بقلم : جيلاني الهمامي
المدرسة الواقعية وخصومها
يشمل الصراع الذي يشق المجتمع، كما يقول الطاهر الهمامي، كل أوجه الحياة ويمتد إلى ساحة الأفكار ومجال التعبير الأدبي والفني ليقابل الأدباء والفنانين والمبدعين المنحازين إلى “قوى الحياة” بمن انحازوا إلى صف “قوى الموت“. فيعكس الإنتاج الإبداعي الواقعي صورة الواقع كما هو ولا يقف عند ذلك فقط وإنما يعبّر عن مطامح وأحلام “قوى الحياة” ويرسم النضالات والبطولات والعذابات التي تتكبّدها هذه القوى من أجل بلوغ الهدف المأمول. وبذلك يساهم الإبداع الواقعي في معركة تغيير كل ما هو سلبي وسيء وكريه ومؤلم في المجتمع وفي العلاقات والحياة إلى إيجابي وجميل ومحبب لقلوب الناس وباعث على الإحساس بالأمل والسعادة والفرح.
فالمدرسة الواقعية كما عرّفها الطاهر “تمثل سمة الإبداع الذي وقف ويقف إلى جانب الإنسان في هذه المعركة وبوصلة المبدعين الحالمين بغد أفضل العاملين على تحقيقه“.
المدرسة الواقعية هي تجاوز لكل المدارس الكلاسيكية والرومنسية وللمنظور الأحادي والستاتيكي السابق وللمدارس الجديدة العصرانية بمختلف تسمياتها ومنظور “اللاوعي” والجنون وما فوق الواقعي وما إلى ذلك من التنظيرات. هي مدرسة استلهام مواضيع الإبداع، سواء في الشعر أو القصة والرواية أو المسرح والرسم والنحت وغير ذلك من مجالات الإبداع، من الواقع المعيش الملموس. لذلك لا تشكو هذه المدرسة كما يقول الطاهر من “فقر الدم” أو “أزمة موضوع” لأن الحياة غنية غناء لا حد له بالقضايا والمواضيع والتحديات التي تشغل بال الناس وتسترعي اهتماماتهم.
وقد بلغت الواقعية مع “الواقعية الاشتراكية” (ومن روادها ورموزها مكسيم غوركي) أعلى درجات تطوّرها مستفيدة من الأطوار السابقة، أطوار النشوء في مدرسة الواقعية الفرنسية (بلزاك) والواقعية الروسية (تولستوي) وانتقلت من النزعة النقدية إلى رسم ملامح سير التاريخ الإنساني واستشراف المستقبل.
لقد كال لها خصومها من مختلف المدارس العصرانية سيلا من التهجمات والتشكيك في قيمتها الفنية واتهموها بالمباشرية والتقريرية والجفاف الفني والغرق في الايديولوجيا والفقر الإبداعي وما إلى ذلك من التّهم الجزافية والمتجنّية. والحقيقة أنّها على العكس من ذلك تفوّقت على جميع المدارس الأخرى لا فقط في مستوى المضامين وإنما أيضا في مستوى الشكل الذي كما يقول الطاهر الهمامي “دائما في خدمة المضمون وجمال الجميل بروحه، وحداثة الحديث بلبّه“. نفس هذه التهم وُجِّهَتْ لأشعار الطاهر فاعتبرها البعض من منتقديه فاقدة للّمْسة الفنية والموسيقى والإيقاع وخالية من الجمالية وهي على حدّ تعبيرهم أقرب للبيان السياسي منها إلى القصيدة. وقد دحض الطاهر هذه التهم لا فقط من خلال الجدل والمحاججة بل من خلال الإنتاج الابداعي والشعري التي جادت به قريحته وراج في تونس وفي البلدان العربية مشرقا ومغربا.
