الرئيسية / عربي / الصراع السعودي الإماراتي البترودولار هو الطاعون، والطاعون هو البترودولار
الصراع السعودي الإماراتي البترودولار هو الطاعون، والطاعون هو البترودولار

الصراع السعودي الإماراتي البترودولار هو الطاعون، والطاعون هو البترودولار

بقلم : الحبيب الزموري

تتحول العلاقات السعودية – الإماراتية بخطى متسارعة من التحالف الوثيق الذي بلغ أعلى درجات التنسيق وتوحيد المواقف سنة 2017 حين قادت المملكة العربية السعودية والإمارات تحالفا عربيا لفرض حصار على قطر تواصل إلى غاية سنة 2021، ليبلغ أعلى درجات التنافس والصراع على أكثر من واجهة معيدا إلى الأذهان صراعات العائلات المالكة المؤسسة للإمارات الخليجية حيث لم تعترف المملكة العربية السعودية بدولة الإمارات العربية المتحدة إلا سنة 1974 أي بعد ثلاث سنوات من تأسيسها بسبب خلافات حدودية، فما هي أبرز واجهات هذا الخلاف؟

الواجهة الإقليمية: صراع بين الوكلاء الإقليميين للقوى الامبريالية

لئن لعبت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة دورا محوريا في تشكيل التحالف الدولي المتكون من عشرة دول للتدخل العسكري في اليمن لدعم الحكومة المعترف بها دوليا كهدف غير معلن وإلحاق اليمن بالمشروع الإمبريالي – الصهيوني المتمثل في إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وخاصة التصدي للنفوذ الإيراني المتنامي والحيلولة دون إعادة إنتاج تجربة حزب الله اللبناني على الحدود الجنوبية لبلدان الخليج، فإن تباين الأهداف بين الدولتين “الشقيقتين” سرعان ما ظهر وأدّى تدريجيا إلى تفكك التحالف، ومن أبرز مظاهر التباين دعم الإمارات والسعودية لأطراف ومليشيات متصارعة في اليمن رغم وجودهما في نفس التحالف:

وقد عبّر أحد الصحفيين السعوديين (1) عن تضارب المصالح بين “الإخوة الأعداء” بقوله يرى أن “السعودية خاضت الحرب (في اليمن) باعتبارها معركة أمن قومي واستقرار إقليمي هدفها إنهاء الانقلاب الحوثي وقطع النفوذ الإيراني”، بينما تمّ حسب قوله “حرف مسار الحرب ميدانياً وسياسياً عبر فتح جبهات داخلية في الجنوب بدعم إماراتي”.

ويقول إن ذلك “أدى إلى إنهاك الشرعية وتفكيك جبهتها، وخدمة الحوثي بصورة غير مباشرة، عبر تحويل المعركة من استعادة الدولة إلى صراعات نفوذ وحسابات ضيقة أضرت بالهدف المشترك للتحالف”. وقد وصل تضارب الرؤى والمصالح لدور التحالف في اليمن بين الدولتين ذروته في بداية هذه السنة ودخولهما في مواجهة غير مباشرة بدعم الرياض وأبو ظبي طرفين متصارعين، بعد أن تحركت السعودية لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ضد الانفصاليين المدعومين من أبو ظبي. وأسفرت تلك المواجهات عن إعلان الإمارات انسحاب وحداتها القتالية المتبقية في اليمن تحت ذريعة إعادة تقييم دورها، بينما رحبت السعودية بخطوة الانسحاب لكنها شددت على أهمية عدم تأمين دعم عسكري لأي طرف دون تنسيق مع التحالف.

 تقرير أمريكي نشره المركز العربي واشنطن دي سي للأبحاث ودراسة السياسات أن الخلاف بات يُظهر تصدّعاً في التحالف السعودي- الإماراتي بسبب أولويات استراتيجية مختلفة، حيث تسعى كل دولة إلى توسيع نفوذها في مناطق حيوية تتصل بالمضائق البحرية والممرات الدولية التي لا تعتبر مجرد رفاهية جغراسياسية بالنسبة للإمارات، بل هي قلب البنية التحتية للفردوس الاقتصادي الذي تروج له دعاية العائلات المالكة في الإمارات، إذ تعتمد الإمارات على كونها حلقة وصل بين الشرق والغرب وواحة مالية وجبائية تستقطب الشركات متعددة الجنسيات والاستثمارات الأجنبية وتعتبر أن أي اضطراب في هذه الممرّات ينعكس فوراً على التضخّم وسلاسل الإمداد، وهو ما تحاول الإمارات تجنّبه من جهة أخرى، لكن المملكة العربية السعودية ترفض أن تكون طرق ومسالك صادراتها النفطية تحت رحمة الإمارات لا سيما أن تعطش هذه الأخيرة للهيمنة على الطرق والمضائق البحرية لم يتوقف عند حدود اليمن بل امتد إلى السودان والقرن الإفريقي.

