بقلم رحمة لسود
نحيي اليوم، ككل سنة في 8 ماي، ومنذ 39 عامًا، ذكرى استشهاد المناضل السياسي والنقابي الرفيق نبيل البركاتي، شهيد حزب العمال والحركة الثورية التقدمية، الذي قضى تحت أيدي زبانية النظام البورقيبي.
نبيل ابن الأرض
وُلد نبيل البركاتي في 31 ماي 1961 بمدينة ڨعفور، تلك المدينة التي حفرت السكك الحديدية الاستعمارية أخاديدها في جوفها لتنزف قمحًا وفسفاطًا في رحلة نهب منظمة. في هذا المناخ المثقل بالاستغلال، وُلد نبيل ابنًا بارًا لأرض تعطي ولا تأخذ، وتشرب من ثراها العزة والشهامة منذ وعيه الأول.
زاول تعليمه الابتدائي بمدينة ڨعفور، ثم التحق بمعهد تبرسق لمزاولة تعليمه الثانوي. وهناك كانت المحطات الأولى التي اختبر فيها ذلك الفتى صلابة عوده، حيث وضع اللبنات الأولى للحركة التلمذية، وكان عنصرًا فاعلًا ونشيطًا فيها.
انخرط نبيل البركاتي منذ صباه في زخم الحركة التلمذية والطلابية والنقابية اليسارية، وكان يتنقل إلى العاصمة للمشاركة في النقاشات السياسية داخل الكليات والأحياء الجامعية، متأثرًا آنذاك بأفكار التحرر الوطني والقضية الفلسطينية والحركات اليسارية الثورية، مما ساهم في تشكيل وعيه السياسي.
وحين نال شهادة الباكالوريا ويمّم وجهه شطر المدرسة القومية للمهندسين، لم يكن يسعى إلى لقب أو مهنة تمنحه الوجاهة، بل انغمس في صفوف حراك النقابيين الثوريين في الجامعة، وساهم في النضال الطلابي من أجل توحيد صفوف اليسار وإنجاز المؤتمر الثامن عشر الخارق للعادة للاتحاد العام لطلبة تونس.
تحصل نبيل على شهادة مهندس مساعد سنة 1983، لكنه آثر العودة إلى أرضه، فعاد ليكون معلّمًا للناشئة، مؤمنًا بأن الحلم الأحمر لا يمكن أن يتحقق دون رعاية وتوعية من سيحملون حلمه وحلم جيل بأكمله.
وفي ثنايا هذا المسار، انتمى نبيل إلى “حلقة الشيوعي” التي ضمت مجموعة من الماركسيين اللينينيين، ووجد ضالته داخلها.
كان نبيل المثال الحي للأخلاق الشيوعية، ومدرسة في النضال والإيثار ونكران الذات والإنسانية. كان بطلًا ملحميًا على شاكلة أبطال الأساطير، “بروميثيوس زماننا”، حمل الوعي الطبقي جمرةً وقادها لينير بها عقول الكادحين والمهمشين ويبدد بها ظلام المستبدين. كسر نبيل بصموده وثباته سوط جلاده، وغدا رمزًا للشيوعيين.
نبيل الشاب الشيوعي
ثمة فارق جوهري بين من يحمل الفكرة كنظرية جامدة ومن يحملها كنظرية وممارسة حية. فالأول يحكي عنها في الندوات ويكتبها في المقالات ويتركها حين يصبح حملها عبئًا، أما الثاني فيتمسك بها ويجسدها في التزامه اليومي؛ يحملها وتحمله. وكان نبيل البركاتي من النوع الثاني. لم يختر الشيوعية من رف بين أفكار أخرى، بل اختارها عن وعي ودراية، فهمها ودرسها وطبّقها ونشرها.
لكن الفكرة وحدها لا تصنع مناضلًا، بل يصنعه الطريق الطويل من الإيمان المجرد إلى الفعل الملموس، ومن تحويل الغضب الفردي إلى غضب جماعي، ومن إدراك الظلم إلى الوقوف في وجهه. وهذا الطريق كان طريق نبيل الذي عبّده بدمه.
كان نبيل نقابيًا شرسًا، حيث شارك في انتفاضة الخبز في جانفي 1984، وقاد مع رفاقه الاحتجاجات بمدينة ڨعفور، وكلّفه ذلك أسبوعًا خلف قضبان النظام البورقيبي.
وقف نبيل سدًا منيعًا أمام دار الاتحاد الجهوي للشغل في الجهة في مواجهة هجمة “الشرفاء” المدعومين بميليشيات الحزب الحاكم وقوات البوليس، مما تسبب له في كسر ذراعه.
كان نبيل من جيل عرف الفقر والظلم والاستبداد عن قرب، وكان يحمل غضبه وغضب أبناء جلدته. كان من جيل اليسار الذي آمن بأن الإنسان يستحق أكثر مما تمنحه إياه الأنظمة الموروثة عن الاستعمار، وآمن بقيم العدالة والحرية وبالنضال من أجل الحريات السياسية، وأن ذلك لا يمكن أن يتحقق دون التنظم داخل حزب سياسي ثوري.
