الرئيسية / صوت العالم / الكابلات البحرية وصراع الهيمنة الرقمية: كيف توظف “شرايين الإنترنت” كورقة سيادة جيوسياسية؟
الكابلات البحرية وصراع الهيمنة الرقمية: كيف توظف “شرايين الإنترنت” كورقة سيادة جيوسياسية؟

الكابلات البحرية وصراع الهيمنة الرقمية: كيف توظف “شرايين الإنترنت” كورقة سيادة جيوسياسية؟

بقلم كوثر الباجي

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر لعبور النفط وناقلات الطاقة، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى عقدة استراتيجية تتحكم في أحد أهم أعصاب الاقتصاد العالمي الحديث: تدفقات البيانات الرقمية العابرة للقارات. ففي زمن الرأسمالية الرقمية، أصبحت كابلات الألياف الضوئية البحرية تمثل البنية التحتية الخفية التي يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي، إذ تمر عبرها المعاملات البنكية الدولية، وخدمات الحوسبة السحابية، والتطبيقات الرقمية، والتواصل بين المؤسسات المالية والشركات العملاقة والدول. ولذلك لم تعد السيطرة على الممرات البحرية مرتبطة فقط بالطاقة والتجارة، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالتحكم في “طرق البيانات” التي تشكل شرايين العولمة المعاصرة.

وفي خضم التوترات المتصاعدة بين إيران والمحور الصهيو-أمريكي، بدأت طهران تلمّح بصورة متزايدة إلى أهمية هذه الكابلات العابرة للخليج ومضيق هرمز، في محاولة لتأكيد أن الصراع لم يعد عسكريًا أو نفطيًا فقط، بل أصبح أيضًا صراعًا على البنية التحتية الرقمية العالمية. وهنا تبرز مسألة الكابلات البحرية باعتبارها ورقة استراتيجية جديدة قد توظفها إيران ضمن خطاب السيادة الوطنية والردع الجيوسياسي في مواجهة العقوبات والحصار والضغوط العسكرية الغربية.

أولًا: الكابلات البحريةالبنية الخفية للرأسمالية الرقمية العالمية

تشير التقديرات الدولية إلى أن ما يقارب 99% من حركة الإنترنت العالمية تمر عبر كابلات بحرية ممدودة في أعماق البحار والمحيطات، وهي كابلات لا يتجاوز سمك بعضها بضعة سنتيمترات، لكنها تمثل فعليًا العمود الفقري للعولمة الرقمية الحديثة. فمن خلالها تنتقل البيانات المالية، والتحويلات البنكية، ومكالمات الفيديو، وخدمات التخزين السحابي، وحركة البورصات والأسواق العالمية في أجزاء من الثانية.

فإن هذه البنية التحتية ليست مجرد أدوات تقنية محايدة، بل هي جزء من منظومة الهيمنة الاقتصادية والسياسية التي تفرضها القوى الكبرى على العالم. فالإمبريالية المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على السيطرة العسكرية المباشرة ونهب المواد الخام، بل أصبحت ترتكز أيضًا على احتكار التكنولوجيا وشبكات الاتصال والبنية الرقمية العالمية. ولهذا أصبحت الكابلات البحرية تمثل “شرايين رأس المال الرقمي”، لأنها تضمن التدفق السلس للمعلومات والمعاملات والأسواق التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الحديث.

كما أن تمركز هذه الكابلات في نقاط جغرافية ضيقة مثل مضيق هرمز وقناة السويس والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط يجعل النظام الرقمي العالمي هشًا وقابلًا للاهتزاز في أي لحظة. فالعولمة التي تبدو وكأنها فضاء افتراضي بلا حدود تعتمد في الواقع على بنية مادية حساسة للغاية، يمكن أن تتعرض للتعطيل بفعل الحروب أو الألغام أو حتى الحوادث التقنية. وهذا ما يفسر تزايد الاهتمام الدولي بحماية هذه الكابلات التي أصبحت تعادل في أهميتها الاستراتيجية خطوط النفط والغاز.

