الرئيسية / صوت العالم / ترامب يقود الإمبريالية الأمريكية نحو الهاوية الإيرانية
ترامب يقود الإمبريالية الأمريكية نحو الهاوية الإيرانية

ترامب يقود الإمبريالية الأمريكية نحو الهاوية الإيرانية

بقلم حمّادي المثلوثي

تعيش المنطقة والعالم على وقع تصاعد خطير للتوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في سياق أزمة هيكلية يعيشها النظام الإمبريالي العالمي. فبعد سنوات من الحصار والعقوبات والتهديدات العسكرية، تجد الإمبريالية الأمريكية نفسها عاجزة عن فرض إرادتها كاملة رغم تفوقها العسكري الواضح، وهو ما يكشف حدود القوة الإمبريالية وتعمّق أزمتها السياسية والاستراتيجية.

لقد راهن الرئيس الأمريكي “ترامب”منذ ولايته الأولى، على سياسة الخنق الاقتصادي والسياسي ضد إيران، هذه السياسة التي من مظاهرها: الانسحاب من الاتفاق النووي والعقوبات الاقتصادية الخانقة، والاغتيالات والتهديدات المباشرة، ومحاولة عزل طهران إقليميا ودوليا. غير أنّ هذه السياسة لم تنتج الاستسلام الذي كانت تنتظره واشنطن، بل ساهمت في مزيد تعقيد الأوضاع وتوسيع دائرة التوتر وعدم الاستقرار.

إنّ ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف دبلوماسي أو صراع بين دولتين، بل هو تعبير عن تناقضات أعمق داخل النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي. فالولايات المتحدة، التي اعتادت فرض هيمنتها بالقوة العسكرية والانقلابات والحصار الاقتصادي، والترهيب والابتزاز، تواجه تراجعا نسبيا لقدرتها على التحكم المنفرد في العالم، مقابل صعود قوى دولية وإقليمية جديدة وتزايد مقاومة الشعوب لسياسات الهيمنة والنهب والابتزاز.

ومن هذا المنطلق، تسعى واشنطن إلى إعادة ترتيب المنطقة بما يخدم مصالح الاحتكارات النفطية والعسكرية الأمريكية ويضمن حماية الكيان الصهيوني، الحليف الاستراتيجي الأول للإمبريالية في المنطقة. لذلك فإنّ العدوان المتصاعد ضد إيران لا ينفصل عن الحرب الإمبريالية–الصهيونية المفتوحة على الشعب الفلسطيني وعلى حق شعوب المنطقة في التحرر والسيادة ومحاولات إخضاع شعوب المنطقة وإعادة رسم موازين القوى بالقوة.

غير أنّ الوقائع الميدانية والسياسية تظهر أنّ المغامرات الأمريكية لم تعد مضمونة النتائج. فالحروب والاعتداءات التي قادتها الامبريالية الأمريكية خلال العقود الأخيرة، من العراق وأفغانستان إلى فلسطين وإيران، لم تجلب سوى الدمار والاستنزاف الاقتصادي والعسكري والسياسي الهائل، دون تحقيق الأهداف المعلنة.

واليوم تبدو المسألة الإيرانية وكأنها تتحول إلى مستنقع إقليمي جديد للإدارة الأمريكية يصعب الخروج منه بسهولة، خاصة في ظل تشابك التحالفات الإقليمية والدولية واتساع حالة الغضب الشعبي ضد السياسات الأمريكية والصهيونية.

وفي المقابل، لا يمكن اعتبار النظام الديني البرجوازي في إيران بديلا تحرريا للشعوب. فالنظام القائم  له مصالحه الطبقية الخاصة، يستثمر الصراع مع واشنطن لتعزيز تماسكه الداخلي وتوسيع نفوذه الإقليمي. لذلك فإنّ الاصطفاف وراء أيّ من المعسكرين المتصارعين لا يخدم مصالح الشعوب الكادحة في المنطقة.

إنّ الموقف المبدئي للقوى التقدمية والثورية يجب أن ينطلق من رفض التدخل الإمبريالي والعدوان الأمريكي والصهيوني، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها وسيادتها الوطنية، مع التمسك في الآن ذاته باستقلالية الموقف الطبقي والشعبي عن الأنظمة الرجعية والاستبدادية القائمة في المنطقة.

لقد أثبتت التجارب أنّ الإمبريالية الأمريكية لا تجلب سوى التدمير والتنكيل بالشعوب وإشعال الحروب، لكنها عاجزة عن تحقيق الاستقرار أو فرض الهيمنة المطلقة كما في السابق. وكلما تعمقت أزمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ازدادت نزعتها العدوانية وتفاقمت خطورة سياساتها الخارجية. غير أنّ الشعوب، رغم المعاناة، تظل قادرة على إفشال مشاريع الهيمنة متى امتلكت أدوات التنظيم والمقاومة والوعي.

إنّ ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيدا من الحروب والتدخلات الأجنبية، بل نضالات شعبية ديمقراطية ووطنية تضع حدا للتبعية والنهب والاستبداد، وتفتح الطريق أمام التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية الحقيقية.

إلى الأعلى
×