الرئيسية / صوت العالم / كينيا وفرنسا تستضيفان قمة إفريقية فرنسية في نيروبي
كينيا وفرنسا تستضيفان قمة إفريقية فرنسية في نيروبي

كينيا وفرنسا تستضيفان قمة إفريقية فرنسية في نيروبي

بقلم : مرتضى العبيدي

بضعة أشهر قبل انعقاد هذه القمة، تناولت الصحف ومختلف وسائل الإعلام الفرنسية الحدث وكأنه فتح مبين يأتيه الرئيس الفرنسي في هذا العالم المتقلب الذي تتسابق فيه القوى العظمى نحو تثبيت مواقعها وخلق اصطفافات جديدة لضمان نصيبها ممّا تتصارع حوله هذه القوى. وقد كنا بيّنا في أعداد سابقة من صوت الشعب” (أنظر الأعداد 14، 15 و16 الصادرة في شهر فيفري 2024) كيف تتكالب هذه القوى على القارة الإفريقية وتتبارى في طلب ودّها. من ذلك ما شهدته السنتان 2022 و2023 من انعقاد قمم يكون طرفها الثاني الدول الإفريقية مثل القمة الأمريكية الإفريقية التي دعا لها الرئيس بايدن في شهر ديسمبر 2022 وحضرها 49 رئيس دولة إفريقية من أصل 55، تلتها القمة الروسية الإفريقية في سان بطرسبورغ في شهر جويلية 2023 وبعدها مباشرة القمة الصينية الإفريقية التي التأمت من 28 أوت إلى 2 سبتمبر 2023 تحت مسمّى منتدى التعاون الصيني الإفريقي.

أما فرنسا التي كانت تعتبر إفريقيا حديقتها الخلفية، فقد بدأت تغيب على المشهد في السنوات الأخيرة خاصة منذ سنة 2020، تاريخ بداية تمرّد بعض مستعمراتها القديمة عليها وهي مالي والنيجر وبوركينا فاسو التي فرضت عليها إغلاق قواعدها العسكرية وسحب جنودها من على أراضيها، قبل أن تشكّل في ما بينها اتحاد دول الساحل، وآخرها دولة تشاد التي تخلصت هي الأخرى من الوجود العسكري الفرنسي من على أراضيها. وهذا ما يفسّر تلقف وسائل الإعلام الفرنسية زيارة ماكرون إلى كينيا وأثيوبيا خلال الشهر الجاري وكأنه إنجاز يحسب له ضمن كل الخيبات التي تراكمت في عهده السعيد داخليا وخارجيا.

ففيما تكمن أهمية هذه الزيارة، وماذا كانت رهاناتها وما هي حصيلتها؟

يُذكر أن هذه الزيارة هي الأولى من نوعها للرئيس الفرنسي لبلد إفريقي أنجلوفوني أي من خارج المستعمرات الفرنسية السابقة. والتي تأتي مباشرة بعد التوترات التي عرفتها فرنسا مع عديد مستعمراتها السابقة، لا فقط تلك التي شكلت اتحاد دول الساحلبل وكذلك مع تشاد والسينغال والغابون ورواندا والجزائر، والتي كانت الغائب الحاضر في هذه القمة التي من المفروض أن تكون كل البلدان الإفريقية معنية بها، خاصة وهي تنعقد تحت شعار إفريقيا الى الأمام“. وإذا ما اختار بعضها عدم حضور هذه القمة التي كانت فرنسا أحد مستضيفها، فإن بعضها الآخر فضّل الحضور على غرار السينغال وكوت ديفوار والكونغو الديمقراطية.

وإذا ما سعى ماكرون في خطابه الافتتاحي للتقليل من آثار القطيعة مع بعض البلدان الإفريقية وغيابها، فإنه أصرّ على ادعاء أنه لم يكن يعتبر إفريقيا الناطقة بالفرنسية يوما مجالا حصريا له، بل إنه منذ وصوله الى السلطة سنة 2017، حرص على إنهاء عصر فرانس أفريكالموروث عن العهد الاستعماري، وأن اختياره اليوم لكينيا لاستضافة هذه القمة الفرنسية الإفريقية خير دليل على ذلك. كما قال إنه لم يعد ينظر الى الوراء بل الى المستقبل، لذلك أراد للقمة أن تركز على الاقتصاد والاستثمار خاصة.

