الرئيسية / الافتتاحية / إيران توجّه ضربة موجعة للغطرسة الأمريكيّة
إيران توجّه ضربة موجعة للغطرسة الأمريكيّة

إيران توجّه ضربة موجعة للغطرسة الأمريكيّة

تابع الرأي العام العالمي مآل المفاوضات الإيرانية-الأمريكية والتي أفضت إلى توقيع رئيسي الدولتين على اتفاق إطار يوم الخميس 19 جوان الجاري وهو ما بات يُعرف باتفاقية الـ14 نقطة. وبذلك تطوى صفحة من صفحات الصراع بين الطرفين والتي عرفت ذروتها في حرب الأربعين يوما التي أرادت من خلالها الولايات المتحدة توجيه ضربة قاصمة إلى إيران التي باتت قوة إقليمية لها كلمة عالية في ترتيب شؤون المنطقة التي يريد اليانكي الأمريكي الاستفراد بها، في إطار السعي إلى الاستفراد بكل العالم وفق منطق ترامب الذي أعاد للعنجهية والعربدة الأمريكية سفورها بعد أن خفتت ضمن منطق صراع الأقطاب الامبريالية في السنوات الأخيرة. لقد تفطّن العالم بمناسبة هذه الحرب إلى أنّ إيران باتت قوة إقليمية تدافع بمنتهى الإصرار عن كيانها ومصالحها، لقد واجهت بكل رباطة جأش العدوان الصهيو-أمريكي رغم الضربات العسكرية والأمنية والاقتصادية الموجعة التي طالت أهم مكونات الصف القيادي السياسي والعسكري الأول، لكن إيران أثبتت قدرة خارقة على استيعاب الضربة وعلى المواجهة خلال بقية فصول النزاع حتى أنها كانت في كثير من المرات هي المبادرة بتوجيه الضربات إلى قلب كيان الاحتلال وإلى تخوم مفاعل ديمونة النووي، فضلا عن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة على طول الخليج وعرضه. وقد حبس العالم سياسة واقتصادا أنفاسه على وقع التحكم الكلي في مضيق هرمز الذي تنطلق منه ربع الحركة التجارية الطاقية في العالم، والتحكم الكبير في مضيق باب المندب تحت وقع الضربات الحوثية التي استهدفت سفن كيان الاحتلال والولايات المتحدة. وقد لعبت خطة “وحدة الساحات” دورا حيويا لا في إدارة المعارك فحسب، بل أيضا في تحديد مآل الطور الأخير منها.

إنّ محتوى الاتفاق الإطاري هو رجع صدى وصورة تعكس حقيقة التحولات الحاصلة في المنطقة والعالم، وهي ضربة موجعة لسياسة ترامب-نتنياهو القائمة على العربدة لأجل تثبيت شروط الشرق الأوسط الجديد كما يراه مجرما الحرب الفاشيان وكما أذعن له حكام المهانة الخليجيين والعرب. لقد أراد الحلف الصهيو-أمريكي فرض صمت المقابر بعد حرب الإبادة النازية في غزة وعموم فلسطين المحتلة، وبعد توجيه ضربات موجعة لحزب الله، وخاصة بعد إسقاط النظام السوري وتنصيب حاكم عميل على دمشق فتح مصراعي سوريا لجنود الاحتلال وضيق الخناق على المقاومة اللبنانية وأبدى الاستعداد للعب أقذر الأدوار في الساحة اللبنانية. لقد وجّه الصمود الإيراني ضربة للخطة الصهيو-أمريكية لوضع اليد بالكامل على المنطقة ضمن ما يسميه نتنياهو “الفرصة التاريخية”، لذلك جنّ جنون الآلة العسكرية الصهيونية اليوم بعد إمضاء حليفها الأول ترامب على الاتفاق مع إيران التي فرضت تساوق المسارات وأساسا في اتجاه “وقف إطلاق النار” في لبنان أين أبدى حزب الله صمودا أسطوريا في وجه العدوان الصهيوني والخذلان الرسمي اللبناني والعربي. وها هي إيران تقاطع انطلاق المفاوضات مع الولايات المتحدة في سويسرا بعد إصرار نتنياهو على تواصل عدوانه ممّا فرض على ترامب وإدارته التدخل والتصريح لأول مرة بالتّلويح بإيقاف الدعم العسكري. لقد أثبت ذلك قناعة لدى كل العالم بأنّ إيران أصبحت لاعبا إقليميا أساسيا، وهو ما ستكون له تداعيات لا في حاضر المنطقة بل أيضا وأساسا في مستقبلها.

