بقلم : عمار عمروسية
انتهت الجلسة الخامسة من فضيحة المفاوضات المباشرة بين الكيان الصهيوني وسلطة “عون /سلّام “إلى إمضاء وثيقة تفاهم تولّت وزارة الخارجية الأمريكية عشية يوم 26جوان الكشف عن مضامينها التّي وردت في 14بندا أعقبها كالعادة من دوائر مختلفة أجنبية وعربية ضخ إعلامي وسياسي مكثّف بهدف التعمية على الدلالات الحقيقية لتلك المخرجات من أجل تسهيل تمريرها عربيا وعالميا وعلى الأخصّ لبنانيا حيث اشتد الانقسام السياسي والمجتمعي على خلفية الاندفاعة المتهوّرة لسلطة “لبنان” الرسمي نحو إعادة إنتاج صفقات الغدر والخيانة التي أعادت إلى أذهان الرأي العام اللبناني اتفاقية 17ماي 1983التي تطلّب إسقاطها عقدين من النضال المرير والتضحيات الجسام. فعقارب الزمن مع سلطة لبنان الرسمي تحركت منذ الوهلة الأولى نحو الوراء وتحديدا إلى مساحات الانكسارات بما تعنيه من أفظع أنواع الاستسلام والخضوع دون أدنى احترام لا لدماء آلاف الشهداء والجرحى ولا لعذابات أكثر من مليون نازح نتيجة سياسة الأرض المحروقة المتبعة من قبل جيش الاحتلال النازي بكامل الجنوب والضاحية.
فالاتفاق الحالي وفق الكثير من الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية في لبنان أكثر سوءا من جريمة 17ماي 1983 مثلما أعلن النائب “حسن فضل الله “وهو بكل المقاييس تجاوز لجميع الخطوط الحمراء مثلما أعلن أمين عام “حزب الله ” السيد “نعيم قاسم “.
فالاتفاق منذ اللحظة الأولى كان ولازال ليس فقط محل انتقادات واسعة بل مثار سخط كبير تجاوز فضاء فصائل المقاومة وحاضنتها الشعبية ليطال قوى سياسية واجتماعية مختلفة فيها حتى من كان على خلاف مع “حزب الله ” مثل أولا السيد “وليد جنبلاط “الذي أعلن دون مواربة رفضه لهذا التمشي قائلا ” ما من عاقل في لبنان يقبل هذا التمشي ، إن ما ورد معيب لتاريخنا ….هناك حيف في حق البلاد وهذا نرفضه …”وثانيا السيد “سليمان فرنجية “الذي اعتبر نص الاتفاق وثيقة استسلام ملغومة…”وهو في اعتقادنا أفضل توصيف لحصيلة مسار تفاوضي انطلق منذ البداية بمقدّمات خضوع وإذعان وجدتا تعبيراتهما الملموسة في جملة مسائل واضحة وجليّة رغم محاولات التلاعب والتمويه من قبل ثلاثي الحوار، وفي هذا السياق نورد العناصر الأساسية التالية :
– تهافت سلطة “عون /سلّام “على فتح المسار التفاوضي والتمسك به كخيار أوحد في وجه العدوّ الذي ظلّ لأكثر من 4أشهر مديرا وجهه عن يد “جوزيف عون” الممدودة وممعنا في إدارة حربه الوحشية بهدف مزيد قضم الأراضي وتهجير أصحابها تحت ذرائع حماية مستوطنات الشمال وإبعاد خطر سلاح “حزب الله” .
– تنشيط حملات شيطنة المقاومة الباسلة وتتفيه صمودها البطولي بالجنوب وتبخيس إنجازاتها الميدانية مقابل تمجيد محاسن الديبلوماسية تحت عناوين الواقعية السياسية ومراعاة موازين القوى الخ.
– إغراق المشهد السياسي والإعلامي باختلاق شعارات كاذبة حول السيادة الوطنية ومزايا “الحياد “عن المحاور مع طمس الصراع مع الكيان الصهيوني واستبداله بطرق بائسة وكاذبة في نفس الوقت ضدّ فزّاعة الأطماع الفارسية والتدخلات الإيرانية.
– الانخراط في التفاوض المباشر مع الكيان ضدّ منطوق الدستور اللبناني و القوانين التّي تجرّم بالمطلق ذاك التمشي الذي انطلق منذ لحظاته الأولى في محاولة لقطع الطريق أمام طاولة مفاوضات باكستان التي أفلحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في فتح جدول أعمالها على الوضع اللبناني وانتهت إلى انتزاع مكسب كبير تمثل في إعلان وقف الحرب على تلك الجبهة .
