الرئيسية / الافتتاحية / سعيّد يعمّق الأزمة ويجرّ تونس نحو المجهول
سعيّد يعمّق الأزمة ويجرّ تونس نحو المجهول

سعيّد يعمّق الأزمة ويجرّ تونس نحو المجهول

يكاد يتّفق متابعو الشأن العام في بلادنا على توصيف الوضع بالتأزم على مختلف الأصعدة. ويكاد الاتفاق يكون كليّا على توصيف أسلوب إدارة شؤون البلاد بالعبثي. وأصبح التباين مع سلوك السلطة واسعا ولم تبق مصرّة على المساندة اللامشروطة لقيس سعيد إلا دوائر ضيّقة تكاد تنحصر في ذوي المصالح المعادين للحريات والديمقراطيّة وحفنة من الانتهازيّين المصفّقين دون قيد للحكم الفرديّ الاستبداديّ. بالتوازي مع ذلك تعتمل كل عناصر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تجد ترجمتها الواقعية في التدهور المريع للمقدرة الشرائية بفعل الغلاء المنفلت للأسعار وخاصة أسعار مواد العيش الأساسيّة مثل الخضر والغلال واللحوم والأسماك والأدوية، فضلا عن الأدوية والخدمات (الصحة والتعليم والنقل والسكن والماء والكهرباء والاتصالات). لقد أصبحت معيشة العائلات التونسيّة صعبة للغاية، وتوسعت مظاهر الفاقة والبؤس من خلال ارتفاع نسبة الفقر التي تجاوزت 20%، ونسبة البطالة التي تشارف بدورها على 20%حسب الإحصائيات الرسمية، أمّا نسبة التضخم فيتباهى النظام بكونها استقرت في حدود 5 %، لكنها تتجاوز 16% فيما يهمّ اللحوم الحمراء والبيضاء، وتتجاوز 10% في أغلب مواد الاستهلاك الحياتيّة. أمّا ما تشهده الخدمات الصحية والتعليمية والنقل من تدهور مريع فحدّث ولا حرج، وهو ما يقابله صعود صاروخي للقطاع الخاص الذي أصبح التوجه إليه خيارا مفروضا بحكم حجم التدمير الممنهج الذي يطال الخدمات الأساسية العموميّة.

في مثل هذا الوضع يتبجّح بعض أنصار سعيّد بأن المكسب الأساسي الذي حقّقه هذا الأخير طيلة سبع سنوات من الحكم هو الإيفاء بتسديد الديون الخارجية، وهو أمر يثير الحنق والقرف، فهذا الأمر لا يجب اعتباره بأي حال من الأحوال مكسبا بل هو خضوع لدوائر ادّعى الرئيس الشعبوي أنّه يرفض إملاءاتها، وهو انخراط في سياسات وجه إليها كثيرا من الانتقاد الخطابي الفارغ لكنه لم يفعل أيّ شيء حتى لمراجعتها والتدقيق في مختلف القروض لإلغاء البعض منها وتعليق تسديد البعض الآخر لمدة معينة على الأقل لتخفيف الوطأة على الناس، وهو ما كانت له وما تزال آثار مدمرة لا من جهة مواصلة نفس الخيارات اللاوطنية واللاشعبية فحسب، بل وأساسا من جهة حرمان الشعب من مقدراته الأساسية وحقه في العيش الكريم مقابل سياسة “الإيفاء” بتسديد ديون النهب التي يستمر في اعتمادها كما اعتمدها أسلافه بل وأكثر وأفظع، وهو الذي يعتمد بنسبة كبيرة على التداين لتمويل ميزانية الدولة التي لا يحوز منها الشعب إلا فتاتا لا يغني ولا يسمن من جوع، مثل الزيادة الأخيرة في الأجور التي حددها بنفسه والتي لم تتجاوز 5% في وضع تدهورت فيه المقدرة الشرائية بين عامي 2025 و2026 بما قدره أكثر من 13%. يتساوق هذا الوضع مع هجوم غير مسبوق على الحريات العامة والفردية وانتصاب المحاكم لإيقاف النشطاء والإعلاميين وتجميد نشاط المنظمات المدنية لمزيد نشر الخوف والرعب بين صفوف الشعب الذي بدأ يتململ هنا وهناك رافضا هذا الوضع المزري وقد كانت وقفات غرة ماي وتحركات سائر الشغالين والمفقّرين وخاصة المعطلين منهم تحمل مؤشرات عودة للاحتجاج والنضال أمام اقتناع لفيف واسع بتبخر كل الوعود التي أطلقتها سلطة الانقلاب الفاشية مقابل ما يرونه من عبث في إدارة شؤون البلاد.

