الرئيسية / صوت الوطن / نبيل البركاتي أيقونة الصمود ونبراس الشباب المناضل
نبيل البركاتي أيقونة الصمود ونبراس الشباب المناضل

نبيل البركاتي أيقونة الصمود ونبراس الشباب المناضل

بقلم : فرات السلامي

“كان بين الوحوش يعذبهم.. أيها الهمج الجبناء.. الشيوعي لا يعرف الانحناء.. جاء منتصف الليل.. قالوا اعترف يا نبيل.. اعترف وانصرف.. دمدم الحيوان ضج حاج الجريمة.. جن ثم نام.. اعترف وعليك الأمان.. كانت الأرض ترج لا.. كان كل الذي فوقها هاتفا.. من تكلم خان.. من تكلم خان”.

بهذه الكلمات رثى فقيد حزب العمال الشاعر الطاهر الهمامي الشهيد نبيل البركاتي، كلمات ظلت وستظل محفورة في ذاكرة أجيال من مناضلي الحزب.

أما شبابه الذي لم يعايش الحقبة التي استشهد فيها نبيل البركاتي، فقد لامس معاني الصمود والنضال والتضحية ونكران الذات بالتمعن في تلك الأسطر وفي سيرة الشهيد. من منا لم يرفع شعار ” يا نبيل يا شهيد على دربك لن نحيد ” داخل أسوار الجامعة بكل حماس وفخر. من منا يستحضر مقولته ” الحياة تطول أو تقصر فتلك أمور نسبية، المهم الفعل وما يتركه الإنسان من أثر ” ويقبل على نفسه التخلي عن النضال من أجل شعبه. ومن منا تسلل إليه الضعف والوهن ولم يستجمع قواه بقوة نبيل البركاتي الجبارة التي قهرت جلاديه.

لا شك إذا أن نبيل هو الرمز الذي يكثف كل المعاني السياسية والنضالية والأخلاقية التي لطالما ألهمتنا كشباب مناضل صلب اتحاد الشباب الشيوعي التونسي. فكيف نتمثل رمزية الشهيد نبيل البركاتي

نبيل البركاتي القائد السياسي الشاب

اتخذ نبيل البركاتي النضال السياسي دربا له منذ نعومة أظافره، فكان أحد قادة الحركة التلمذية في تونس وواصل مسيرته النضالية كطالب بالمدرسة الوطنية للمهندسين التي التحق بها سنة 1981، فأصبحت الحركة الطلابية مجال نشاطه صلب النقابيين الثوريين إلى حدود 1985، متى التحق بسلك التدريس وباشر نشاطه في الاتحاد العام التونسي للشغل. صقلت هذه التجارب المختلفة خصال نبيل وعززت ملكاته مما مكنه من لعب دور مهم في مسار تأسيس الحزب وجهزته للربط بين النضال النقابي الذي تمرس فيه بالنضال السياسي المنظم.

كان أغلب مؤسسي حزب العمال شبابا لا يتجاوز أكبرهم سن 32 ، ممن عرفته ساحات النضال العمالية والطلابية والنقابية. وكان نبيل البركاتي من بين هؤلاء المناضلين الأشداء، شاب لم يتجاوز عمر 25 سنة، لكنه التحق بمسار تأسيس الحزب إيمانا بحاجة الطبقة العاملة في تونس إلى حزب يعبر عنها سياسيا متسلحا بنظرية ثورية. فكان سنة 1985 مشرفا على حلقة الشيوعي في سليانة وعن شبابها ومسؤولا عن توزيع مجلتها. إثر تأسيس الحزب، تحمل نبيل مسؤوليته في تدعيم الجهاز التنظيمي للحزب وتنفيذ مقرراته والعمل على تعزيز انتشاره رغم التحديات التي تفرضها الدكتاتورية، فكان يتنقل ويجوب قرى سليانة لنشر أدب الحزب وفتح النقاش مع الكادحين لتوعيتهم بمصالحهم الطبقية بأسلوب يراعي منسوب الأمية والمستوى الثقافي.

كما عمل على بعث النوادي السينمائية والثقافية متحديا التهميش الذي تعاني منه سليانة كمنطقة داخلية عازما على مقاومة الثقافة الرجعية والبرجوازية بأخرى بديلة تعبر عن الطبقات الكادحة وتتطلع للغد الاشتراكي. خاض نبيل البركاتي تجربته السياسية في سياق تميز بصراع الأجنحة الدستورية الذي عبر عن صراعات البرجوازية وتصاعد الهجمة الدكتاتورية على اليسار التونسي وتقدم الحركة العمالية والطلابية، فتحول بفضل وعيه المتقدم إلى مناضل حديدي لا زالت سيرته تتناقل بين شباب حزبه إلى يومنا هذا.

نبيل البركاتي عنوان الصمود والصلابة الإيديولوجية

كان نبيل البركاتي دائما في مقدمة نضالات شعبه ومستعدا للتضحية التي لا يمكننا إلا أن نذكر بعض الأمثلة منها. لم تمس الهرسلة البوليسية عزيمة نبيل البركاتي، حتى عندما تم إيقافه صحبة رفاقه سنة 1984 على خلفية مشاركته في تنظيم وقيادة احتجاجات بسليانة أثناء انتفاضة الخبز، لم ينصرف عن النضال بل ازداد تمسكا بالدفاع عن شعبه. عندما تم إطلاق سراحه لم ينسى رفاقه الموقوفين، فأوكل لهم محاميا وظل يزورهم دوريا حاملا القفة وكل ما قد يحتاجونه.

