الرئيسية / صوت الوطن / نقابة تُتوّج في المحافل الدولية، والصحافيون بين السجون والملاحقات القضائية
نقابة تُتوّج في المحافل الدولية، والصحافيون بين السجون والملاحقات القضائية

نقابة تُتوّج في المحافل الدولية، والصحافيون بين السجون والملاحقات القضائية

بقلم : سمير جراي

منذ أسابيع، التقيت في العاصمة تونس، زميلا من بلجيكيا ربطتنا منذ أيام الثورة صداقة متينة، رسختها مشاعر عميقة كان يكنها لتونس، وفخر غريب، واعتزاز غير مفهوم بالحرية التي أصبحت تعيشها تونس بعد 2011، وخاصة ما تمتعنا به من هامش حرية واسع في الصحافة والرأي والتعبير، جلسنا في إحدى المقاهي التي ارتدناها قبل سنوات عقب الثورة، واسترجع معي صورا وأحداثا كنت قد نسيتها لكنه يتحدث عنها وكأنها حدثت بالأمس بالرغم من مرور أكثر من ثلاثة عشر سنة، حدثته عن المفارقة بين الأمس القريب وما يحدث اليوم، عن التشريعات المقيدة لحرية الصحافة وعن المرسوم عدد 54 وعن الزملاء المسجونين، حدثته عن سجناء الرأي والسياسة، وعن مناخ الخوف والترهيب، تناقشنا عن حال الإعلام العمومي والخاص، وحتى عن خشيتنا من أن ندوّن مجرد تدوينة على فايسبوك.

لم يخف ذهوله وصدمته مما سمع فقد كوّن فكرة عامة عن تراجع هامش الحريات في تونس بعد 2021 لكنه لم يتخيّل أن الأوضاع يمكن أن تصل إلى هذا الحد من القمع الممنهج والاستهداف الذي يطال الجميع دون استثناء. لكنه ختم لقاءنا وهو يترشف ما تبقى من فنجان القهوة بكلمة فيها الكثير من المعاني، قال: “أحيانا أشعر أن واقعكم عصيّ عن الفهم، لكن ما أنا متأكد منه أنكم تفهمونه جيدا وتتعاملون معه كما يجب، وستعيدون الأمور إلى نصابها“.

دعنا الآن من نقاشنا الجانبي مع الزميل المغرور بتونسولنتخيل، من قبيل التمارين الذهنية التي تفرضها علينا أوضاعنا الراهنة، أن مراقبا أجنبيا حلّ بتونس مطلع هذا الشهر. ماذا سيجد؟ لا شك أنه سيرى صورتين متناقضتين لحد الذهول، تجعلان من الاستثناء التونسيلغزا عصيا على الفهم فعلا، سيرى في الصورة الأولى، نقيب الصحفيين زياد دبار، يُنتخب نائبا لرئيس الاتحاد الدولي للصحفيين في مؤتمر باريس منذ أيام، وهو تتويج تاريخي يضع تونس في قمة الهرم الإعلامي العالمي الذي يمثل 600 ألف صحافي. وفي الصورة الثانية سيرى صحافيين ملاحقين قضائيا بموجب المرسوم 54″، وأحكاما سالبة للحرية، ومناخا من تآكل الضمانات الديمقراطية ينهش واقع القطاع والمهنة الصحفية.

هذه المفارقة ليست مجرد صدفة بفعل انتكاسة عابرة، بل هي ترجمة للأزمة الراهنة، فالتتويجات الدولية بنيت على رصيد نضالي تاريخي، بدأت منذ تأسيس النقابة في 2008 برئاسة الزميل ناجي البغوري، وتواصلت بإشعاع أكبر مع الفقيدة العزيزة نجيبة الحمروني، و يقابلها تجريفمحلي لكل ما هو نقد أو مساءلة. كل ما نعيشه اليوم هو نتاج لسياسة مارقة بامتياز، تصر فيها السلطة على أن كل شيء على ما يرام، بينما تؤكد تقارير الحريات المحلية والدولية المستقلة إننا بصدد تفكك النظام الإعلامي برمّته.

سلطة اللّاءاتوسيف التشريعات

لطالما ردد الخطاب الرسمي لازمة لا رجوع إلى الوراء، لكن واقع الحال يشير إلى أننا لا نراوح مكاننا فحسب، بل نؤسس لسياسة ما بعد الصحافة، وفي الوقت الذي تحتفي فيه نقابتنا بانتزاع موقع رفيع في الاتحاد الدولي كاعتراف بقيم الحرية والاستقلالية التي دفعنا ثمنها سنوات من الجمر، نجد أن الترسانة التشريعية المحلية تعمل في الاتجاه المعاكس تماما.

