يمكن القول اليوم إنّه أصبح من “حصيل الحاصل” أنّ الأزمة الشاملة والمركبة التي تعيشها بلادنا بلغت حدّا لا يطاق. هذا الاستنتاج لا نسمعه من معارضي سلطة الانقلاب ومنتقديها من مختلف التيارات الفكرية والسياسيّة بل صرنا نسمعه حتّى من أطراف كانت بالأمس القريب تساند هذه السلطة. إنّ الأزمة هي في الواقع أزمة خيارات وسياسات، أزمة تسيير ومسؤوليات في نظام اختار المركزة القصوى للقرار وجمع كل خيوط الوظائف، ولو شكليّا، في يد واحدة هي يد الحاكم بأمره ذي الخاصية الشعبوية الفريدة، الحاكم الذي لا يسمع ولا يرى ولا يحاور وينقلب حتّى على من يعيّنهم بنفسه على رأس هذه الإدارة أو تلك أو هذه الهيئة أو تلك من الهيئات الرسمية. وفي مثل هذا الوضع “الغريب والعجيب” تحوّل الجهاز التنفيذي بشكل غير مسبوق إلى آلة صمّاء، بكماء، وهو ما يتجلى في غياب أي صوت حكومي للتعبير عن أيّ شيء. فحتى خلال الجلسات “الباردة” لبرلمان الدمى، يكتفي الوزراء بقراءة نصوص جاهزة، تقنويّة ثم ينصرفون دون مجادلة أيّة فكرة. أمّا “رئيسة الحكومة”، فإن غالبيّة التونسيين/التونسيّات لا يعرفون صوتها بل لا يتذكّرون حتّى اسمها.
لقد ترسّخت القناعة عند وسط واسع من المتابعين أن تونس اليوم تحكمها جهتان لا غير، الأجهزة الصلبة والبيروقراطية الإداريّة. الأجهزة الصلبة الأمنيّة والعسكرية والقضائية بأدوارها الظاهرة والخفية في “حفظ النظام والحفاظ عليه”. أمّا الإدارة أو ما يسمّى “الدولة العميقة” الرجعيّة والمحافظة والقادرة بشكل رهيب على التكيّف مع مختلف أنظمة اليمين الحاكم والتطبيع معها، فهي التي تقوم بالتسيير اليومي وضبط برامج العمل، وهو ما عبّرت عنه وثيقة “مخطط التنمية 2030/2026” الذي صاغته المكاتب المغلقة بعيدا عن أي نقاش أو حوار أو تفاعلات حتى مع مؤسسات النظام مثل برلمان الدمى الذي يطلب منه المصادقة على وثيقة لم يبدِ رأيه فيها. وبطبيعة الحال فإن الإدارة العميقة، جهازا وخيارات، هي التعبيرة عن المصالح الطبقيّة المسيطرة منذ عقود طويلة، وهي المسيّرة الفعليّة والمستفيدة الواقعيّة من نمط الإنتاج والمنوال الاقتصاديّ الاجتماعيّ السائد. هذه المصالح التي يتمّ الحفاظ عليها وصونها بكل الأشكال وهو ما يتجلى اليوم في الحفاظ القوي على مصالح قوى وعائلات الريع البنكيّ والماليّ والتجاريّ الرسميّ والموازي وحتى الإجراميّ (تهريب الأدوية، تجارة المخدرات…). إن هذه الفئات الطفيلية المرتبطة عضويّا بالرأسمال الأجنبي تشعر اليوم، مع قيس سعيّد، على عكس ما يعتقده أو يروّج له البعض، بالأمان على مصالحها بقطع النظر عمّا يتعرّض له بعض أفرادها من عمليات ابتزاز اعتادتها تلك الفئات مع مختلف المنظومات التي حكمت بلادنا سواء قبل الثورة أو بعدها.
إنّ هذا الواقع ما انفكّ يعمّق لدى فئات واسعة من الشعب القناعة بأنّها بصدد التعرّض إلى عملية تحيّل ومغالطة كبرى، فالخطاب الرسمي يبالغ في توجيه الوعود إلى “الفقراء والبؤساء”، لكن واقع هؤلاء يزداد سوء وتدهورا وهو ما جعل اليوم عديد الأوساط الشعبية تُعلي صوتها الاحتجاجي ضد ساكن قرطاج رأسا بعد أن كان الاحتجاج موجّها في الأساس إلى الحكومة ووزاراتها. وفي هذا السياق فإنّ تحرّك يوم 8 جويلية الجاري للمعطّلين من حاملي الشهادات العليا يعبّر بكثافة عمّا يعتمل في أحشاء تونس من تغيير تصاعدي في الوعي الذي نلمسه في مضمون الاحتجاج، شعارات ومطالب، وفي الاقتناع بأهمّية التنظم. فالمعطّلون الذين غصّت بهم ساحة القصبة في يوم قائظ، لم تُخفهم عصا البوليس والحواجز التي أقامها في وجوههم، ولم تمنعهم، وهم مرصوصو الصفوف، من رفع شعارات مربكة للسلطة ولقصر قرطاج. لقد أكّدوا بوضوح لا لبس فيه إصرارهم على فرض التزام الدولة بما سنّته من إجراءات تحت ضغط النضال ورفضهم التسويف الذي ظلّوا يعانون منه منذ سنين والذي التهم إلى حدّ الآن أعمارهم التي قضوا نصفها دارسين ونصفها معطّلين.