فكان نبيل أحد منتسبي ومؤسسي حزب العمال الشيوعي التونسي في 3 جانفي 1986، المحظور آنذاك، وواحدًا من أبرز قادته.
تم إيقاف المناضل نبيل البركاتي إثر توزيع بيان لحزب العمال بعنوان: “الصراع الدستوري الإخواني لا مصلحة للشعب فيه”، وهو بيان يحلل ما يجري في أروقة السلطة ويذكّر الناس بأن ما يُعرض عليهم من صراعات ليس سوى صراع على السلطة، لا صراعًا من أجلهم.
أرّق نبيل ورفاقه، الناشطون في السرية داخل حزب محظور، النظام وأجهزته، فحاولوا بشتى الطرق اختراقه واجتثاثه من جذوره، لكنهم فشلوا، وما زالوا يفشلون حتى اليوم.
أدرك نبيل أن هذا اليوم آتٍ لا محالة، فحصّن تنظيمه ورفاقه، وأوصى المشرف عنهم أنه إن تم اعتقالهم ولم يستطيعوا الصمود أمام وحشية التعذيب، ألا يعترفوا بأسماء رفاقهم أو بأي معلومة تخص هيكلهم، وأن يكتفوا بذكر اسمه والتأكيد أنه من مدّهم بالمناشير.
نبيل قاهر سجانه
تعرض نبيل منذ اعتقاله لشتى أنواع التعذيب داخل زنزانته. تفنن جلادوه في ابتكار أساليب جديدة للتعذيب حين أدركوا صلابة عقيدة هذا الفتى النحيل. فاستخدموا تقنية “الفلقة” والتعليق في وضعية “الدجاجة المشوية”، وصبّ الماء البارد على جسده ثم ضربه. وأطفؤوا أعقاب السجائر في مختلف أنحاء جسده، واقتلعوا أظافره وأضراسه. فعلوا كل ذلك لهدف واحد: أن يجعلوه يتكلم.
ورغم كل محاولاتهم البائسة لافتكاك اسم أو معطى بسيط حول هيكله، صمد نبيل واختار أن يحمي رفاقه وأن يذود بنفسه في سبيل حزبه ومبادئه.
كانت إجابته: “الشيوعي لا يعرف الانحناء، وسيجيبكم الشعب ذات يوم”، و”من تكلم خان”.
كان نبيل يستطيع أن ينجو وينقذ جسده لو اعترف، لو قدّم اسمًا أو كلمة أو جملة توقف المفك عن الدوران، لكنه لم يفعل. لم يساوم على مبادئه ولم ينكث عهده.
وعندما يئس جلادو نبيل من انتزاع اعتراف منه، انهالوا عليه ضربًا حتى فقد وعيه، ثم حبكوا مسرحية سيئة الإخراج مفادها أن نبيل، ذلك الشاب الذي لم يخلُ شبر من جسده من آثار التعذيب، قد فرّ هاربًا وقفز من السور، وفي يده سلاح، وزعموا أنه انتحر.
لكن الحقيقة أنهم قتلوه وألقوا بجثمانه في قناة لتصريف المياه قرب السكة الحديدية. ولم تنطلِ هذه الكذبة على أهله ورفاقه، إذ سرعان ما انفجرت مدينة ڨعفور غضبًا بعد أن أعلن شقيقه رضا خبر استشهاده في المعهد الذي درّس فيه نبيل، ودعا إلى الاحتجاج.
خرج التلاميذ والأساتذة في مسيرات جابت المدينة مطالبة بكشف حقيقة اغتيال نبيل وإطلاق سراح المعتقلين، قبل أن تتحول إلى مواجهات مع قوات البوليس التي استعملت الغاز والرصاص الحي والخيالة والكلاب البوليسية.
ورغم الحصار، تواصلت الاحتجاجات بقيادة مناضلي حزب العمال الشيوعي التونسي، وتحت شعارات الحرية والكرامة ومناهضة الفاشية، وامتدت التحركات إلى مكثر وسليانة.
تحولت انتفاضة ڨعفور إلى رمز شعبي وسياسي ضد التعذيب والاستبداد.
نبيل شمعتنا في الدروب
ثمة شيء واحد لا تستطيع أي مدرسة أو كتاب تعليمه: أن تكون إنسانًا حين تكلّفك إنسانيتك كل شيء، حتى حياتك.
وهذا ما علمنا إياه نبيل الفدائي، مدرستنا الأولى داخل اتحاد الشباب الشيوعي التونسي، التي تهجّينا فيها معاني الإنسانية في أبهى تجلياتها.
كان معلمنا الأول الذي غرس فينا قيم الإيثار والتضحية والصمود ونكران الذات، وعلّمنا أن “الأنا” تذوب داخل “النحن”، وأن الفرد للكل والكل للحزب.
وأن الرفاق الحقيقيين هم الذين لم تلوثهم المصالح الضيقة، ولم ترهبهم التشويهات، ولم تثنهم عصا الجلاد عن النضال المستمر. هم الباقون على العهد، عهد نبيل، الفتى الذي لا يخون.
صوت الشعب صوت الحقيقة
