بقلم : عمار عمروسية
واصلت سلطة “عون/سلاّم” انغماسها في المسار التفاوضي المباشر مع الكيان الصهيوني بإشراف زعيمة الإرهاب العالمي الولايات المتحدة الأمريكية دون أدنى اكتراث لا للانقسام السياسي والشعبي الحاد حول مخاطر هذا الانخراط ولا لحالة الضعف والوهن للطرف اللبناني المفاوض الذي اختار عن وعي حرق جميع أوراق القوّة لديه (سلاح المقاومة، صمود الحاضنة الشعبية ،الدعم الإيراني الخ…) واستبدالها بأوهام التعويل إما على عون “الأشقاء العرب ” وتحديدا رأس حربتهم النظام الرسمي العربي العميل ونقصد دويلات الخليج أو على “واقعية وعقلانية دونالد ترمب” ضابط إيقاع جميع العدوانات الهمجية على “لبنان” والإقليم عموما!!!
ومثلما كان متوقعا كانت حصيلة الجولة الرابعة من تلك الجلسات مجرد بيان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية سبقه كالعادة إطلالة إعلامية من “ترمب” تضمنّت تبشيرا بوقف القتال وسيلا لا حدود له من المغالطات والأكاذيب حول “منافع السلام الحاصل” و“المستقبل العظيم لدولة لبنان والمنطقة“!!! الخ… من تلك المفردات المخادعة التي سارع إلى ترويجها الخطاب السياسي والإعلامي في الأوساط العربية الرجعية داخل “لبنان” وخارجها، بعد إخضاعها إلى عملية تدوير معقدّة جمعت بين تجميلها وصقلها بما ينسجم مع مقتضيات تسهيل تمريرها على نطاق واسع شعبيا تحت مسوّغات ديماغوجية (البراغماتية، الفرصة الأخيرة والطريق الوحيد لاسترداد الحقوق…) متماهية إلى حدود كبيرة مع القاموس السياسي والثقافي لأزمنة الانتكاسات والهزائم العربية.
فالعودة السريعة إلى بيان الخارجية الأمريكية يجعل أيّ ملاحظ نزيه يقف على جملة الملاحظات التالية التّي تفضح زيف الضخّ الإعلامي الذي رافقه وعلى الأخصّ في مسألة وقف العدوان:
– لقد تضمن ذاك البيان ثلاث فقرات بما جعله متناسبا مع عدد أطراف طاولة المفاوضات والأغرب من ذلك أن تلك الفقرات وردت ضمن صياغة لغوية فضفاضة أبعد ما تكون عن تقنيات صياغة المعاهدات أو الاتفاقات المألوفة في مثل هذه الأوضاع.
والأنكى من ذلك تلك الفقرات كانت بمثابة حوصلة دون قواسم مشتركة وجهود تفاوضية لأهداف ومصالح أطراف التفاوض مع تغليب صريح لجانب الكيان الصهيوني النازي قابله وضع المطالب اللبنانية ضمن سياقات الأمنيات والتوسلات.
– خلوّ البيان من ضبط آليات وتحديد آجال زمنية لتنفيذ جملة المهمّات المطروحة وتركها ضمن المجهول أو بالأصحّ تحت رحمة رغبات وحسابات حكومة الاحتلال المحكومة بعقيدة قضم الأراضي وممارسة شتّى أنواع الجرائم مثل الإبادة والتهجير الخ…
– التفصّي المطلق من التنصيص على الوقف الشامل لإطلاق النار وجعله استحقاقا ملزما لجيش العدوّ الذي يستبيح سيادة الأراضي وكرامة المواطنين.
فوقف الحرب الذي يتفاخر به “جوزيف عون” لا يتجاوز حدود الوعد المرتبط كما جاء في البيان مشروطا بجملة أمور مرتبطة بـ“حزب الله “الذي ينبغي عليه وفق البيان “الوقف الشامل لأعماله العسكرية “زيادة عن خروج مقاتليه من جنوب “نهر الليطاني” ومباشرة نزع سلاحهم على امتداد كافة أراضي “لبنان” مع إنشاء مناطق تجريبية تكون تحت إدارة الجيش اللبناني الذي يحتكر وحده السلاح وأولى واجباته تجريد المقاومة من ذخائرها وتفكيك جميع بناها العسكرية تحت رقابة لجنة أمنية مختلطة تجمع قوات “اليونيفيل” وكوادر أمنية صهيونية تحت إشراف أمريكي!!!
– لقد قفز الاتفاق على واقع احتلال الأراضي اللبنانية وتهجير مئات آلاف المواطنين من قرى وبلدات الجنوب بما فيها مدن أساسية مثل “النبطية” و“صور” وهو في حدّ ذاته تشريع وقح للدوس على السيادة الوطنية وعودة فجّة بلبنان إلى حيثيات اتفاقية 17ماي 1983 المشؤومة زمن حكم قوى العمالة برئاسة “أمين جميل“.
فعقارب ساعة سلطة “عون/سلاّم” تدور نحو زمن الانكسارات والخيانات وتقفز من جهة على التاريخ المضيء للمقاومة الوطنية والإسلامية بلبنان التي أسقطت ذاك الاتفاق وأدخلت البلاد نحو ملاحم البطولات والتحرير ومن جهة ثانية على حاضر المقاومة الباسلة التي يتصدّرها مقاتلو “حزب الله” الذي تجاوز بسرعة قياسية جميع محنه وأعاد ترتيب صفوفه ووضع نفسه على طريق إعادة صياغة قواعد اشتباك جديدة تليق بنبل حاضنته الشعبية وتضحيات مقاتليه مستفيدا أولا من تجاربه السابقة في القتال وتصحيح أخطائه وثانيا من السند القوي لدعم محور المقاومة وتحديدا “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” التي أمكن لها تثبيت مبدأ وحدة الساحات من خلال التمسك الدائم منذ بداية طاولة المفاوضات الباكستانية بضرورة الوقف الشامل للحرب على كافة الجبهات وعلى الأخص “لبنان” وأردفت الأمر في الأيام الأخيرة بتهديدها العلني والصريح بالعودة إلى قتال الكيان الصهيوني في حالة استمرار الأخير في قصف الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