قمة للاقتصاد والاستثمار

ولم تأت هذه القمة من فراغ أو بصفة فجئية، بل إنه تم الإعداد لها على مدى سنوات حيث أن باريس سعت منذ بداية شعورها بانفلات قبضتها على شركائهاالتقليديين الى البحث عن شركاء جدد. فقد سعت إلى تعزيز علاقاتها التجارية، فزادت وارداتها من أفريقيا بنسبة الربع بين عامي 2021 و2024، وفقًا لبيانات مركز التجارة الدولية.

وفي عام 2024، وقّعت مع نيجيريا اتفاقية استثمار بقيمة 300 مليون يورو لدعم البنية التحتية الأساسية والرعاية الصحية والنقل والطاقة المتجددة في هذه الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في أفريقيا. كما وقّعت مع كينيا اتفاقية دفاعية مبدئية في أكتوبر 2025 لتعزيز تعاونهما في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمن البحري وحفظ السلام.

إلا أن هذا الطريق لم يكن سالكا، إذ واجهت فرنسا بعض النكسات في دولٍ يستغل فيها مستثمرون مثل الصين أو دول الخليج مواردهم المالية الضخمة وعلاقاتهم التاريخية لترسيخ نفوذهم. ففي العام الماضي، ألغت حكومة ويليام روتو، وهو صديق ماكرون وحليفه في بعض الملفات على الصعيد الدولي، عقدًا مع تحالف تقوده شركة فينسي الفرنسية لمشروع توسعة طريق سريع بقيمة 1.5 مليار دولار، والذي رُسِيَ في نهاية المطاف على شركات صينية. ويعتزم الرئيس الكيني استغلال قمة نيروبي للدعوة إلى مفاوضات تهدف إلى جعل النظام المالي الدولي أكثر عدلًا للدول الأفريقية المثقلة بالديون. وقد تعهدت فرنسا بدعم حملته.

والواضح أن باريس تسعى من خلال هذه القمة للحفاظ على موطإ قدم في فضاء طالما مثّل فناءها الخلفي التي كانت تتحكّم فيه من خلال عملائها المنصّبين على رأس أنظمة الاستعمار الجديد التي خلفت الاستعمار المباشر. وحتى وإن كانت لم تخسر بعد جميع أوراقها في بلدان غربي إفريقيا من أنظمة عميلة ومؤسسات تأتمر بأوامرها مثل CEDEAO فإنها تسعى من باب الاحتياط الى تنويع علاقاتها في باقي الربوع الإفريقية الشاسعة والغنية، في وقت يزداد فيه نفوذ قوى عظمى مثل الصين وروسيا.

هل تكون كينيا بوابة فرنسا الجديدة نحو إفريقيا؟

وإذا كان ماكرون يسعى الى تحقيق علاقات متجددة مع إفريقيا، فالواضح أنه يراهن على كينيا لتكون بوابته الجديدة باتجاه البعد الإفريقي. وهو ما بدا لنا واضحا من خلال مخرجات القمة إذ أن كينيا هي التي حصلت على نصيب الأسد من المشاريع والتمويلات التي تم التداول بشأنها خلال يومي القمة في نيروبي وقبلهما. وكأن الطرف الفرنسي حرص عن إبراز الشراكة مع كينيا كرمز لـالعلاقة المتجددةالتي تأمل باريس في إقامتها مع أفريقيا. فكينيا تستضيف حاليًا 140 شركة فرنسية من مختلف الأحجام والتخصصات، مقارنةً بنحو ثلاثين شركة كبيرة فقط قبل 15 عامًا.

