عادت ماكينة المحاكمات السياسيّة تشتغل على أشدّها في الفترة الأخيرة لتشمل سياسيّين وصحفيين ونشطاء حقوقيين وغيرهم ناهيك أن المحاكم التونسيّة أصدرت خلال شهر جوان الجاري فقط أحكاما فيما لا يقلّ عن خمس قضايا. ففي يوم 2 جوان أصدرت الدائرة الجنائيّة المختصّة في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس أحكاما فيما بات يعرف بقضية الجهاز السري لحركة النهضة. وتراوحت الأحاكم بين المؤبّد و10 سنوات سجنا مع حكم تكميلي بـ5 سنوات مراقبة إداريّة بالنسبة إلى كلّ المتهمين. وشملت الأحكام رئيس حركة النهضة وعددا من قيادييها. وفي يوم 9 جوان صدر حكم بالسجن لمدة 4 سنوات على الصحفيّة خولة بوكريم، صاحبة موقع “توميديا”، التي تعيش في المنفى منذ مدّة. وفي 23 جوان أيّدت محكمة الاستئناف بالعاصمة الحكم الابتدائي القاضي بسجن سعديّة مصباح، رئيسة جمعية “منامتي” المناهضة للعنصريّة، بـ8 سنوات سجنا وخطية مالية بـ100 ألف دينار من أجل “غسل الأموال…”. وفي يوم 25 جوان صدر حكم آخر يقضي بسجن رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين لمدة 25 سنة بتهمة ارتكاب “تجاوزات وخروقات” أثناء قيامها بمهمتها. كما صدر في نفس القضية حكم يقضي بسجن الأستاذ خالد الكريشي لمدة 10 سنوات. وفي يوم 26 جوان أيدت محكمة الاستئناف بالعاصمة الحكم الصادر ضد الصحفي زياد الهاني والقاضي بسجنه مدة عام على إثر مداخلة له في ندوة انتقد فيها القضاء التونسي، هذا في انتظار ما ستسفر عنه القضية الثانية المثارة ضدّه بتهم جنائية (“التفويت في عقار بلدي بقرطاج”)…
وقد أثارت هذه المحاكمات موجة من الانتقادات في الداخل والخارج أوّلا لأنّها بيّنت أنّ ماكينة المحاكمات لا تتوقّف وهي في طريقها إلى حصد كل ما يقلق سلطة الانقلاب. وثانيا لأنّ الأحكام الصادرة في مختلف القضايا مطبوعة بالعشوائية والعبثية حتى لا نقول الجنون. فالمحاكمات التي مهّدت إليها لا تتوفّر فيها أدنى شروط المحاكمة حتى لا نقول المحاكمة العادلة، فهي محاكمات يقوم فيها القضاة بدور الموظّف الذي يدخل القاعة لينفّذ، دون حرج أو حياء، ما يُؤمر به دون أن تهمّه في شيء صحّة الإجراءات وحقوق الدفاع الخ… وثالثا لأنّ الأحكام الصادرة في هذه القضايا لا تخضع لضوابط فيها الأدنى من العقلانيّة، بل طالها على ما يبدو داء التضخم الذي أصاب اقتصاد البلاد فأصبح “كالعام كالعشرة كالمائة كي المؤبّد”. وفي الحقيقة ما ذلك إلّا نتيجة حتميّة للمنطق العبثي بل الجنوني الذي يقود هذه المحاكمات. فقضاء سلطة الانقلاب الفاشية لا يحرجه في شيء دوس أبسط الإجراءات القانونية ولا يهمّه في شيء صحّة الوقائع من عدمها كما لا يهمّه في شيء براءة المتهم من عدمها. كل ما يهمّه هو إصدار الحكم الذي يلبّي رغبة “الحاكم بأمره” الذي يتحكّم في القضاء بالمرسوم 35 وبمذكرات العمل التي تصدر عن وزارة العدل وبالتالي لا فائدة في البحث عمّا إذا كانت الأحكام الصادرة في هذه القضية أو تلك يقودها حدّ أدنى من المنطق ولو بهدف المغالطة والتضليل.