ففي السودان تتجه أصابع الاتهام إلى الإمارات تقديم الدعم المالي والعسكري لمليشيات الدعم السريع المتورطة حسب أكثر من مصدر في جرائم حرب ضد المدنيين وهو ما تنفيه الإمارات، كما استثمرت شركة موانئ دبي العالمية العملاقة مئات الملايين من الدولارات في ميناء بربرة في المياه العميقة وتمارس نفوذا واسعا فيه ويضم هذا الميناء مطارا تديره أبو ظبي بصورة تامة وفقا لعدد من الشهود ومصادر محلية. ويرى خبراء كثر أن الإمارات التي طبّعت علاقتها مع الكيان الصهيوني تقف وراء اعتراف هذا الأخير في أواخر ديسمبر الماضي بجمهورية أرض الصومال المعلنة من جانب واحد والتي انفصلت عن الصومال عام 1991. وبالمقابل ألغت الحكومة الصومالية كل الاتفاقات بينها وبين الإمارات، وقد يتحصل الكيان الغاصب مقابل هذا الاعتراف على قاعدة  في ميناء بربرة يمكنها أن يشنّ انطلاقا منها ضربات على حوثييي اليمن المتحالفين مع إيران والذين يهددون أراضيها.

ويقول المحلل الإثيوبي بيرانو غاماشو “إن نفوذ دول الخليج في البحر الأحمر يبقي على عدم الاستقرار” في المنطقة. ويعتبر أن “ثمة علاقات غير متكافئة بين دول نفطية قوية ودول تعتمد على المساعدات الدولية”، وأن تأثيرها على دول القرن الإفريقي “مقلق”.

هذا الاختراق المالي الإماراتي استهدف أيضا  إثيوبيا، كبرى دول المنطقة والثانية في إفريقيا من حيث عدد السكان، إذ تعدّ نحو 130 مليون نسمة. فمنذ تولي رئيس الوزراء أبيي أحمد السلطة عام 2018،  ضاعفت الإمارات استثماراتها في إثيوبيا، وأبرزها بالإضافة إلى مقر إقامة رئيس الوزراء، قرض بقيمة ثلاثة مليارات دولار عام 2018 واتفاق مبادلة عملات عام 2023 ساهم في دعم عملة إثيوبية، ما جعلها “دولة تابعة”، حسب وصف المحلل السابق لشؤون إفريقيا في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي إيه” كاميرون هدسون في حديث لوكالة فرانس برس، كما اتهم مصدر مقرّب من الجيش السوداني إثيوبيا بإقامة معسكر لتدريب عناصر قوات الدعم السريع على أراضيها.

ونشرت مجلة الإيكونوميست تقريرا ذهبت فيه إلى أن الخلاف بين البلدين، مثل أي خصومة في الخليج، هو مزيج من الشخصي والسياسي. فالسعودية مستاءة من دعم الإمارات للقوى الانفصالية المتمردة في الصومال والسودان واليمن ومناطق أخرى، حيث ترى فيه عاملا يزعزع الاستقرار. ويرد الإماراتيون أن هذه الدول هي كيانات بالاسم فقط، ومن الأفضل التحالف مع قوى انفصالية قوية وليس حكومة مركزية فاشلة. ومن جهة أخرى، تمقت الإمارات الإسلام السياسي، فيما تعبر السعودية عن استعداد للتسامح مع الجماعات الإسلامية. وتضيف المجلة أن خلاف البلدين تحول لصراع سرديات، حيث يتهم معلقون في السعودية الإمارات بأنها أداة في يد المصالح الإسرائيلية، بينما يزعم المعلقون الإماراتيون أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، قد وقع تحت سيطرة الإسلاميين. وقبل بضعة أشهر، كان من الممكن أن يستدعي الأمن أي شخص ينشر مثل هذه التعليقات، ففي الظروف العادية، لا يتسامح ملوك الخليج مع انتقاد بعضهم البعض. أما اليوم، فيبدو أن الحكومتين تشجعان هذا الخطاب الحاد.

صراع ريعيات نفطية

تُعدّ الإمارات خامس أكبر سوق تصدير للسلع السعودية، بينما تحتل السعودية المرتبة التاسعة في هذا الصدد، ويبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي 31 مليار دولار سنويا. وتشكل الرحلات الجوية بين دبي والرياض سابع أكثر خطوط الطيران الدولية ازدحاما في العالم.

ويذهب أحد المحللين السعوديين (فيصل الشهري) عبر إكس إلى أن التنافس بين السعودية والإمارات لا يقتصر على السياسة، بل أصبح “صراعاً اقتصادياً ونفوذاً استراتيجياً مرتبطاً مباشرة بما يحدث على الأرض”.