اشتد عود نبيل مبكرا حتى أصبح محل ثقة حزب العمال الشيوعي التونسي وواحدا من ثلة الرفاق الذين يكلفون بأصعب المهام وأكثرها حساسية، أبرزها نقل وتوزيع البيان التاريخي ” الصراع الدستوري الإخواني لا مصلحة للشعب فيه ” في ڨعفور، مما أدى إلى اعتقاله وتعريضه لشتى وأقسى أشكال التعذيب سنة 1987، على يد بوليس بن علي الذي كان وزير داخلية في عهد الدكتاتورية البورڨيبية. تحمل نبيل أكثر من أسبوع من التعذيب الوحشي رافضا الإذعان لجلاديه الذين أرادوا منه الاعتراف بأنه وراء توزيع البيان والكشف عن مكان المطبعة والرفاق الذين ينتمون للحزب. كلما اقتلعوا ظفرا من أصابعه أو طفوا سيجارة على جسده إلا وصرخ بكل قوة وثبات ليس له مثيل ” من تكلم خان “. كانت هذه الكلمات تحبط معذبيه وتثير ثائرتهم، فينهالون على جسده المحطم ضربا حتى ينهكهم التعب، ليعودوا إليه لاحقا بأدوات وأساليب جديدة لتعذيبه، لكن صلابته الإيديولوجية كانت تمنعه من الاستسلام للوحوش الذين حاصروه، فكان يصرخ متجاهلا أسئلتهم ” من تكلم خان”. رفض نبيل أن ينبس ببنت شفة إلى أن استشهد تحت آثار التعذيب في 8 ماي 1987.

ولإخفاء الجريمة البشعة ألقى الأعوان جثته بعد إطلاق رصاصة على رأسه للإيهام بأن وفاته كانت نتيجة انتحار لا غير. لكن نبيل الشهيد لم يكن غصنا مقطوعا من شجرة فأهالي منطقته الذين رافقهم بأخلاقه في تفاصيل حياتهم أفشلوا الخطة الخسيسة وأعلنوا الغضب والعصيان على الدولة المجرمة فأشعلوا نار الاحتجاجات في سليانة إلى أن فقد النظام سيطرته على المنطقة مما دفعه إلى إعلان حضر التجول.

وحسب عون الأمن محمد نجيب الوسلاتي، الذي مثل كشاهد في قضية اغتيال الشهيد نبيل البركاتي فإن والي سليانة محمد بن رجب هو من أعطى تعليمات لرئيس المركز المذكور بتصفية الشهيد خلال مدة احتجازه في مركز الأمن بقعفور. لقد كان استشهاد نبيل البركاتي جريمة أكدت الجوهر الحقيقي للدولة البرجوازية كأداة قمع طبقي يسلط على الطبقة العاملة وطليعتها.

نبيل البركاتي وتجسيد التضامن الشيوعي

لم تكن الشيوعية بالنسبة لنبيل البركاتي قناعات نظرية فقط بل ممارسة في كل تفاصيلها، كان أبهى تجسيد للشيوعي، للإنسان الذي تخلص من الفردانية والأنانية وهاجس الخلاص الفردي بل كل أخلاق وقيم المجتمع الرأسمالي البائسة التي تجرد الإنسان من إنسانيته. كان وسيظل صورة للإنسان الاشتراكي الذي يعد به المستقبل. كان نبيل معلما في مجتمع وسياق يحظى فيه المعلم بمكانة مرموقة تكاد تضاهى مكانة الأنبياء عملا بمقولة “كاد المعلم أن يكون رسولا”.

إلا أن نبيل ترك البرج العاجي الذي ما كان إلا أن يفصله عن أبناء وبنات طبقته، فكان مربيا يرقع ملابس ومحفظات تلاميذه خلال فترات راحته بين ساعات الدروس. لم يكتف نبيل بالمحاضرات النظرية المعقدة بل نقل قيم ومعاني الاشتراكية في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، فعندما كان أبناء ڨعفور يلعبون الكجة، كان نبيل يعيد جمعها وتوزيعها بين الأطفال نبذا لقوانين الربح الجافة. لقد حوّل قسوة الحياة إلى فرصة لتعزيز قيم التضامن والتآزر، فكان يساعد العازمين على الزواج في تحضير أعراسهم بجمع المستلزمات من كافة القرية ووضعها على ذمتهم. مر نبيل ذات يوم بفلاح فقير فوجده مهموما، لم يكن مشهدا يمكن لنبيل الشيوعي أن يتجاهله ويواصل طريقه، فتوقف عنده وسأله عن سر حزنه، فأوضح له الفلاح الفقير أن بقرته تنقل لأرض فلاح غني مجاور وأن هذا الأخير طلب منه 50 دينارا ليعيدها إياه، فلم يتردد نبيل الذي تعرف كل القرية كرمه في أن يمد يده لجيوبه ويهبه 50 دينارا دون مقابل أو حتى أن ينتظر منه أن يرجعها له.

إلى الأعلى
×