وفي الحقيقة فإنّ الهدف من هذه المحاكمات والأحكام منفلتة العقال ليس مقاومة الفساد ولا هو كشف الحقيقة في قضايا الاغتيالات ولا هو أيضا مقاومة جرائم هتك الأعراض والتشويه والتشهير الذي تطفح بها وسائل الإعلام والشبكة الاجتماعية والتي يتزعمها في الغالب عناصر من سقط متاع الانقلاب. كل ذلك لا يهمّ قيس سعيّد بل إنّ ما يهمّه ويهمّ القوى الرجعية الفاشية التي تسنده في الخفاء من “أجهزة صلبة” ولوبيات مالية وتجارية وصناعية وأباطرة “الكنترة” ومن قوى جهوية وإقليمية ودوليّة هو تصفية الحساب مع كل ما يمتّ للثورة بصلة وإعادة تركيز نظام الحكم الفردي المطلق في أبشع مظاهره مع نشر الخوف والرعب في النفوس. إن قيس سعيّد يريد بكل بساطة تصفية هيئة الحقيقة والكرامة بقطع النظر عمّا شاب عملها من أخطاء وانحرافات، بهدف قبر ملف الجرائم الفظيعة والوحشية التي ارتكبت على حساب الشعب التونسي في عهد الدكتاتورية البورقيبية-النوفمبريّة وإعادة الاعتبار لأجهزة الأمس التي عادت تشتغل بقوة. وهو يريد تصفية الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بقطع النظر أيضا عمّا يمكن أن تكون ارتكبت من أخطاء لأنّه يريد وضع اليد على ملفات الفساد الموجودة في أدراجها مع احتكار الحق في استعمال ما يريد هو استعماله منها ضد هذا الخصم أو ذاك. كما أنّه يريد تصفية المجتمع المدني من خلال تصفية المنظمات والجمعيات المدنية، “كل وحدة ودورها” وليست الذرائع هي التي تنقص كما هو الحال بالنسبة إلى جمعيّة “منامتي”. وهو يريد تكميم الأفواه وليس أنجع مدخل لتحقيق هذا الهدف من تكميم أفواه الصحفيّين العنيدين وروّاد الشبكة الاجتماعيّة الذين يظنّون أن “الدنيا مسيّبة”… وحتّى قضيّة الجهاز السريّ لا ينبغي الاعتقاد أنّ الهدف منها “كشف الحقيقة” فهو آخر ما يمكن أن يفكّر فيه قيس سعيّد الذي حوّل قضاؤه في نهاية المطاف ملف الشهيدين، كما ذكرت هيئة الدفاع، إلى ملف جريمة حق عام لا غير، وإنّما استغلاله لتصفية الحساب مع خصم سياسيّ وهو أقصر السبل لبثّ الشك حول حقيقة الجهاز السرّي وتحويل المورّطين فيه من متهمين إلى مظلومين.
إنّ كلّ المحاكمات الجائرة التي شهدتها بلادنا أخيرا وكلّ الأحكام الفلكية التي انتهت إليها إنّما هي تندرج في النهاية في مسار واحد وهو تصحير البلاد من كل معارضة سياسية ومدنية بأي وسيلة كانت وتعبيد الطريق للعودة إلى الحكم الفردي المطلق، القمعي والفاشي. أمّا اعتماد الأحكام التي تبدو عبثية وجنونية، فالقصد منه هو التخويف والترعيب. إنّ قيس سعيّد، ومن يسنده من مؤسسات وقوى رجعيّة معادية للحرية والديمقراطيّة، يعرفان جيّدا أنّ الشعب التونسي قام بثورة وافتك الحرية السياسية وتحرر من قيوده واعتاد نقد السلطة كما اعتاد التعبير عن هذا النقد بكافة الأشكال بما فيها السخرية وبالتالي من الصعب الرجوع به إلى الوراء خاصة مع وجود الشبكة الاجتماعية، لذلك تصبح القوانين المتطرفة مثل المرسوم 54 وتوظيف القضاء بأشكال فجّة وتوزيع سنوات السجن بلا ضوابط وسيلة من وسائل الترهيب والترعيب. وإزاء هذا الوضع فإنّ المطروح على القوى الديمقراطية والتقدّميّة ألّا تطبّع معه وأن تواصل النضال بلا كلل ضد المحاكمات الجائرة وضد توظيف القضاء وتطالب بإطلاق سراح كل المعتقلين من أجل آرائهم أو ممارستهم لحقوقهم السياسية. كما أنّ عليها الدفاع بلا هوادة عن كلّ مساحة من مساحات الحرية المكتسبة وألّا تنسحب منها لصالح نظام قيس سعيّد الذي يشتد الخناق حوله أكثر من أي وقت مضى خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. لقد انفضّ من حول قيس سعيّد العديد ممن كانوا مقربين منه ولم يبق معه إلا بعض سقط المتاع من المتزلفين الأبديّين في نفس الوقت الذي تتآكل فيه بعض مؤسسات سلطة الانقلاب وفي مقدمتها برلمان الدمى. إن الوقت للمقاومة والعمل في صفوف الشعب الذي يبقى الضمان الوحيد لتحقيق تغيير ثوري وعميق.
صوت الشعب صوت الحقيقة