ويقول إن “الإمارات مثّلت النموذج الأكثر نجاحاً في الشرق الأوسط في جذب الاستثمارات الأجنبية، وبناء منظومة لوجستية عالمية والسيطرة على عُقد الربط بين الشرق والغرب عبر الموانئ، والمطارات، والمناطق الحرة”، بينما بدأت “السعودية الانتقال من دور اقتصادي تقليدي قائم على الطاقة، إلى لاعب طموح يسعى لإعادة صياغة موقعه في سلاسل الإمداد العالمية، وجذب الاستثمارات، والتحكم في الممرات التجارية”. وقد تزامنت هذه المقاربة الاقتصادية السعودية الجديدة مع تنامي دور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في نظام الحكم واستعداده لتسلم مقاليده وفق ما أطلق عليه رؤية 2030 وهي عبارة عن مشروع للتغيير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الشامل دون المساس بجوهر نظام الحكم الملكي القروسطي ولا بهيمنة العائلة المالكة وقاعدتها الاجتماعية الموالية على الريع النفطي وعلى المشاريع الجديدة في قطاع الخدمات ولا سيما المالية والسياحية في منافسة واضحة مع الإمارات العربية المتحدة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية والشركات عبر القطرية والتحول إلى فردوس جبائي ومالي دون خطوط حمراء، ولكن يبدو أن العائلة المالكة في أبو ظبي تجاوزت نظيرتها في الرياض في قدرتها على القفز على كافة الخطوط الحمراء بتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني وفتح أبوابها أمام الأدفاق المالية مهما كان مصدرها بما فيها أرباح الأنشطة عير المشروعة كتجارة السلاح والمخدرات والبشر… ولا يتردد حكام أبو ظبي في استعمال ورقة التطبيع المعلن مع الكيان الصهيوني لترجيح كفتهم لدى العراب الأمريكي.

إجمالا تشكل الممرات الإقليمية والموانئ البحرية في اليمن والسودان والبحر الأحمر والأسواق العربية والإفريقية محوراً رئيسياً للتنافس الإقليمي بين السعودية والإمارات موظفة في ذلك العائدات المالية الضخمة للصادرات النفطية التي أصبحت تمثل بدورها محورا من محاور التنافس والصراع بسبب تمرد الشقيقة الصغرى – كما تسمّي بعض الأوساط السعودية الإمارات – على السياسات النفطية السعودية في منظمة الأوبيك التي تعتبر المملكة أحدى أهم مهندسيها فلطالما كانت السعودية الصوت المهيمن داخل منظمة أوبيك وقد استخدمت طاقتها الإنتاجية الضخمة للتأثير في الأسعار العالمية. لذلك، فإن قرار الإمارات مغادرة المنظمة ابتداءً من شهر أفريل الفارط يرسل إشارة إلى رفض قوي لنظام، طالما تمّ اعتباره خاضعا لقيادة السعودية.

الصراع السعودي الإماراتي لا مصلحة للشعوب العربية فيه

لا يحتاج الأمر إلى تحليل عميق أو إلى محترفين في السياسة والعلاقات الدولية لملاحظة حجم الخراب والدمار الذي ألحقه التنافس السعودي – الإماراتي أينما حل من اليمن إلى ليبيا مرورا بالسودان والصومال… تنافس بين مشروعين رجعيين مسلحين بأفاق مالية هائلة وآلة دعائية ضخمة قادرة على اختراق المجتمعات العربية التي تعاني أصلا من الهشاشة والقابلية للاختراق، وقد لعب هذا التنافس دورا متقدما في إنجاز أقذر المهام في المنطقة خدمة للمشروع الأكبر ألا وهو المشروع الامبريالي الصهيوني فالتنافس والصراع بين المملكتين ورغم محاولة تسويقه على أنه تنافس اقتصادي وسياسي على قيادة المنطقة فإنه في الحقيقة تنافس وصراع داخل هذا المشروع الامبريالي – الصهيوني على انتزاع مرتبة الوكيل المتميز للمشاريع الامبريالية والصهيونية وفي مقدمتها مشروع التطبيع.

فمنذ منتصف القرن العشرين تنافست هذه الممالك والإمارات الخليجية على نسف كل تجربة تحررية في الوطن العربي وإغراق الشعوب العربية بالدعاية الرجعية الظلامية لإخماد أي نفس تحرري بالمنطقة وقد بقيت وفية لهذا الدور رغم تغير الظرفيات والأدوات، وبقيت وفية لدورها الوظيفي كصنيعة للاستعمار وخادمة له ومن هنا تنبثق راهنية إحدى أهم دروس التجارب الثورية والوطنية والتقدمية العربية وهي أن لا سبيل لتحقيق أمال وطموحات الشعوب العربية في التحرر والانعتاق الاجتماعي والسياسي والثقافي دون الإطاحة بهذه الأنظمة الرجعية العميلة التي تشكل أكبر معطل لحركة التاريخ ولمراكمة الشعوب العربية للتجربة والخبرة في سبيل تحقيق تحررها وتقدمه

  1. الكاتب السعودي سليمان العقيلي.
إلى الأعلى
×