– دخول الطرف اللبناني معركة المفاوضات دون أوراق ضغط تذكر مع سعي متعمد لإلقاء جميع عوامل القوّة النسبية (أداء المقاومة البطولي، صمود الحاضنة الشعبية، الدعم الإيراني …) واستبدالها بالتعويل المطلق على الرعاية الأمريكية ومكارمها دون النظر إلى دورها الإجرامي في الفظاعات القديمة والحديثة المرتكبة سواء في لبنان أو بالوطن العربي والعالم عموما.
– الانسياق في لعبة التفاوض المباشر تحت النار وضمن موازين قوى عسكرية غير متكافئة بالمرّة والتفريط في أساسيات مداخل ضرورية كان لابدّ من التمسك بها وأولها بطبيعة الحال التفاوض غير المباشر وثانيها الوقف التام للعدوان وانسحاب القوات الغازية من جميع الأراضي مع عودة النازحين إلى ديارهم الخ.. .
إن جميع العناصر الواردة أعلاه جعلت من الاتفاقي الإطاري المعلن وثيقة استسلام مهين وخارطة طريق نحو التطبيع الفج مع الكيان الصهيوني.
فالورقة أوردت سلسلة واسعة من الالتزامات الأمنية والسياسية والإدارية الملزمة للطرف اللبناني بالمقابل لم نجد استحقاقات مضبوطة وملزمة للكيان الصهيوني، فجميع ما ورد لم يخرج عن سياق الوعود المبهمة التي تفتقر لآجال زمنية معلنة ولوسائل تنفيذ ناجعة.
فالاتفاق منح العدوّ الأرض وشرعن الاحتلال كما لم يحدث وجعل من مسألة الانسحاب قضيّة شديدة التعقيد فهي عملية مرتبطة بنزع سلاح المقاومة من كل لبنان !!!وهي خاضعة لإرادة صهيونية محضة تحكمها تقديرات حكومة الكيان ومعاينات جنوده وحاجاتهم الميدانية وفي هذا السياق وقع التسليم ببقاء ما أسمته “إسرائيل “بالحزام الأمني أو الخط الأصفر زيادة عن الترويج لخديعة المناطق التجريبية لأن البلدات الثلاث المذكورة، فرون، الغندورية وزوطر جميعها مناطق خارج السيطرة العملية للاحتلال!!!
لم تقف هدايا السلطة الرسمية لدولة الاحتلال عند هذه الحدود بل تجاوزته إلى منح جيش التقتيل حرية الحركة ليس فقط بالجنوب وإنما على كامل الاراضي اللبنانية كلما تراءت “المخاطر الإرهابية “مثلما ورد بأحد بنود الاتفاق.
والأنكى من ذلك ما ورد بالنقطة 13 والذي اعتبره الكثيرون سابقة قانونية على النطاق الدولي إذ ألزم لبنان بوقف أي مسار قانوني لمحاسبة الكيان على جرائم الماضي والمستقبل حيث ورد بالفقرة 13″وقف كل الاعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية والقانونية …”.
خارطة طريق نحو التطبيع:
في الوقت الذي يكثر فيه “عون /سلّام من ترديد الشعارات حول “لبنان أولا “و “النأي بالنفس عن المحاور “كشف نص الاتفاق الإطاري وملحقه السري الذي سربه “نتنياهو “تحت ضغط حساباته السياسية للإعلام الصهيوني زيف الطابع الديماغوجي لتلك السرديات لأن الحقيقة جاءت مغايرة فالأمر لا يتجاوز إعادة رسم تموقع جديد للبنان يجعلها من جهة في فلك الوصاية الصريحة للولايات المتحدة الأمريكية وتوابعها من الانظمة العربية العميلة ومن جهة أخرى على سكة التطبيع مع العدو الصهيوني التي أصبحت جميع ممرّاته سالكة بعد الإقدام على التفاوض المباشر .
فالاتفاق الإطار وملحقه الأمني أقدما على استجلاب مفردات مألوفة من دفاتر معاهدات التطبيع القديمة من ذلك مثلا شطب كلمة الصراع واستبدالها بـ”النزاع “وحذف مصطلح الصهيونية مرورا إلى الإطناب في استعمال مفردات “التعايش “، الامن المتبادل، السلام الدائم الخ… وصولا إلى الإعلان الصريح عن دخول زريبة التطبيع الذي ورد أولا في البند الأول من الاتفاق حيث ورد “تؤكد إسرائيل ولبنان حق كل دولة في الوجود بسلام.. “!!! وثانيا في البند 12الذي أورد “تشكيل فريق عمل لصياغة اتفاقية شاملة وكاملة للسلام والأمن …”!!!
صوت الشعب صوت الحقيقة
