الرئيسية / عربي / دمشق و واشنطن من التنسيق الخجول إلى الشراكة المعلنة
دمشق و واشنطن من التنسيق الخجول إلى الشراكة المعلنة

دمشق و واشنطن من التنسيق الخجول إلى الشراكة المعلنة

بقلم : وليد المرداسي

تمثل سوريا الحيز الجغرافي والتاريخي والحضاري الذي يختزل في عمقه كل تعقيدات الشرق الأوسط؛ كيف لا وهي التي تتربع على عرش الجغرافيا السياسية في الهلال الخصيب، وتُعدُّ نقطة الارتكاز الاستراتيجية الواصلة بين القارات الثلاث. وبوصفها ممرًا رئيسًا لإمدادات الطاقة، وامتلاكها منافذ بحرية حيوية على المتوسط. لم تعد أهمية سوريا اليوم محصورة في مواردها الذاتية، بل في دورها كـ «قفل ومفتاح» لموازين القوى الإقليمية والدولية. لذا، نجد الأطماع الأمريكية تتجه نحوها كأولوية استراتيجية، فرغم ما يبدو من غموض أو تذبذب في شكل التواجد الأمريكي وطبيعة العلاقة بين دمشق و واشنطن إلا أن الواقع يؤكد أن سوريا تظل في قلب الحسابات الإمبريالية للسيطرة على المنطقة.

تجاوزاً لإرث التصادم الذي طبع عهد نظام الأسد، دخلت العلاقة بين دمشق ومركز القرار الإمبريالي في واشنطن منذ عام 2024 طوراً جديداً من التنسيق الوظيفي الممنهج. فمع صعود حكومة الشرع، تحولت المقاربة الإمبريالية الأمريكية من استراتيجية الاحتواء إلى استراتيجية الإلحاق ، وتوظيف الدور السوري لخدمة التوازنات الجيوسياسية المستحدثة في الشرق الأوسط.

إن التسارع الملحوظ في تفكيك العقوبات، وإنهاء العزلة الدبلوماسية، بالتوازي مع محاولات ‘تجميل’ صورة الشرع وتحويله في المخيال السياسي من ملاحقٍ دولياً إلى شريكٍ للسلام في عهد ترمب ، يكشف عن ثمنٍ باهظ لهذا التحول.

إذن فدمشق باتت ، في منظور الإدارة الأمريكية، وكيلاً استراتيجياً لإدارة المصالح بآليات محلية؛ ما يقلص كلفة التدخل المباشر ويُعزز ركائز الهيمنة الأمريكية في المنطقة.

فهل العلاقة الناشئة بين دمشق وواشنطن مجرد تقاطع مصالح عابر، أم أنها تمهيد لنموذج “شراكة ” مستحدث في المنطقة ؟

أولا ، العلاقة العسكرية السورية-الأمريكية: من الهيمنة إلى “الاستعمار الرقمي” والوكالة الأمنية :

في عام 2026، لم يكن انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها في سوريا، وعلى رأسها “التنف”، استجابةً لمطالب السيادة الوطنية من حكومة الشرع ، بل كان انتقالاً تكتيكياً نحو نمط أكثر خبثاً من الإدارة الأمريكية. وما روّجت له إدارة “ترمب” ووزير خارجيتها “ماركو روبيو” كـ “انسحاب منظم”، ليس في جوهره سوى إعادة تموضع تهدف إلى تقليل الكلفة المادية والبشرية للهيمنة الأمريكية مع الحفاظ على القبضة الاستعمارية عبر أدوات التكنولوجيا المتطورة و إبقاء على التبعية الأمنية .

فإن تسليم القواعد للهياكل القيادية السورية الجديدة لا يعني انتهاء الوصاية الأمريكية ، بل هو تكريس لنموذج “الوكالة الأمنية”؛ حيث يُدفع بالدولة السورية لتأدية أدوار وظيفية تخدم المركز الرأسمالي العالمي تحت لافتة “مكافحة الإرهاب”. هذه المقايضة تضع السيادة السورية في مهب التفاهمات الإقليمية التي تقودها واشنطن، محولةً دمشق من فاعل مقاوم إلى مركز تنسيق يخدم أمن حلفاء أمريكا، وعلى رأسهم الاحتلال الصهيوني.

فعقلية “تاجر الحرب” للادارة الأمريكية استبدلت الوجود العسكري المباشر باتفاقيات أمنية عابرة للحدود وبقواعد استخباراتية غير مرئية. كما أن عمليات دمج القوى المحلية (قسد) في أجهزة حكومة الشرع ليست إلا محاولة لدمج سوريا في منظومة التبعية الأمنية والعسكرية ، حيث تُرهن أجهزة الدولة الصلبة والمسلحة لدى واشنطن من أجل التحكم في القرار السياسي السوري مقابل وهم “استقرار زائف” تضمنه الطائرات المسيرة والرقابة الرقمية.

