الرئيسية / عربي / هرولة الأنظمة العربية الرجعية نحو “الشرق الأوسط الجديد”
هرولة الأنظمة العربية الرجعية نحو “الشرق الأوسط الجديد”

هرولة الأنظمة العربية الرجعية نحو “الشرق الأوسط الجديد”

بقلم : حبيب الزموري

تتهافت الأنظمة العربية الرجعية العميلة في السر والعلن على الانخراط في مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير مستغلة تدني وعي الشعوب العربية بأصول هذا المشروع هذا وطبيعته ومستغلة أجهزتها الإيديولوجية والدعائية للترويج له بوصفه الفردوس الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المفقود.

1 – جذور مشروع الشرق الأوسط الجديد / الكبير

لئن كان ظهور مصطلح الشرق الأوسط في الخطاب الاستعماري الأوروبي وتحديدا البaود إلى بدايات القرن العشرين فإن مصطلح الشرق الأوسط الجديد يعود إلى العشرية الأخيرة من نفس القرن وتحديدا سنة 1993 تاريخ صدور كتاب شمعون بيريز الذي حمل نفس العنوان وعبر فيه عن الرؤية الصهيونية لمرحلة ما بعد اتفاقية أوسلو وارتكز الكتاب على ثلاثة محاور رئيسية:

  • السلام الاقتصادي: اقترح بيريز إقامة تحالف إقليمي يشبه “الاتحاد الأوروبي”، بحيث تستثمر الدول العربية أموالها، ويقدم الكيان الصهيوني التكنولوجيا والإبداع الفكري.
  • تجاوز الحدود السياسية: التركيز على مشاريع البنية التحتية المشتركة (المياه، السياحة، الطاقة، والاتصالات) بدلاً من التركيز حصراً على النزاعات الحدودية.
  • القيادة الإسرائيلية: تصور خفي بأن يكون الكيان الغاصب القوة الاقتصادية والتنظيمية المحركة والموجهة لهذا النظام الإقليمي الجديد.

سرعان ما تقاطعت هذه الرؤية الصهيونية مع رؤية الامبريالية الأمريكية لإعادة تشكيل المنطقة إثر هجمات 11 سبتمبر 2001 وحرب جويلية 2006 التي خاضتها المقاومة اللبنانية ضد العدو الصهيوني، تلك الرؤية التي روّجت لها وزيرة الخارجية الأمريكية حينذاك كونداليزا رايس ويصبح مصطلح “الشرق الأوسط الكبير” أحد ركائز الخطاب والممارسة الامبريالية الأمريكية في المنطقة والمتجسدة في المحاور التالية:

  • السياق والأهداف: سعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة (بما يتجاوز الشرق الأوسط التقليدي ليشمل دولاً في شمال إفريقيا وآسيا الوسطى) لضرب بؤر “الإرهاب” ونشر الديمقراطية.
  • نظرية الفوضى الخلاقة: تبنت كونداليزا رايس استراتيجية تعتمد على إحداث تغيير جذري، معتبرة أن الاضطرابات والحروب في المنطقة هي مجرد “مخاض” لولادة نظام إقليمي جديد.
  • إعادة الرسم الجيوسياسي: تم تفسير المشروع في العديد من الدوائر الاستراتيجية على أنه محاولة لتفكيك الكيانات الكبرى إلى دويلات أصغر قائمة على أسس عرقية أو طائفية، بغية إعادة ترتيب المنطقة بطريقة تخدم مصالح الهيمنة الصهيونية والامبريالية.

هذه الجذور الصهيونية والامبريالية لمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو الشرق الأوسط الإبراهيمي – تعددت الأسماء والمسمى واحد – لم يحل دون انخراط عديد الأنظمة العربية الرجعية العميلة في السر والعلن في هذا المشروع المعادي لحقوق الشعوب العربية، وقد شكلت مصر الساداتية مخبر التجارب الأول لإعادة صياغة العلاقة بين الدول العربية ودولة الاحتلال الصهيوني منذ أواخر سبعينات القرن الماضي.

2 – مشروع التطبيع جزء لا يتجزأ من مشروع تنكيل الأنظمة الرجعية بالشعوب العربية

لئن كانت اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني أول خطوة في مسار تطبيع الأنظمة العربية الرجعية لعلاقاتها مع الكيان الصهيوني فإن حركة التحرر الوطني العربية في مختلف الأقطار كانت ما تزال قادرة على تحريك الشارع العربي و مواجهة مثل هذه المخططات الرجعية و هو ما كلف نظام السادات عزلة عربية امتدت لسنوات مقابل محافظة حركات المقاومة على قدرتها على مواجهة الأنظمة العربية العميلة المتواطئة مع المشروع الصهيو-إمبريالي في المنطقة. و لكن بداية التسعينات شهدت تحولات جذرية في المنطقة و في العالم لم تكن في صالح قضايا التحرر الوطني و في مقدمتها القضية الفلسطينية بانهيار المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي و الاعتداء الامبريالي الغاشم على العراق و دخول منظمة التحرير الفلسطينية في نفق التسويات و التطبيع بإمضاء اتفاقية أوسلو سنة 1993 و مراهنة القيادة الفلسطينية على قدرتها على فتح أبواب العالمين العربي و الإسلامي أمام الصهاينة مقابل انسحابهم من الأراضي الفلسطينية المحتلة و هي تراهن بذلك بشيء لا تملكه ولا تستطيع التحكم في مساره، بعد أن فقدت تمسكها بالرواية الفلسطينية التاريخية واعترفت بعدوها.