ومن خلال المنتدى الاقتصادي الذي سبق القمة، وقّعت شركة الشحن الفرنسية CMA CGM “اتفاقية شراكة استراتيجيةمع الحكومة الكينية لتطوير البنية التحتية اللوجستية والنقل، بقيمة 700 مليون يورو. مما جعل رئيس كينيا ويليام روتو، يصرّح أنه أصبح لاعبًا رئيسيًا في هذه العلاقات الفرنسية الأفريقية الجديدة، قائلاً: “نتشارك مواقف مشتركة بشأن إصلاح النظام المالي الدولي“. هذا الموضوع مطروح على جدول أعمال قمة الثلاثاء، التي تهدف إلى حشد رؤوس الأموال الخاصة وتجاوز نقص المساعدات الإنمائية الرسمية. ولا نبالغ إن قلنا إن الرئيس الكيني خرج من هذه القمة أكثر قوة، وهو الذي سيمثل قارته في منتصف جوان القادم في قمة مجموعة السبع في إيفيان، فرنسا، التي دعاه إليها إيمانويل ماكرون.

نتائج زيارة ماكرون إلى كينيا: الديبلوماسية الاقتصادية

جمع هذا الحدث الاقتصادي بامتياز عشرات رؤساء الدول وآلافًا من قادة الأعمال. وأعلن الرئيس الفرنسي في نهاية الأشغال عن استثمارات بقيمة 23 مليار يورو (بما في ذلك 14 مليار يورو من شركات فرنسية) لدعم الابتكار والبنية التحتية والشباب الأفريقي.

ويمكن حوصلة أبرز نتائج الزيارة والقمة في النقاط التالية:

1. صفقات واتفاقيات ثنائية ضخمة

شراكة بمليار يورو: وقّعت فرنسا وكينيا 11 اتفاقية ثنائية تجاوزت قيمتها الإجمالية مليار يورو (أكثر من 1.1 مليار دولار).

تحديث البنية التحتية والمواصلات: تخصيص تمويلات لتحديث قطار الضواحي في نيروبي بقيمة 12.5 مليار شلن كيني لتخفيف الازدحام المروري.

تطوير الموانئ: التزام شركة الشحن الفرنسية العملاقة CMA-CGM بضخ 700 مليون يورو لتجديد محطتين في ميناء مومباسا الإستراتيجي.

الطاقة المتجددة والنظيفة: استثمار شركة Meridiam الفرنسية مبلغ 225 دولار أمريكي لتوسيع ثاني أكبر مزرعة رياح في كينيا، بجانب فتح نقاشات أولية للتعاون في مجال الطاقة النووية.

الشبكة الرقمية: إطلاق مشروعات لمد شبكات الألياف الضوئية على طول الطرق السريعة في كينيا لتعزيز البنية الرقمية.

مركز التحكم الكهربائي: بناء مركز تحكم وطني جديد للكهرباء لضمان استقرار توزيع الطاقة في كينيا.

2. حزمة تمويلية بقيمة 23 مليار يورو: أعلن ماكرون عن تعبئة استثمارات إجمالية للقمة بلغت 23 مليار يورو لصالح مشروعات التحول الطاقي، الذكاء الاصطناعي، والزراعة في إفريقيا.

مساهمة المستثمرين: تنقسم هذه التمويلات بين 14 مليار يورو من الصناديق الفرنسية العامة والخاصة، و9 مليارات يورو عبأها مستثمرون ورجال أعمال أفارقة.

خلق وظائف: تستهدف هذه المشاريع توفير أكثر من 250 ألف فرصة عمل مباشرة بين فرنسا ودول القارة.

3. أما على العيد السياسي والديبلوماسي،

فقد تميزت هذه القمة بـ:

إعلان انتهاء حقبة النفوذ الفرنسيالقديم: أقرّ ماكرون علنًا من نيروبي بأن زمن الوصاية ومفهوم مجال النفوذ الفرنسيفي الدول الناطقة بالفرنسية (إفريقيا الفرانكوفونية) قد انتهى تمامًا.

التوجه نحو الدول الأنجلوفونية: عكست الزيارة وعقد القمة في كينيا (دولة ناطقة بالإنجليزية) استراتيجية باريس لتنويع شراكاتها وبناء علاقات نديةمع قوى اقتصادية إفريقية صاعدة، لتعويض تراجع نفوذها في منطقة الساحل الإفريقي.

رفض منطق التبعية: أكد الرئيس الكيني وليام روتو أن العلاقة مبنية على أساس رابح رابح، مشيرًا إلى أن كينيا تتطلع إلى الأمام ولا تنظر إلى الشرق أو الغرب.

إلى الأعلى
×