شعرية أشعار الطاهر الهمامي
غطت أشعار الطاهر الهمامي أغراضا متعددة تتعلق بأوضاع الحياة العامة كما عاشها في فترات متعاقبة من حياته. وجاءت أشعاره بمثابة صور رصدتها عدسته أضفى عليها بطريقته الخاصة جمالية قلّما نجدها لدى غيره من الشعراء. ففي مستوى المضامين، كتب عن العمال والفقراء وعن الأسواق الشعبية وعن الفلاحين وعن المرأة التونسية وعن الحركة النقابية وفلسطين ومقديشو وسراييفو والجزائر وفلوجة العراق وعن جشع المستكرشين وعن الحرية والوطن وشعوب الدنيا.
أما في مستوى الشكل فقد تميزت أشعاره بقوة المعنى وبلاغة الصورة حتى عندما يستعمل فيها المجاز ويستنطق عالم الحيوان أو مؤثثات من التراث العربي والتونسي. شرّح فيها الواقع بدقة وببساطة وصب جام نقده على الظواهر البائسة السائدة ومنازع الظلم والقهر والاستغلال في أساليب تعبيرية متنوعة تجتمع فيها السخرية والسخط والمرح. وتترواح الصور لدى الطاهر بين الرسم بالكلمات بشكل مباشر وبين الإيحاء والتلميح والتشبيه. ولا يخفى عن القارئ العناية التي كان يوليها الطاهر لقصيدته رغم طابع البساطة فيها والسلاسة والانسيابية.
كتب الطاهر “في غير العمودي والحر“، الشكل المحبب له أو قل هو الشكل الذي استنبطه مع ثلة من المبدعين الشبان ولكنه جرّب أيضا قصيدة القافية الخاضعة للتفعيلة وبحور العروض الكلاسيكي. ويعترف الطاهر بذلك قائلا “وباعتناق الواقعية (في غير أوانها؟) تركت غلواء التجريب وتعايشتْ عندي “لغات” شعرية مختلفة وأشكال تَقْصِيد عدة ووجدَتْ قصيدة الشطرين مكانا لها من جديد إلى جانب قصيدة التفعيلة ونص “غير العمودي والحر” والأزجال. لم أتنكّرْ للتجريب ولم أتخَلَّ عنه لكنْ أدمجتُه ضمن رؤية أرحَبَ وصالحتُ بينه وبين السُنَّة الشعرية العربية وكانت هذه المرحلة وما أَحَاطَ بها من أحداث هزّت الوِجْدانَ القومي (الاجتياح الصهيوني لبيروت صائفة 1982…) تُؤْذِنُ عندي بالدّخول في حوار تَنَاصِّيّ مع التّراث (الّشعر خاصّة) وفي دفع عملية المصالحة تلك، وقد جَاءَتْ المجاميع الأخيرة شاهدة على وفرة النصوص، القديمة والحديثة، المُوظّفة داخل نصّي، وأخص من القديمة المتنبي وأبي فراس وقبلهما عنترة وعمرو بن كلثوم، سواء أَكَانَ توظيفا جادّا أم هازلا” (1).