يروي نبيل شعث في كتابه “العودة إلى الوطن” كيف انهارت هذه المقولة منذ لحظة توقيع ياسر عرفات واسحاق رابين الاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي في واشنطن؛ فبعد التوقيع مباشرة، طلب رابين من عرفات أن يساعده في زيارة المغرب في طريق عودته إلى تل أبيب، كي يتمكن من القول للإسرائيليين: “هل رأيتم؟ عندما وقّعت اتفاق سلام مع الفلسطينيين بدأت أبواب الدول العربية تُفتح لكم، وهذا لم يحدث عندما وقّعنا اتفاقاً مع مصر.” وفعلاً، وصل رابين إلى المغرب مشفوعاً بدعم وتوصيات الرئيس الأميركي بيل كلينتون، ودُعي الملك الحسن الثاني إلى حضور قمة اقتصادية شرق أوسطية في الدار البيضاء، لتسويق مشروعات التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط لتقوية السلام، في 30 أكتوبر 1994، بمشاركة إسرائيل ومنظمة التحرير وممثلين عن 61 دولة ولينطلق قطار التطبيع على سكته العابرة للحدود وللحقوق التاريخية للشعوب العربية.

  • الأردن (1994): تم التوقيع على معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية (وادي عربة) في 26 أكتوبر 1994، لتطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية.
  • الإمارات العربية المتحدة (2020): وُقِّع اتفاق تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل في 15 سبتمبر 2020 كجزء من ما سُمي بـ “اتفاقيات أبراهام”، والتي نصت على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة.
  • البحرين (2020): أعلنت عن اتفاق تطبيع العلاقات مع إسرائيل ووقعت الاتفاق رسمياً في 15 سبتمبر 2020.
  • السودان (2020): جرى الإعلان عن تطبيع العلاقات في أكتوبر 2020، وتم التوقيع الرسمي في يناير 2021.
  • المغرب (2020): أُعلن عن استئناف وتطبيع العلاقات مع إسرائيل في 10 ديسمبر 2020، ووُقِّع الاتفاق الرسمي الثلاثي (المغرب – أمريكا – إسرائيل) في 22 ديسمبر 2020.
  • وفي الاثناء يستعد النظام الطائفي في لبنان لابرام اتفاق مع الكيان المحتل مقدما مختلف أنواع التنازلات

هذا بالإضافة إلى مظاهر التطبيع التجاري و الأكاديمي و الرياضي… و مكاتب التمثيل المتبادلة عبر سفارات دولة ثالثة و هو التمشي الذي اعتمدته تونس في أواخر التسعينات و قد ساهم تقهقر حركات التحرر الوطني و القوى الثورية و التقدمية و تراجع تأثيرها في الرأي العام العربي في مرور الأنظمة العربية الرجعية إلى السرعة القصوى في تنفيذ المشاريع الامبريالية و الصهيونية التي أصبحت تتعامل مع مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني كضمانة من ضمانات استمرارها في الحكم و بالعكس فإنها ترى في تجذر حركة مقاومة المشروع الصهيوني و الامبريالي تهديدا لوجودها.

3 – الجبهة المناضلة ضد الصهيونية والامبريالية هي الحل

أمام تنامي الترابط العضوي بين الأنظمة العربية الرجعية و وظيفتها في تكريس الرؤية الامبريالية و الصهيونية للمنطقة و مستقبلها إلى درجة أن مصير هذه الأنظمة أصبح متعلقا بمدى نجاحها في أداء تلك الوظيفة لا سيما مع عدم تردد الامبريالية الأمريكية في استبدال هذه الأنظمة الوظيفية بحثا عن نجاعة أكبر ، فإن الطريق الوحيد أمام حركات المقاومة و كافة القوى السياسية و المدنية و الثقافية المناهضة للمشروع الصهيو- إمبريالي هو تشكيل الجبهة الواسعة المناهضة لهذا المشروع المدمّر لتنظيم مختلف أشكال الأنشطة و الفعاليات النضالية التي من شأنها الارتقاء بالوعي و التنظيم في صفوف الجماهير العربية لتراكم من خلال تجربتها الذاتية الممارسة و الخبرة الضرورية لمواصلة معركة تحررها من ربقة هذه الأنظمة الرجعية العميلة للمشروع الصهيو-امبريالي إن قرابة الثماني عقود من الصراع ضد المشروع الصهيوني منذ زرعه في قلب الوطن العربي كانت أكثر من كافية لنقتنع أنه لا معنى لخوض الصراع ضد المشروع الصهيوني و الامبريالي في بلداننا دون ربطه بالصراع ضد الأنظمة الرجعية التي تخدمه.

إلى الأعلى
×