إنّ الوصول إلى اتفاق وعدم الاستسلام في وقت بلغت فيه البلطجة الأمريكية ذروتها خاصة بعد اختطاف الرئيس مادورو، والإعلان الرسمي عن عودة الاحتكام إلى “عقيدة مونرو” التي تطلق يد اليانكي على مجمل القارة الأمريكية باعتبارها حديقة خلفية لحكام الولايات المتحدة الاستعماريين. لقد شرع ترامب في تنفيذ خطته التي رتبت استهداف إيران بعد اختطاف رئيس فنزويلا ليتمّ المرور إثرها إلى تصفية كوبا وكولومبيا وجزيرة غرينلاند ووصولا إلى كندا. وقد وجّه ترامب كل الإهانات للحليف الأوروبي منهيا وضع ما بعد الحرب العالمية الثانية، واختار الصدام غير المباشر مع القوتين الصينية والروسية من خلال استهداف حلفائهما. لكن صمود إيران بعثر أوراق ترامب ووجّه ضربة مهمّة لخطته في وقت حسّاس من عهدته الرئاسية التي تشارف على منتصفها باستحقاقات الانتخابية الداخلية (التجديد النصفي في مجلسي النواب والشيوخ وحكام الولايات في 3 نوفمبر القادم) والتي يسبقها اليوم هبوط كبير لشعبية ترامب التي وصلت بالتزامن مع إمضاء الاتفاق مع إيران إلى 39 %، وهو المستوى الأدنى منذ عودته إلى البيت الأبيض. إنّ أهمية نتائج الحرب مع إيران هي قدرة هذه الأخيرة على إيقاف، ولو مؤقت، لجموح إدارة الرعب والعدوان. لقد تعرّض منطق العربدة إلى تمريغ الأنف في التراب لا في ساحة الحرب فحسب، بل أيضا في ساحة التفاوض حيث يقع فرض منطق تعاطي مناقض كليا لمنطق ترامب، وحيث يتم حسن توظيف الأوراق الإقليمية والدولية لصالح المفاوض الإيراني الذي يعتبر صموده في وجه الغطرسة في حد ذاته انتصارا وتسديدا لضربة موجعة لمنطق التفرد في إدارة المنطقة وهو ما يشكل ضربة ذات بالٍ لمنطق الأحادية الذي تعمل إدارة ترامب على فرضه بكل صلف. إنّ شعوب المنطقة والعالم تنحاز اليوم لصمود إيران في وجه العدوان والتدخل الصهيو-امبريالي وتدين الخنوع الذليل لأنظمة العار في الوطن العربي، كما تنحاز إلى المقاومة في لبنان وفلسطين وإلى حراك الحرائر والأحرار ضد الحروب العدوانية. لكنّ مصلحة الشعوب الحقيقية لن تكون إلا من خلال مسك مصيرها بيدها لتحقيق سيادتها الكاملة على ثرواتها ومقدراتها ومصيرها.

إنّ نتائج الحرب ومسار التفاوض تعتبر من هذه الزاوية ضربة موجعة لمنطق السيطرة الصلبة والعدوانية على الشاكلة الترامبية النازية. إنه انتصار بالنقاط لمنطق تعدد القوى والأقطاب الذي تتجه إليه عديد الدول الصاعدة بقيادة الصين وروسيا، وهو اتجاه وإن كان يعطي هوامش حركة لقوى إقليمية تدافع عن سيادتها واستقلال قرارها عن المتروبول الامبريالي المركزي، فإنّ مصلحة الشعوب الاستراتيجية هي في بناء عالم مستقل فعليا عن كل الأقطاب التي لا ترى في النهاية إلا مصالح الائتلافات الطبقية السائدة والمهيمنة. إنّ دور القوى الثورية والتقدمية، إقليميا وأمميا، هو شحذ القوى وتعبئتها لصالح قطب الشعوب والأمم والطبقات المضطهدة التي عليها الاستفادة من كلّ ضربة موجّهة إلى قوى السيطرة والعدوان ممثلة اليوم في أشرسها وأكثرها عدوانية وهي الامبريالية الأمريكية.

إلى الأعلى
×