بقلم منور السعيدي
لم تعد المسألة تحتمل التجميل ولا المواربة. ما صدر عن الجلسة العامة الاستثنائية للمحامين يوم 1 ماي 2026 ليس مجرد موقف مهني غاضب، بل هو بيان اتهام صريح لنظام سياسي يمضي بخطى ثابتة نحو تفكيك ما تبقى من ركائز العدالة، وتحويل القضاء إلى جهاز إداري تابع، وتدجين المحاماة كقوة إزعاج يجب تحييدها.
لقد سقطت كل الأقنعة. السلطة التي تجاهلت مطالب المحامين منذ أشهر، وامتنعت عن فتح أي حوار جدي، لا تفعل ذلك عجزًا أو سهوًا، بل خيارًا سياسيًا واعيًا: خيار كسر كل الأجسام الوسيطة، وضرب كل صوت مستقل يمكن أن يعطل مشروع السيطرة الشاملة. وما المحاماة إلا إحدى هذه القلاع التي استعصت طويلًا على التدجين.
المحامون لم ينزلوا إلى هذه الجلسة بحثًا عن فتات إصلاحات، بل وهم يدركون أنهم في قلب معركة طبقية وسياسية بامتياز. فحين يُضرب استقلال القضاء، لا يُضرب فقط حق الدفاع، بل يُضرب أساس التوازن داخل المجتمع، ويُفتح الباب أمام تغوّل السلطة التنفيذية على حساب كل الفئات، وخاصة الفئات الشعبية التي لا تملك سوى القانون كملاذ أخير.
إن ما تعيشه المحاكم اليوم ليس أزمة تقنية ولا مجرد اختلالات ظرفية، بل هو تعبير عن خيار اقتصادي-سياسي أشمل، يقوم على إعادة تشكيل الدولة لتكون في خدمة أقلية ضيقة، مع تهميش كل آليات الرقابة والمساءلة. وفي هذا السياق، يصبح القضاء المستقل خطرًا يجب تحجيمه، وتصبح المحاماة الحرة عقبة يجب إزاحتها.
من هنا، فإن التتبعات والمحاكمات التي طالت عددًا من المحامين مثل نجيب الشابي والعميد شوقي الطبيب ورضا بالحاج وغازي الشواشي والأستاذ الحقوقي المناضل الشهم عياشي الهمامي ليست أحداثًا معزولة، بل جزء من سياسة ترهيب ممنهجة، هدفها إرسال رسالة واضحة: كل من يرفع صوته سيدفع الثمن. لكن ما لم تستوعبه السلطة بعد، هو أن هذه السياسة، بدل أن تُخضع المهنة، تدفعها نحو مزيد من الراديكالية والاصطفاف في خندق المواجهة.
الجلسة العامة الاستثنائية جاءت لتقول بوضوح: لقد انتهى زمن الانتظار زمن الركشة من أجل بعض الفتات. لم يعد ممكنًا التعويل على وعود الإصلاح، ولا على قنوات حوار مغلقة أصلًا. نحن أمام سلطة لا تفهم إلا لغة القوة، وأمام واقع لا يُغيَّر إلا بفرض موازين جديدة على الأرض.
وإذا كان للحظة الراهنة جذورها، فإنها تمتد عميقًا في تاريخ صدامي طويل بين المحاماة والسلطة في تونس. فمنذ عهد الحبيب بورقيبة، لم تكن المهنة يومًا ملحقة بالجهاز الحاكم، بل كانت في قلب المواجهة مع سياسات التسلط وخيارات الانحياز الطبقي. المحامون لم يكتفوا بالدفاع داخل قاعات المحاكم، بل كانوا في الصفوف الأمامية للمعارك الديمقراطية والاحتجاجات الجماهيرية، يدافعون عن المساجين السياسيين، ويكشفون انتهاكات السلطة، ويحوّلون مكاتبهم إلى فضاءات مقاومة. وقد تعزز هذا الدور في مواجهة الاستبداد المتجدد وصولًا إلى المرحلة الحالية تحت حكم قيس سعيد، حيث عادت نفس الآليات: تضييق، محاكمات، ومحاولات تركيع. غير أن تاريخ المحاماة في تونس كُتب بأسماء صنعت هذا النفس النضالي، وعلى رأسهم أيقونة النضال الحقوقي راضية النصراوي التي جسدت معنى الصمود، والبشير الصيد كأحد رموز الالتزام الوطني، وعبد الرحمان الهيلة وفوزي بن مراد وشكري بلعيد الذي دفع حياته ثمنًا لمواقفه. هؤلاء وغيرهم لم يكونوا استثناءً، بل تعبيرًا عن روح مهنة ترى في نفسها خط الدفاع الأخير عن الحرية، وترفض أن تتحول إلى أداة في يد أي سلطة، مهما كان شكلها أو خطابها.
