الرئيسية / صوت الوطن / صرخة من “أولاد سلامة”: الأهالي يطالبون بإنهاء مأساة الطرقات المحطمة وتأميم الأراضي الدولية
صرخة من “أولاد سلامة”: الأهالي يطالبون بإنهاء مأساة الطرقات المحطمة وتأميم الأراضي الدولية

صرخة من “أولاد سلامة”: الأهالي يطالبون بإنهاء مأساة الطرقات المحطمة وتأميم الأراضي الدولية

بقلم عمر الهمامي

تُمثل منطقة “أولاد سلامة” تجمعاً سكنياً وفلاحياً ريفياً يمتد جغرافياً بمحاذاة السهول الفيضية الخصبة لحوض وادي مجردة في إقليم الشمال الغربي التونسي. تتبع المنطقة إدارياً لمعتمدية تستور من ولاية باجة، وتتميز بأراضيها السقوية عالية الإنتاجية التي ترتكز أساساً على الزراعات الكبرى والخضروات وتربية الماشية، مما يجعلها ركيزة فلاحية هامة في محيطها المحلي.

الإقصاء الهيكلي وسقوط وعود التنمية

ورغم هذا العمق الجغرافي والثراء الطبيعي، تواجه منطقة “أولاد سلامة” اليوم عزلة خانقة وتهميشاً اجتماعياً مستمراً يسقط كل ادعاءات التنمية العادلة والتمييز الإيجابي للجهات. إن هذه المنطقة المنسية تمثل نموذجاً صارخاً لسياسة الإقصاء الهيكلي، حيث يعيش الأهالي تفاصيل يومية مريرة بعيداً عن خطط الإعمار، وفي غياب تام لأبسط مقومات البنية التحتية الأساسية التي يستحقها المواطن التونسي في منتصف عام 2026. وتستمر معاناة العائلات وسط وعود جهوية ومحلية لم تتجاوز حبر الورق، مما فاقم مشاعر الإقصاء والفقر الذي تتسع رقعته يوماً بعد يوم.

طرقات خارج الخدمة.. وعزلة يفرضها الإهمال الهيكلي

إن أول ما يواجهه الزائر لـ”أولاد سلامة” هو واقع البنية التحتية الكارثية؛ فالطرقات والمسالك الفلاحية الحيوية محطمة تماماً، وتحولت إلى خنادق ترابية وعرة تعزل التجمعات السكنية وتعرقل تنقل المواطنين وقضاء شؤونهم اليومية الحياتية. هذا التدمير الممنهج لشبكة الطرقات المحلية يعكس إهمالاً مزمناً ومستمرًا من سلطة الإشراف، التي تركت أهالي المنطقة يصارعون مشاق التنقل وإذلال العزلة، حيث تفتقر المنطقة لأي وسيلة نقل عمومي منظم، كما ترفض سيارات الإسعاف دخول المنطقة خوفاً على أساطيلها من الحفر العميقة، مما يهدد حياة المرضى والنساء الحوامل في الحالات الاستعجالية الخطيرة، هذا بالإضافة إلى المعاناة اليومية للتلاميذ الذين يضطرون لقطع كيلومترات مشياً على الأقدام وسط المسالك الموحلة شتاءً والمغبرة صيفاً، مما تسبب في ارتفاع نسب الانقطاع المبكر عن الدراسة بالمنطقة.

غياب المرفق العمومي.. العطش والبطالة يدفعان للهجرة

لا تتوقف مأساة “أولاد سلامة” عند غياب الطرقات المعبدة فحسب، بل تمتد لتشمل الحرمان من أبسط الحقوق الحياتية، وعلى رأسها الحق في الماء الصالح للشراب؛ إذ تعاني أغلب العائلات من العطش والاضطرار لتكبد مصاريف باهظة لشراء مياه الصهاريج غير المضمونة صحياً. وفي ظل انعدام أي مرافق شبابية أو ترفيهية أو ملاعب أحياء، يعيش شباب المنطقة حالة من الإحباط وانسداد الأفق مما دفع بالكثير منهم للهجرة نحو المدن الكبرى أو ركوب قوارب الموت و”الحرقة”، فراراً من واقع مأساوي لا يلوح في أفقه أي أمل قريب.

ثروة عقارية معطلة.. وفقر ينهش العائلات بالأرقام

أما المفارقة الأكثر إيلاماً وظلماً في واقع “أولاد سلامة”، فهي أن المنطقة تنام على ثروة فلاحية هائلة تتمثل في مساحات شاسعة من الأراضي الدولية الخصبة، وبدلاً من أن تكون هذه العقارات الشاسعة مصدراً للثروة ومحركاً للاقتصاد المحلي لانتشال المنطقة من كابوس الفقر، تُركت هذه الأراضي عرضة للجمود الإداري والتعقيدات البيروقراطية وسوء التصرف، وحُرم أبناء الجهة من استغلالها، بينما تضطر النساء الفلاحات في المنطقة للعمل الشاق في ضيعات خاصة بأجور زهيدة وظروف نقل غير آمنة تفتقر لأدنى مقومات التغطية الاجتماعية والصحية.

هذا التعطيل الممنهج للثروة الفلاحية يأتي في وقت تكشف فيه المؤشرات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2026 عن واقع اقتصادي واجتماعي مرير؛ حيث تبلغ نسبة البطالة الوطنية العامة 15%، بينما تقفز بشكل مفزع لتتجاوز 24% بين حاملي الشهادات العليا والشباب في المناطق الريفية والمحرومة. وبالمقابل، يستمر التضخم المالي المستقر عند حدود 5.5%، مع تسجيل ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة بلغت 9.3%، مما جعل القدرة الشرائية لأهالي المنطقة منعدمة تماماً في ظل غياب مواطن الشغل المستقرة والمداخيل القارة.

كرامة لا مكرمة.. ومطالب ميدانية لا تقبل التسويف

أمام هذا التردي التنموي المستمر، يرفع أهالي “أولاد سلامة” اليوم أصواتهم عالياً للمطالبة بحقوقهم العادلة، مؤكدين أن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن الصبر على هذا الوضع قد نفد والسكوت لم يعد ممكناً. إن الأهالي لا يطلبون وعوداً شفوية، بل يطالبون بحقهم الدستوري والإنساني في فك الطوق عنهم عبر رصد ميزانية استثنائية عاجلة لتعبيد المسالك وإصلاح شبكة الطرقات المحطمة فوراً لتسهيل حركة المرور وضمان وصول الإسعاف والخدمات الأساسية.

كما يطالب أهالي المنطقة، بصوت واحد وبكل حزم، بضرورة فتح ملف الأراضي الدولية بالمنطقة دون تأخير، وتأميم آليات استغلالها عبر سحبها من براثن سوء التصرف والبيروقراطية المكبّلة. المطلب الأساسي هنا واضح وعادل: توزيع هذه المساحات الشاسعة في شكل مقاسم فلاحية مهيأة ولفائدة شباب المنطقة المعطل عن العمل وصغار المزارعين والنساء العاملات في القطاع عبر مجامع تنموية حقيقية. إن الأرض لمن يفلحها وينتج فيها، وصوت أهالي “أولاد سلامة” ومطالبهم الميدانية المشروعة هي البوصلة الحقيقية التي يجب أن تتحرك وفقها كل ميزانيات وسياسات الإنقاذ الاجتماعي الفوري في البلاد.

إلى الأعلى
×