بقلم جابر سليمان
من كان يعتقد أن تلك اللقطة التي خرجت من الجمايلية في صائفة 2019، والتي جعلت البعض يبتسم لعفويتها، ستعود إلينا بعد سنوات كأنها عنوان كبير لحكاية تونس مع العطش، يومها، خرج أهالي الجمايلية بمعتمدية نفزة من ولاية باجة للاحتجاج على وضعية منطقتهم، وكان بينهم شيخ اختصر حكاية كاملة في جملة واحدة خرجت من القلب قبل اللسان: “حالتنا متعبة أصل… الجمايلية عطاشى”. لم يكن الرجل يبحث عن كلام مرتب، ولا عن عنوان يصلح للبيانات الرسمية، ولم يكن ينتظر أن تتحول كلماته إلى شعار كان فقط يحكي “على الوجيعة” ويصف واقعا يوميا أصبح أثقل من قدرة الناس على التحمل. في ذلك الوقت، بدت العبارة للكثيرين مجرد لقطة عفوية فيها شيء من الطرافة، لأن التونسي معروف بأنه حتى في أصعب الظروف يجد طريقة للسخرية من واقعه و لكن خلف تلك الضحكة كانت هناك معاناة حقيقية، وخلف كلمة “عطاشى” كانت هناك منطقة تشعر أن الماء، أبسط حقوقها، أصبح مطلبا و لكن ما لم ننتبه إليه يومها أن الجمايلية لم تكن تحكي قصة نفسها فقط بل كانت ترسل إشارة مبكرة إلى أزمة كانت تكبر ببطء اذ لم تكن المشكلة مجرد سبّالة شحت في منطقة داخلية، بل كانت بداية سؤال أكبر حول طريقة إدارة الدولة لثروة أصبحت مع الوقت مصدر قلق لكل التونسيين.
اليوم، ونحن في سنة 2026، لم تعد عبارة “حالتنا متعبة أصل” تخص الجمايلية وحدها بل أي تونسي في جهات كثيرة يعرف معنى أن يفتح الحنفية ولا يسمع إلا الهواء المتدفق منها. لم يعد الماء يأتي كأمر عادي، بل أصبح له موعد وانتظار وحسابات. وضع من حوالي خمس سنوات، بدأت فيه سبّالة -أي الحنفية- في داره تشح من الماء شيئا فشيئا. الماء الذي كان حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية دون أن يفكر فيه أحد، أصبح اليوم يغيب بالساعات والأيام في بعض المناطق.
طبعا، هذه الحكاية ليست جديدة على بعض مناطق داخلية التي عاشت لسنوات مع الانقطاعات المتكررة، ومعاناة البحث عن الماء، وأحيانا انقطاعات لا يجد المواطن لها تفسيرا مقنعا. لكن المفارقة أن العطش لم يبق في تلك الجهات فقط بل الأزمة خرجت من حدود المناطق التي اعتادت الشكوى، ووصلت حتى إلى مناطق كانت تعتبر خزان البلاد المائي، مثل الشمال الغربي. هكذا تحولت أزمة الماء من مشكلة “جهة عطشانة” إلى ملف وطني كامل وتزداد الحكاية تعقيدا في الصيف، عندما تضرب الحرارة، وترتفع الحاجة إلى الماء، ويصبح انقطاعه أكثر قسوة.
الجمايلية لم تكن وحدها عطشى… كانت فقط أول من قالها .. حتى شاح ريق البلاد.
تونس عطشى… هل جفت السماء أم عطشتها المنظومة؟
قبل أن نختصر أزمة الماء في تونس في حكاية سدود ناقصة أو أمطار شحّت، لابد أن نضع الصورة في إطارها الأكبر. فالماء لم يعد اليوم مجرد ملف محلي أو مشكلة ظرفية تخص بلدا دون آخر، بل أصبح واحدة من أكبر المعارك التي يخوضها العالم. فمنذ سنوات، يعيش العالم على وقع أزمة مائية متصاعدة، أزمة لم تعد مجرد “عام جفاف ويمر”، بل أصبحت تحديا استراتيجيا يرتبط مباشرة بالتغيرات المناخية، بارتفاع حرارة الأرض، وبالتطرفات المناخية التي أصبحت تضرب مناطق مختلفة من الكوكب. هذه الأزمة ليست منفصلة عن طريقة تعامل الإنسان مع الطبيعة. فقد قام النموذج الاقتصادي العالمي، وخاصة في نسخته الرأسمالية القائمة على الاستهلاك المكثف، بتحويل الموارد الطبيعية إلى وقود للنمو الصناعي والاقتصادي، على حساب التوازن البيئي. فأصبحت الطبيعة تدفع فاتورة خيارات بشرية لم تضع دائما حدودا للاستغلال. لكن تونس، وإن كانت جزءا من هذا المشهد العالمي، فإن حكايتها مع العطش لها خصوصيتها. فمن الطبيعي أن يكون للجفاف وتراجع التساقطات تأثير مباشر على الوضع المائي في البلاد. فمنذ سنوات، لم تعد الأمطار منتظمة كما كانت، وأصبحت فترات الشح أطول، وتؤكد المعطيات منذ تسعينات القرن الماضي أن تونس دخلت تدريجيا مرحلة تراجع فيها مخزونها المائي وأصبح فيها stress hydrique (الإجهاد المائي) واقعا لا يمكن تجاهله.