وفي هذا السياق، لم تعد شركات التكنولوجيا العملاقة مثل Google وMicrosoft وAmazon مجرد مؤسسات اقتصادية، بل تحولت إلى قوى جيوسياسية تمتلك مصالح استراتيجية مرتبطة مباشرة بأمن الكابلات البحرية واستقرار تدفق البيانات العالمية. فالرأسمالية الرقمية اليوم لم تعد قائمة فقط على المصانع والبنوك، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بمراكز البيانات وشبكات الإنترنت العالمية التي تتحكم في الاقتصاد والإعلام والاتصالات وحتى في أنماط الاستهلاك والسلوك الاجتماعي.

ثانيًا: إيران وتوظيف الكابلات البحرية ضمن معادلة الردع والسيادة

وانطلاقًا من هذه التحولات، تدرك إيران أن موقعها الجغرافي يمنحها قدرة استراتيجية تتجاوز مسألة النفط نحو التأثير في البنية التحتية الرقمية العالمية. فمضيق هرمز لا يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية فقط، بل تعبره أيضًا كابلات بحرية تربط الخليج بجنوب آسيا وأوروبا وإفريقيا، وهو ما يمنح طهران ورقة ضغط إضافية في مواجهة القوى الغربية.

ولهذا تحاول إيران تقديم أي حديث عن الكابلات البحرية ضمن خطاب “السيادة الوطنية” وحقها في حماية مجالها البحري من التهديدات الأجنبية. فبالنسبة لطهران، لا يتعلق الأمر فقط بالرد على العقوبات الاقتصادية أو التصعيد العسكري، بل أيضًا بإظهار أن الاقتصاد العالمي نفسه أصبح معتمدًا على منطقة الخليج وعلى الاستقرار الأمني في مضيق هرمز.

وفي هذا الإطار، بدأت تظهر نقاشات داخل إيران حول إمكانية فرض رسوم مرتبطة بصيانة الكابلات البحرية أو مرورها داخل المياه الإقليمية الإيرانية، في خطوة تحاول طهران من خلالها تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة سيادية واقتصادية، على غرار ما تقوم به دول أخرى تتحكم في ممرات استراتيجية بحرية. فإيران ترى أن العالم يستفيد من هذه البنية التحتية الرقمية العابرة لمياهها، وبالتالي من حقها الاستفادة الاقتصادية من عمليات الصيانة والتأمين والخدمات المرتبطة بها.

غير أن التهديد باستهداف الكابلات البحرية لا يعني بالضرورة قطع الإنترنت العالمي بالكامل، لأن الشبكة الدولية تعتمد على مسارات متعددة وبدائل تقنية مختلفة. لكن الخطر الحقيقي يكمن في إرباك التدفقات الرقمية العالمية وإحداث اضطرابات واسعة في الأنظمة الأكثر حساسية، مثل المدفوعات الرقمية، والمعاملات البنكية، وخدمات الحوسبة السحابية، والاتصالات العابرة للقارات.

كما أن أي مواجهة بحرية أو اضطراب أمني في الخليج قد يؤدي إلى تباطؤ كبير في حركة البيانات بين أوروبا وآسيا، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الأسواق المالية والمنصات الرقمية العالمية. ولذلك أصبحت حماية الكابلات البحرية جزءًا من الأمن القومي للدول الكبرى والشركات التكنولوجية العملاقة في الوقت نفسه.

ومن زاوية أخرى، يعكس هذا الوضع طبيعة الصراع داخل النظام العالمي، حيث تسعى القوى الكبرى إلى احتكار التكنولوجيا والبنية الرقمية العالمية، بينما تحاول بعض الدول المناهضة للهيمنة الغربية، مثل إيران، البحث عن أدوات ردع جديدة داخل هذا النظام المعولم. ولهذا فإن مجرد التلويح بورقة الكابلات البحرية يكشف حجم التحول الذي طرأ على طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين، حيث أصبحت البيانات والمعلومات جزءًا أساسيًا من أدوات الهيمنة والصراع الدولي.

