة (من عرض الندوة الصحفية للجامعة العامة للكهرباء والغاز)

لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة (من عرض الندوة الصحفية للجامعة العامة للكهرباء والغاز)

لذلك اعتبرت الجامعة العامة للكهرباء والغاز وعديد الفعاليات المدنية المهتمة بالموضوع أن ما يشهده حاليا قطاع الكهرباء يذكر بالفترة الاستعمارية التي سبقت سنة 1962 تاريخ تأميم الكهرباء: حينها كنات هنالك لزمات لصالح شركات فرنسية تستغل الثروة الطبيعية للبلاد وتنتج الكهرباء بنفس منطق لزمات اليوم. هذه الوضعية وصفها أحد المختصين الفرنسيين بكونها مرحلة “الكهرباء الاستعمارية” معتبرا ان ما قامت به الحكومة التونسية بعد الاستقلال هو عين السيادة الوطنية وفيما يلي مقتطف من مقاله تحت عنوان “من الكهرباء الاستعمارية إلى الكهرباء الوطنية: الحالة التونسية 1952-1962”:

من عام 1956 إلى عام 1962، استرجعت الدولة التونسية إدارة اللزمات الممنوحة لمختلف الشركات [الفرنسية] لإنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية بهدف تطبيق سياسة توحيدية على كامل الأراضي التونسية. قامت الحكومة التونسية بإزالة اثنين من التناقضات: من ناحية، وكما هو الحال في معظم البلدان الصناعية، ضمنت للمجتمع إدارة الخدمات العامة الهامة، ومن ناحية أخرى، ألغت استغلال الشركات التي ليست خاصة فحسب، بل وأجنبية أيضاً، لقطاع مهم بشكل خاص للاقتصاد الوطني والحياة اليومية للتونسيين. ويمثل ذلك خطوة جديدة على طريق إرساء السيادة الوطنية.

 إذا مسألة السيادة الوطنية مطروحة من خلال هذا النوع من المشاريع وهو ما يدحض مقولات السلطة الحالية ويكشف مضمون سياساتها وحقيقة الاتفاقات مع الاتحاد الأوروبي وسياسة الخضوع لاملاءاته وإملاءات المؤسسات المالية العالمية.

لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة (من عرض الندوة الصحفية للجامعة العامة للكهرباء والغاز)

لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة (من عرض الندوة الصحفية للجامعة العامة للكهرباء والغاز)

إلى الأعلى
×