إذن ، فنحن لا نشهد نهاية مرحلة تدخل عسكري بمعايير تقليدية ، بل نشهد “أمركة” جديدة للواقع العسكري و الأمني السوري؛ حيث تُستبدل الدبابة بالاتفاقية الأمنية المهينة، ويتحول الوجود المباشر إلى إشراف استراتيجي يضمن بقاء المنطقة داخل الفلك الإمبريالي الأمريكي .

ثانياً: من الهيمنة العسكرية إلى الاحتواء الوظيفي و إعادة هندسة “الدولة التابعة”:

إن هذا الانفتاح الأمريكي الذي شهدناه منذ فترة، فبقدر ما كان خجولا في البداية تجاه دمشق، بقدر ما كان خيارا استراتيجياً لتثبيت الأهداف الأمريكية الإمبريالية،

فهذا الانتقال من استراتيجية الإخضاع بالقوة إلى استراتيجية “الإلحاق البنيوي” يتمثل أساسا في محاولة لإعادة صياغة الدولة السورية لتؤدي دوراً وظيفياً محضاً ضمن المنظومة الصهيو-أمريكية؛ حيث تتحول السيادة من حق سياسي وشعبي إلى “ترخيص أمني” تمنحه واشنطن مقابل شروط تبعية . وفي هذا السياق، تبرز مسألة “الانتقال السياسي” كمحطة ضرورية لدى الإدارة الأمريكية من أجل إعادة هندسة جهاز الدولة، وتحويله من مؤسسة وطنية إلى “جهاز حراسة” يحمي مصالح المركز الإمبريالي ويؤمن بيئة استثمارية آمنة لرأس المال العابر للحدود . فهذا المسار يتجلى بوضوح أيضا في تحويل ملف “مكافحة الإرهاب” إلى آلية لـ “الاستعمار بالوكالة”؛ فبدلاً من تحمل واشنطن كلفة الوجود العسكري المباشر، تسعى لتحويل الجيش والمؤسسات الأمنية المحلية إلى “حرس حدود إقليمي”، مهمته تأمين خطوط الإمداد الاستراتيجية وحماية منابع الموارد الطبيعية علاوة على دور الحراسة لمحيط الكيان الصهيوني ، وهو ما يعني عملياً تفريغ مؤسسات الدولة من محتواها السيادي وتحويلها إلى أدوات تنفيذية تخدم الأمن القومي الأمريكي والصهيوني ، وأما الإصرار الإمبريالي الصهيوأمريكي على تصفية النفوذ الإيراني وتفكيك “محور المقاومة”، فهو يهدف إلى انتزاع سورية من عمقها الاستراتيجي الممانع لإعادة دمجها في فضاء جيوسياسي عنوانه الأبرز وهو التطبيع ضمن ما بات يسمى باتفاقيات السلام ” ابراهام ” و الذي تقوده واشنطن حيث تكون فيه السيادة الإقليمية حكراً على القطب الصهيو-أمريكي. وهنا يبرز “التطبيع” كالاختبار الوجودي و النهائي لهذه السلطة الوظيفية الجديدة ؛ فهو ليس مجرد خيار دبلوماسي عابر ، بل هو “صك تنازل” إستراتيجي عن العمق الجغرافي والتاريخي و الحضاري بمنطقة الشرق الأوسط لصالح الكيان الصهيوني، و بالتالي الاندماج العضوي في منظومة العمالة الأمنية و الإقتصادية حيث تكرس فيها سوريا كمنطقة عازلة أو حديقة خلفية للمصالح للحلف الإمبريالي الصهيوأمريكي.

إذن ، فإن سلطة الشرع بدمشق تعيش اليوم مأزقاً تاريخياً ؛ فإما القبول بدور الوظيفي “الدولة الوكيل” والذي تم تنصيب الشرع من أجله و بالتالي سينهي شرعيته الوطنية الزائفة وخطابه الكاذب الذي يدعي المقاومة ، أو الاستمرار في حالة “التآكل البنيوي” تحت وطأة تكتيك اللاحرب واللاسلم، بينما يواصل الكيان الصهيوني سياسة “القضم الجغرافي” الممنهج للأراضي السورية، وبذلك مستفيداً أكثر من أي وقت مضى من تحول الدولة السورية الحالية إلى هيكل هش عاجز بالكامل عن ممارسة مهامه السيادية الحقيقية.

إلى الأعلى
×