إنّ الالتحاق بالنضال وتوسيع رقعته الاجتماعيّة والجغرافيّة هو النتيجة الحتمية للخيارات التفقيريّة المتبعة من قِبَلِ منظومات الحكم المتعاقبة قبل الثورة وبعدها. إن المعطّلين عن العمل هم جزء لا يتجزّأ من الفئات الشعبية التي أضرّت بها هذه المنظومات، ونضالهم ضد الخيارات الاقتصادية والاجتماعية ضروريّ ومهمّ في مراكمة الاحتجاج ومنازلة دولة التفقير الفاشية، وفي فضح حقيقة السياسات الرجعيّة المتبعة، وأيضا في تعبئة فئات اجتماعيّة أوسع، خاصة منها العمّال والكادحين في المدينة والريف المؤثرين في عملية الإنتاج، للنضال الاجتماعي والسياسي. لكنّ الاحتجاج من أجل مطالب مباشرة يمكن افتكاكها لا يجب أن يتوقّف أو يتعثر كما حدث سابقا بانتداب أعداد من خريجي الجامعة، بل يجب الانتباه إلى آليات استمرار هذه الحركة متحالفة مع عموم حركة الاحتجاج الناهض التي عليها الاستفادة من تجارب الماضي البعيد والقريب. إنّ غياب الوعي أو محدوديّته أو قطاعيّته هي مرض عضال من شأنه تدمير الحركة الاحتجاجية ووأدها وهو ما تراهن عليه سلطة الانقلاب وأعوانها وأذنابها.
إنّ الوعي لا معنى له إن لم يجِدْ ترجمته الفعليّة في التنظّم الواسع لا بالمعني الشكلي بل بالمعنى المضموني أي من خلال صياغة برنامج النضال الذي لا يستهدف أعراض الوضع بل جوهره وقاعدته المادية الاقتصاديّة/الاجتماعيّة/الطبقيّة أي الخيارات التي أنتجت البطالة والعوز والفاقة والبؤس. وهذا القانون الاجتماعي التاريخي يهمّ مجمل حركة نضال الطبقات والفئات الاجتماعية المتضرّرة من الخيارات السائدة وفي مقدمتها العمال والكادحون والمعطّلون. إن تحقيق شعبنا مطالبه الخصوصية والعامة ممكن لو جمعت الجماهير بين الوعي والتنظيم وهو أمر يشمل كل مستويات الحركة ومختلف مطالبها التي تهمّ الحريات والحقوق الديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة والبيئة والسيادة الوطنية… إن شرط نجاحها هو صهر الاحتجاج بشرطي الوعي والتنظيم، دونا عن ذلك ستبقى حركة الاحتجاج السياسي والاجتماعي بالونات ضغط سرعان ما يتمّ الالتفاف عليها وضربها والقضاء عليها.
إن مستقبل نضال شعبنا ضد الشعبوية الرجعية التي عمقت تبعية تونس وفقر شعبها واستبداد نظامها مرهون بالتحام شرطي الوعي والتنظيم في مقاربة طبقية ثورية تمكن الجماهير من البدائل في أفق التغيير الوطني والديمقراطي والشعبي الذي من دونه ستبقى بلادنا وشعبنا ضحية الفاشية المرتبطة بمصالح مصاصي الدماء. إن أخطر ما يهدّد حركة النضال الصاعد في بلادنا هو ضربها من الداخل بدواعي مفلسة مثل الاستقلالوية وعدم التسيس، أو السقوط في القطاعوية والجهوية والمحلية. إنها أمراض تسعى القوى الرجعية والانتهازية إلى بثّها كالسمّ لتسهيل تحكّمها في الحركة وتفتيتها، وخاصة حرمانها من التجذر وبقاءها في الأفق الإصلاحي الذي غالبا ما يرتبط بمصالح ذاتية وشخصية ضيقة. إن الاستقلالية الحقّة لحركة النضال تكمن في القدرة على التنظّم خارج تأثير القوى الرجعية والانتهازيّة وفي صياغة التوجه النضالي المتجذّر الذي يجمع المطالب الجزئية في تيار عارم وطني وشعبي يستهدف رأسا القاعدة المادية للمنظومة السائدة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا للإطاحة بها ووضع أسس المنظومة الجديدة التي من شأنها أن تخلق شروط تحقيق مطالب الشعب وطموحاته. وهو ما يعمل حزب العمال منذ تأسيسه على إيصاله للشعب التونسي بعماله وفلاحيه وشبابه ونسائه ومثقفيه ومبدعيه ومعطّليه.
صوت الشعب صوت الحقيقة