لقد أصبح المرسوم 54″ سيئ الذكر، والمجلة الجزائية، ومجلة الاتصالات، بمثابة السيف الذي يُشهر في وجه كل من تسوّل له نفسه ممارسة مهنته باحترافية ولعب دور المراقب للسلطة ونقل الحقيقة بموضوعية. إنها مفارقة موجعة أن تصبح تونس نائبا للرئيسدوليا للدفاع عن أخلاقيات المهنة، بينما يلاحق صحافيوها محليا بتهم فضفاضة من قبيل نشر أخبار زائفةأو نسبة أمور غير صحيحة لموظف عمومي“.

الأرقام حين تنطق بلا تآمر

في قراءة سريعة لتقرير الحريات الذي أصدرته نقابة الصحافيين، قد يقول أحد المتفائلين إن عدد الاعتداءات سجل تراجعا نسبيا (154 حالة مقابل فترات سابقة)، لكن هذا التراجع كمي ومخادع ويشي بما هو أخطر. فنحن ننتقل من الاعتداء الفج في الشارع إلى مأسسة القمع عبر القضاء وتخبرنا القراءة النوعية للتقرير أن الاعتداءات أصبحت أقل مباشرة لكنها أكثر تعقيدا“.

بحسب التقرير تم تسجيل 14 ملاحقة قضائية و5 أحكام سالبة للحرية في سنة واحدة، إذا نحن لا نتحدث هنا عن تجاوزات فردية، بل عن سياسة ممنهجة، وهذا التوجه نحو التجريم هو الذي يسيء إلى صورة تونس بينما تناضل النقابة من أجل تلميعها في المحافل الدولية.

وربما نتساءل ونحن نفاخر بإنجازاتنا، كيف يمكن إقناع العالم بأن الكفاءات التونسية تتموقع في أعلى هياكل القرار الإعلامي الدولي بينما يقبع زملاء لنا في السجن وآخرون ينتظرون المحاكمة بسبب مقالات صحفية، والسلامة الجسدية والنفسية لزملاء آخرين مهددة بـ 55 اعتداء، ومحاصرة بجيوش إلكترونية تمارس التحريض الممنهج عبر الفضاء الرقمي؟ يا لها من انتكاسة..

مؤامرات الكلمةفي زمن التحول الرقمي

الغريب في الأمر، أن السلطة التي تتحدث آناء الليل وأطراف النهار عن السيادة الوطنيةوتطهير البلاد من المتآمرين والخونة، تجد نفسها في صدام مع فئة هي في الأصل خط الدفاع الأول عن الحقيقة، حتى الفضاء الرقمي الذي كان يُفترض أن يكون أفقا للحرية، تحوّل إلى ساحة للتحريض حيث كان نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي مسؤولين عن 18 حالة تهديد وتحريض من أصل 21 سجلها تقرير الحريات.

هذا العنف الموازي يكمّل ما عجز عنه النص القانوني فهو يخلق مناخا من الرعب والرقابة الذاتية ويدفعنا كصحافيين للتفكير ألف مرة قبل كتابة جملة واحدة، ولا أخفيكم سرا أنني فكّرت مرة أو مرّتين قبل تحبير هذا المقال، وهنا مكمن عبقرية القمععند من صاغ المرسوم 54 فهو لا يحتاج لسجن الجميع، بل يحتاج فقط لجعل السجن احتمالا قائما في تفكير كل الصحافيين، وجعلنا جميعا في حالة سراح شرطي.

ماذا بعد التتويج؟

في الحقيقة إن انتخاب تونس نائبا لرئيس الاتحاد الدولي للصحفيين يعكس في عمقه، صرخة استغاثة أكثر منه احتفالا بالانتصار وهو اعتراف دولي بأن الجسم الصحفي التونسي مازال يقاوم، وأن نقابته لا تزال رقما صعبا في معادلة الدفاع عن الحقوق، لكن هذا المكسب لا يتجاوز البريق الخارجي إذا لم يترجم إلى ضغط حقيقي لافتكاك الحرية وإلغاء ترسانة التشريعات القمعية في الداخل، وإلا فلا معنى لأن تكون نقابتنا في أعلى هرم الاتحاد الدولي، بينما نحن مهددون بالمثول أمام التحقيق بسبب تدوينة أو مقال نقدي، ثمّ قيمة التتويج إذا كانت التقارير الدولية لا ترى في تونس سوى سجن كبيرللأصوات الحرة؟

ومن نافل القول إن وضع الصحافة في تونس اليوم يمر بمرحلة هي الأخطر منذ الثورة، فهذه السلطة تريد صحافة صفراء تصفق لإنجازات وهمية، والواقع يفرض صحافة جدية تشرح الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وبين ما نريد وما تريد، يعيش الصحافي التونسي ضحية لبيئة عمل تتسم، إضافة لكل ذلك، بعدم الاستقرار القانوني. وحتى وإن كان نقيبنا نائب رئيس صحافة العالم، فنحن هنا بالكاد نتنفس في الميدان وفي غرف التحرير أيضا وهذا الأتعس.

إلى الأعلى
×