وفي هذا الإطار، اكتسبت القرارات الخمسة التي ختمت بها اللائحة أهمية خاصة، باعتبارها تشكل خارطة طريق نضالية واضحة، تنقل المهنة من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل المبادر:
أولًا: الإضراب العام الوطني والمسيرة الحاشدة
هذا القرار ليس مجرد خطوة احتجاجية تقليدية، بل إعلان دخول في مواجهة مفتوحة. الإضراب العام، حين يقترن بمسيرة وطنية، يتحول إلى أداة سياسية بامتياز، تعطل السير العادي للمرفق القضائي، وتضع السلطة أمام كلفة حقيقية لسياساتها. إنه نقل للصراع من المكاتب المغلقة إلى الشارع، حيث تتشكل موازين القوى الحقيقية.
ثانيًا: تنظيم إضرابات دورية جهوية مُنسّقة بدل الاكتفاء بتحرك مركزي قد يُمتص أثره بسرعة، تم التوجه نحو خلق ديناميكية نضالية مستمرة على كامل تراب الجمهورية. الإضرابات الجهوية تعني استنزافًا تدريجيًا للسلطة، وإبقاء جذوة الاحتجاج مشتعلة، مع إشراك أوسع قاعدة ممكنة من المحامين في الفعل الميداني.
ثالثًا: مقاطعة الدوائر القضائية المختلة
هذا القرار بالغ الخطورة في دلالاته. فمقاطعة دوائر لا تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة تعني سحب الشرعية عنها عمليًا. إنه موقف يقول إن العدالة الشكلية لا تكفي، وإن المحامين يرفضون أن يكونوا جزءًا من مسرحية قضائية فاقدة للمصداقية. إنها ضربة مباشرة لواجهة النظام القضائي.
رابعًا: تصعيد دور المحامي كفاعل مجتمعي مدافع عن الحريات
لم تعد المحاماة تُعرّف نفسها فقط كمهنة تقنية، بل كقوة اجتماعية وسياسية. القرار يدعو المحامين إلى الانخراط أكثر في الدفاع عن حرية التعبير وحقوق المواطنين، سواء داخل المحاكم أو خارجها. هذا التوسيع لدور المحامي يعيد ربط المهنة بجذورها النضالية، ويضعها في قلب الصراع من أجل الحريات.
خامسًا: تفويض مجلس الهيئة لاتخاذ كل الأشكال النضالية، بما فيها الإضراب المفتوح
هذا هو السقف الأعلى للتصعيد. حين تُمنح القيادة المهنية صلاحية اللجوء إلى إضراب مفتوح، فهذا يعني أن كل الخيارات باتت مطروحة، وأن المهنة مستعدة لخوض معركة طويلة النفس. الإضراب المفتوح ليس مجرد أداة ضغط، بل إعلان أن الاستمرار في العمل تحت هذه الظروف لم يعد ممكنًا.
هذه القرارات مجتمعة تعكس تحولًا نوعيًا في وعي المحامين بطبيعة المرحلة. لم يعد الأمر يتعلق بإصلاح جزئي هنا أو هناك، بل بصراع على طبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة قانون ومؤسسات، أم جهاز سلطوي مغلق؟
لكن الرهان الأكبر يبقى في القدرة على توسيع هذه المعركة، وربطها ببقية الفئات الاجتماعية المتضررة. فالمحاماة، مهما بلغت قوتها، لا يمكنها أن تنتصر وحدها. المعركة الحقيقية هي معركة مجتمع، ضد سياسات تفقير وتهميش، وضد سلطة تسعى إلى تركيز كل الصلاحيات في يد واحدة.
لقد وضعت الجلسة العامة الاستثنائية الإصبع على الجرح، وفتحت باب المواجهة على مصراعيه. والكرة الآن في ملعب السلطة: إما أن تستجيب لصوت العقل وتفتح مسار إصلاح حقيقي، وهذا شي مستبعد من سلطة شعبوية تعمل على وأد الأجسام الوسيطة أو تواصل الهروب إلى الأمام، مع ما يحمله ذلك من مخاطر انفجار لا يمكن التحكم في نتائجه.
في كل الحالات، يبدو أن المحاماة حسمت أمرها: لن تكون شاهد زور على تفكيك العدالة، ولن تقبل بأن تتحول إلى ديكور في مشهد سلطوي مغلق. إنها تعود اليوم إلى موقعها الطبيعي، في الصفوف الأمامية لكل معركة من أجل الحرية والكرامة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