لقد بلغ عبث الحكم الفرديّ المطلق الاستبدادي الشعبوي، حتى اتجه البعض إلى تشبيه ما يجري اليوم بما كان يقوم به البايات في عنفوان حكمهم. فالبلاد تعيش على وقع الجولات المفاجئة والليليّة لرئيس يكتب بلاغاته بيده شاتما متوعّدا، وعلى وقع اجتماعات مضيّقة مع بعض وزرائه الملزمين بالصمت أمامه فيما أصبح اجتماع مجلس الوزراء بمثابة اللاحدث. أمّا فضيحة الفضائح فهي قرار الحكومة بـ”مقاطعة” نشاط مجلس الدمى طيلة شهر بدعوى أنّ لها “التزامات” في هذه المدّة، وهي ذات المدة التي تمّ بها تجميد نشاط رابطة حقوق الإنسان وغيرها من المنظمات والجمعيّات. فماذا يعني هذا؟ علما وأن السلطة التنفيذية لا تعير أيّ تقدير لمجلس باردو الذي كثيرا ما اشتكى نوابه من رفض السلطة التنفيذية المركزية والجهوية والمحلية أيّ تعاطي معهم، علما وأن هذا المجلس هو ركن من أركان منظومة سعيد الشعبوية انتخابا ووظيفة، وهو مجلس طيّع وموال ومنفذ لكل طلبات القصر وآخرها المصادقة على لزمات الطاقة التي قدمها وطلب تمريرها. قد يكون في نية سعيد خلق محور اهتمام وهمي لإلهاء الناس خاصة بعد “صدمة” الزيادات في الأجور، وقد تكون “بروفة” لتجميد المجلس أو إلغائه أصلا بعد أن أصبح منبرا للنقد والتذمّر من قبل بعض النواب وقد سيق أحدهم إلى السجن بسبب تدوينة. وفي كل الحالات لا يجب في تونس الشعبوية الاستغراب مطلقا من أيّ “طلعة” من طلعات ساكن قرطاج المحتكم إلى سلطات فرعونية. لكن في كل الحالات فإن ما يجري اليوم في أسلوب إدارة الحكم فضلا عن محتوى سياساته هو دليل قطعي على حجم الأزمة المركبة التي تهزّ المنظومة الحاكمة. صحيح أن الدكتاتورية تعمد إلى القمع كي تغطي على السياسات الاقتصادية-الاجتماعية القائمة على التبعية والتفقير والفساد، لكن أن تجنح إلى الجنون والعبث واللامعنى، فهذا مؤشر على حجم العجز والفشل، ولكن الأدهى والأمر أنّ سقط متاع الحشد الفاشي بدأ منذ مدّة يعدّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام المأجورة لحملة من أجل ترشيح قيس سعيّد سنة 2029 لعهدة ثالثة حتى يواصل تكريس “مشروع البناء والتشييد” أو بالأحرى حتّى يتمّ مشروع تدمير البلاد بالكامل. ومن النافل أن مثل حملات المناشدة هذه ليست جديدة فقد سبقه إليها بورقيبة وبن علي اللذين حوّلا الرئاسة إلى حكم مدى الحياة.

لقد دفع سعيد الأزمة إلى أقصاها ومن البديهي أن مصلحة الشعب اليوم ليست مع شعبوية فاشيّة، بائسة وفاشلة، ولا مع بدائل تطبخ في مطابخ القرار الخارجي ليطبقها العملاء، إنّ مصلحة الشعب لن تكون إلّا مع خيارات جديدة وطنية، شعبية وديمقراطية تنبع منه ويسهر بنفسه على تحقيقها، دونا عن ذلك ستبقى بلادنا وشعبنا ألعوبة في يد مغامرين وتبّع لا هاجس لهم إلا تضييع وقت تونس. فلنعمل على تحويل الغضب الساري إلى عمل واع ومنظّم، ذلك هو دور الثوريينّ اليوم وكلّما سرّعوا النسق، قرّبوا ساعة الخلاص من الدكتاتورية والفقر والبؤس والمهانة الوطنيّة.

إلى الأعلى
×