ثالثًا: تونس والكابلات البحريةبين الموقع الاستراتيجي وغياب السيادة الوطنية

وفي المقابل، يفتح هذا التحول العالمي الباب أمام تساؤلات تتعلق بموقع البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا ضمن خارطة البنية التحتية الرقمية الدولية، وخاصة بالنسبة إلى تونس. فالمتوسط يشهد مرور عدد من الكابلات البحرية التي تربط أوروبا بإفريقيا والشرق الأوسط، ما يمنح تونس أهمية جغرافية متزايدة باعتبارها نقطة اتصال بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط.

غير أن الفرق الجوهري بين الحالة الإيرانية والحالة التونسية يتمثل في طبيعة التموقع الجيوسياسي والقدرات السياسية والاستراتيجية. فإيران تمتلك مشروعًا سياديًا وصراعًا مفتوحًا مع القوى الغربية، إضافة إلى امتلاكها نفوذًا إقليميًا وقدرات عسكرية تجعل تهديداتها ذات وزن في موازين القوى الدولية. أما تونس، فرغم موقعها الجغرافي المهم، فإنها لا تمتلك استقلالية القرار السياسي والاقتصادي التي تسمح لها بتحويل موقعها الرقمي إلى ورقة سيادية حقيقية.

ويرى العديد من المنتقدين أن ارتباط النظام السياسي التونسي بالخيارات الاقتصادية الغربية، وارتهان السياسات الوطنية للمؤسسات المالية الدولية، جعلا تونس عاجزة عن توظيف موقعها الاستراتيجي بصورة مستقلة. ولذلك تبقى الكابلات البحرية المارة عبر المتوسط عنصرًا يخدم بالأساس الشبكات الاقتصادية العالمية، دون أن يتحول إلى أداة سيادية أو رافعة جيوسياسية للدولة التونسية.

لكن رغم ذلك، تستطيع تونس نظريًا استثمار موقعها ضمن رؤية مختلفة تقوم على تعزيز السيادة الرقمية والتحول إلى منصة إقليمية للبيانات والخدمات التكنولوجية. فبدل الاكتفاء بدور العبور التقني، يمكن توظيف الموقع الجغرافي في جذب الاستثمارات الرقمية، وإنشاء مراكز بيانات، وتعزيز البنية التحتية للاتصالات، بما يسمح لتونس بالاندماج بصورة أفضل في الاقتصاد الرقمي العالمي مع الحفاظ على قدر أكبر من الاستقلالية الوطنية.

في الختام،  تكشف التوترات المتصاعدة حول مضيق هرمز أن العالم الرقمي الذي يبدو بلا حدود يعتمد في الواقع على بنية تحتية مادية شديدة الهشاشة وقابلة للتعطيل في أي لحظة. فالكابلات البحرية التي تمر بصمت في أعماق البحار تحولت اليوم إلى عنصر مركزي في معادلات الهيمنة والردع والصراع الجيوسياسي العالمي.

وفي ظل الرأسمالية الرقمية المعاصرة، لم تعد القوة الدولية تقاس فقط بالسيطرة على مصادر الطاقة أو التفوق العسكري، بل أصبحت ترتبط أيضًا بالقدرة على التحكم في تدفقات البيانات العالمية وحماية البنية التحتية الرقمية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الحديث. ولذلك فإن معارك المستقبل قد لا تدور فقط حول الموانئ والحقول النفطية، بل أيضًا حول “شرايين الإنترنت” الممتدة في أعماق البحار، والتي أصبحت تمثل القلب الحقيقي للعولمة الرقمية الجديدة.

إلى الأعلى
×