وفي كل هذه الأنماط من الكتابة برهن الطاهر الهمامي على قدرة عجيبة في رسم صورة الواقع بطريقة غاية في التعبيرية وبكلمات بسيطة كقوله في وصف ساحة الاتحاد العام التونسي للشغل ساعة حصارها من قبل قوات البوليس في أزمة الحركة النقابية سنة 1985:
جاؤوا
جاء الليلْ
نزلوا من على ظهور الخيلْ
طوقوا الساحة
أطفأوا الأضواء
جاءت سيارة دكناء
ثم سيارة دكناء
ثم سيارة دكناء
فاحت رائحة الشواء
في اللحظة “أ“
يبدأ الهجوم
تسقط الرجوم
على القلعة (2)
ويستشف القارئ من نسق القصيدة وموسيقاها السريعة حالة القلق والغضب التي كان عليها الشاعر وهو النقابي ابن “بطحاء محمد علي” التي ترك فيها سنوات من عمره. ولا يخفي الطاهر شعوره تجاه الذين كانوا على رأس المنظمة وقد تسببوا لها – ولو بنسبة – فيما تعرّضت له آنذاك فيقول في نفس القصيدة:
القلعة يا أحبّاء
مفتوحة للريح
مسقوفة بالقشّْ
يدخلها الغراب والحنشْ
يعلف يروّث ينام
يُنَاولُ التفّاح والسلام
يدخلها سبعون سبُعا مجنون
يعضّ يفترس
يختطف أكبادها من حضنها المصون (3)
يتنوّع إيقاع القصيدة في أشعار الطاهر الهمامي بحسب الغرض الذي يكتب فيه وبحسب حالة مزاجه الشخصي ساعة تداهمه القريحة. ويعمد في بعض القصائد إلى نوع من القوافي المزدوجة علامة على إيقاع مضطرب يعكس حالة الغضب والقلق التي عليها الشاعر كقوله في واحدة من قصائده التي يمتزج فيها التلميح بالتصريح بعنوان “أكلوها“:
كان بالإمكان
وأن يعيش من عرقه العرقان
ما كان في الحسبان
أن تؤكل “الخضراء“
بهذه السهولة
وأن تُرَى
جنّات يَدِها
تبْتزُّها … يدٌ مشلولة
وأن تُهرَّبَ أحْلامُ غَدِها
في جَوْفِ غولة
وأن تُحولَ مجردة
لوجهةٍ مجهولة (4)
وقد وظّف الطاهر الهمامي الإيقاعات الخفيفة وغير الخفيفة في كل أنماط القصيدة التي كتبها بما في ذلك القصيدة الموزونة بالعامية التونسية التي نأخذ منها الأبيات التالية:
نشوف تونس ظلما ما تشوف وِيخـَــــــــــاتل فيها حَلـــُّــــــــــــــــــــــــــــــوفْ
حشّاش وغشّاش وقُطْــــــــــــــــــــــــــــعِي يتْظَاهرْ بالتقوى والخـُوفْ
كي نْشُوفك تِلْهِبْني حْـــــــــــــــــــــرِيقة ونعيّط يـــــــــــــــا الطّاهر شُوفْ
الخضراء هَتَّكْها الطاعــــــــــــــــــــــون وبَرَّكها جَرْيان الجُّـــــــــــــــــــــــــــــوفْ
و“من فضل ربي” يعَبِّــــــــــــــيها وبإذْنُو الحَوّاف يحـــــــــــــــــوفْ
ويختم قصيدته هذه بالقول :
هات يدك يا عشـــــــــــــــــــــــيري نغني ع النجمة الصّبحية
ع النخلة الشهلة المزيانة مليانة عــــــــــــــــــــــــــــــــــــزّ وحرية (5)
هذا قليل مما يجب أن يقال في الطاهر الهمامي كشاعر وأديب ومثقف ومناضل بمناسبة إحياء ذكرى رحيله ، وهو قليل لا يوفيه حقه كاملا. وربما توفّرت فرصة أخرى، بمناسبة أو من دونها لمزيد تسليط الضوء على إنتاج الطاهر المتنوع والثري ولكن أيضا على شخصه وخصاله الخُلُقية كإنسان.
والذين عاشروه يعلمون جميعا كم كان الطاهر إنسانا رائعا طيب المعشر.
هوامش
1 – الطاهر الهمامي: تجربتي الشعرية، حوار مع جريدة تشرين (سورية، 2001) – ص 59
2 – ديوان: تأبط نارا، مارس 1993 – دار سحر للنشر، قصيدة: الطاعون بن الفالج ص 32
3 – المصدر السابق
4 – المصدر السابق، ص 30
5 – المصدر السابق، قصيدة بعنوان غصّة – ص 61
صوت الشعب صوت الحقيقة
