بقلم : هيثم المحجوبي
ماذا يريد هذا النظام؟ كيف يفكر؟ ألا يلاحظ حكام 25 جويلية المنحدر الذي آلت إليه أوضاع البلاد؟ إلى أين يسيرون بالبلاد؟ كلها أسئلة بدأت تهمس بها الألسن في المقاهي والأزقة وقد اكتوت بغلاء المعيشة وتدهور الأوضاع الاقتصادية بالبلاد وتصدح بها حناجر الشباب مطالبة بالحرية مرة وبالحق في الشغل مرة أخرى. أصوات انتقلت حتى إلى داخل أكثر مرتكزات منظومة 25 جويلية ونعني برلمان الانقلاب ولفظها الشارع بالأرقام وخلافا للأجهزة الرسمية لم يعد أحد اليوم في تونس ينكر واقع الأزمة التي يتخبط فيها الحكم ومؤشرات الانهيار التي تسير نحوها البلاد.
إنكار واقع الأزمة يؤكد اتساع رقعتها
لا يكاد يمر يوم إلا وانفجرت في وجه الحاكم الفردي المطلق أزمة تفضح عجزه على تقديم الأجوبة على الأسئلة التي تحيط بحصيلة سنوات من حكمه، حكم جمع بين يديه مجمل أوجه الحياة العامة بالبلاد ولم ينتج غير الفشل الذريع في النهوض بأوضاع البلاد. فها هو الشباب المعطل عن العمل يتظاهر للمطالبة بتطبيق ما وعد به الرئيس وها هم نواب في برلمانه يدخلون في صراع مع هيئة منتهية الصلوحية عيّن قيس سعيد أعضاءها فضلا عن “مقاطعة” الناخبين لها في آخر انتخابات برلمانية جزئية بالكبارية والتي باتت محل تندّر القاصي والداني في تونس. وها هو ملف حرمان عشرات الآلاف من المتقاعدين من حقهم في الزيادات التي أقرّها سعيد بصفة أحادية يصبح حديث الساعة وها هو مراد الزغيدي الأعزل داخل زنزانته يطالبه بتطبيق ما تعهد به بخصوص الصلح الجزائي دون مجيب.. بحيث لم يتبقى من حصيلة حكمه غير العشرات من السنوات سجنا لهذا الخصم أو ذاك. وفي خضم كل هذا وغيره نرى الحاكم بأمره وحكومته يسوّقون لمشروع مخطط التنمية وأهداف تنموية لا مرتكز واقعي لها ويواصلون في تخصيص نسب هامة من المال العام لمشاريع فاشلة لا مساهمة فعلية لها في خلق الثروة والتنمية ونعني الشركات الأهلية. بل إن عديد المتابعين للشأن العام يؤكدون أن جلّ ما يطمح له معظم وزراء سعيد هو إقالتهم في أقرب الآجال وأنهم يعملون في سباق ضد الزمن على أمل أن تتم إقالتهم قبل أن تنفجر أزمة تخص وزاراتهم فيجدون أنفسهم أكباش فداء فشل مشروع البناء والتشييد خاصة وأن شرارة انفجار اجتماعي باتت مرتقبة وضمن جدول أعمال عديد المتدخلين.
إطالة فترة تحلل الشعبوية لضمان تواصل حكم منظومة الثورة المضادة
يستشعر الجميع تقريبا وهج شرارة انفجار اجتماعي قادم بتونس ويستعد له كل حسب موقعه من قضية الحكم. ويبقى نهوض شعبي جديد مسلح ببرنامج تغيير ثوري يعيد طرح قضايا الشغل والحرية والكرامة الوطنية (البعبع la bête noire) الذي يخشاه التحالف الرجعي الحاكم في تونس العميل لدوائر رأس المال الأجنبي أكثر من غيره. وبالمقابل لا يخفى على حماة 25 جويلية بالداخل والخارج أن البلاد لا تزال بصدد أزمة ثورية وأنها على صفيح ساخن وأن لا حلول لحكم سعيد في مواجهة المنحدر الذي تسير نحوه البلاد فتراها تسعى إلى إطالة فترة تحللها بـ“مساعدة الاتجاهات الانتهازية والتبريرية السافرة والملثمة على البروز والهيمنة“(*) تارة وبإغراق الشعب وقواه الحية في أزمة ثورية طويلة وقاسية تستنزف معنوياته كما تستنزف قوته اليومي طورا آخر. وفي نفس هذا السياق يمثل تصحير الحياة السياسية وضرب دور الجمعيات والمنظمات الجماهيرية الأرضية الصلبة لتواصل حكم الثورة المضادة في تونس وجسر العبور لأي شكل حكم رجعي قد يعوّض حكم سعيد. وفي سياق متصل تتسابق كبرى القوى الإمبريالية (أمريكا وإيطاليا خاصة) على تثبيت تواجدها في تونس الاقتصادي والمالي وحتى العسكري بأغلفة مختلفة تحسّبا لكل متغير وربما إعدادا له أو لتداركه والتأثير في اتجاهاته إذا ما باغتها.
قوس الثورة لم يغلق
من 17 ديسمبر-14 جانفي إلى هيئة بن عاشور وسحب البساط من برنامج حكم شعبي وديمقراطي وإلى اليوم ظلت الأسباب التي قامت من أجلها الثورة التونسية محافظة على راهنيتها رغم الانتكاسات التي شهدتها والأخطاء والاختراقات التي رافقت تجربة الجبهة الشعبية، قيادتها السياسية الشعبية الموسعة. ورغم الهجمات الانتقامية التي قادتها الثورة المضادة ضد الشعب وقواه الحية لكسر معنوياته ومعاقبته على النهوض يوما في وجهها وتمريغ كرامته الوطنية في الأرض وضرب أبسط حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأبسط مقومات العيش الكريم ودفعه للتحسر على أيام بن علي وإعلان توبته عن الحلم بالعيش الكريم. ورغم المستويات غير المسبوقة لتراجع مستوى المعيشة في ظل الشعبوية ورغم ما مثلته من الناحية الأخرى من انكسار إضافي لأحلام جزء كبير من الشعب على صخرة دعايتها الديماغوجية والتي وعدته بتحقيق “الشعارات التي خطها الشباب على الجدران“.. فإن وهج نهوض شعبي جديد هو بالإضافة إلى كونه سيناريو مرجح في سياق اتجاه تطور الأوضاع في تونس فإنه مسؤولية تاريخية للقوى السياسية والاجتماعية بالبلاد المعنية بالدفاع عن السيادة الوطنية الحقيقية والديمقراطية الشعبية حتى تفوت الفرصة على اللوبيات المتحكمة في البلاد وتفتح افق تغيير شعبي وديمقراطي يربط مع شعارات ثورة 17ديسمبر 14 جانفي.
(*) لينين – برنامج الثورة البروليتارية العسكري
صوت الشعب صوت الحقيقة