لكن أن نقول إن أزمة الماء في تونس سببها فقط “قلة الشتا”، فهذا لا يحكي كل الحقيقة فالجفاف لم يهبط علينا فجأة، ولم تكن التحولات المناخية خبرا جديدا. فمنذ عقود، كان الخبراء في البيئة والمياه يطلقون التنبيهات ويحذرون من أن تونس تتجه نحو مرحلة يصبح فيها الماء مورد نادرا وحساس ولكن المشكل أن الإنذارات كانت موجودة، لكن الاستجابة لم تكن دائما في مستوى الخطر. هنا يظهر دور المنظومات الفاشلة التي حكمت البلاد وكانت جزءا رئيسيا في إدارة الماء. فالقضية ليست فقط أن السماء أمطرت أقل، بل أيضا كيف تعاملنا مع المياه التي كانت موجودة. فالسلطات المشرفة على القطاع، وخاصة وزارة الفلاحة باعتبارها المسؤولة عن السدود وتوزيع الحصص المائية، كانت مطالبة منذ سنوات بوضع سياسة استباقية تقوم على التصرف المستدام في المياه، لا على حلول ظرفية تظهر فقط عندما تشتد الأزمة.
لكن المواطن التونسي وجد نفسه اليوم في قلب المعركة. يطلب منه الاقتصاد في الاستهلاك، وكأن الأزمة تبدأ وتنتهي عند الحنفية المنزلية. والحقيقة أن استهلاك العائلات لا يمثل سوى حوالي 12% من مجموع استعمالات المياه، بينما يذهب الجزء الأكبر إلى قطاعات أخرى، خاصة الفلاحة والصناعة. وبالتالي تظهر إحدى مفارقات الأزمة المواطن مطالب بأن يحسب كل قطرة، بينما الإشكال الأكبر يتعلق بطريقة إدارة المنظومة لكل قطرة موجودة.
ومن الملفات التي تفرض نفسها بقوة ملف السدود، باعتبارها العمود الفقري للمخزون المائي في البلاد. فالسد ليس مجرد مكان نجمع فيه الماء هو منظومة تحتاج إلى صيانة، وإزالة الرواسب، ومتابعة مستمرة لقدرتها على التخزين. وفي وضع مائي حساس، فإن أي تقصير في هذه الجوانب يعني خسارة موارد نحن في أمس الحاجة إليها. كما يبرز ملف المياه الجوفية كواحد من أكبر التحديات. فاستنزاف الموائد المائية وانتشار عمليات حفر الآبار يطرح أسئلة حقيقية حول الرقابة والحَوْكمة وحماية مورد لا يمكن تعويضه بسهولة.
وفي وسط كل هذا، يبقى المواطن هو الحلقة الأسهل في الخطاب الرسمي بينما هناك ملفات أكبر تحتاج إلى نقاش جدي. بل إن المفارقة أن عددا من التونسيين لا يشربون أصلا من ماء الحنفية بسبب الإشكالات المرتبطة بجودة المياه، وهو ملف آخر قائم بذاته يتعلق بـ la qualité de l’eau potable جودة مياه الشرب.
لذلك، فإن أزمة الماء في تونس ليست مجرد أزمة مناخ، وليست فقط حكاية سماء لم تعد تمطر كما السابق. الطبيعة فرضت تحدياتها، نعم، لكنها لم تكن وحدها وراء وصول البلاد إلى هذا الوضع.
العطش الذي يعيشه التونسي اليوم هو نتيجة تداخل بين أزمة مناخية عالمية وبين اختيارات وسياسات عمومية كان يفترض أن تستبق الأزمة لا أن تلحق بها.
وزارة الفلاحة أم الصوناد… من يملك قرار الماء ومن يتحمل المسؤولية؟
في خضم أزمة الماء التي يعيشها التونسيون، غالبا ما تتجه أصابع الاتهام مباشرة نحو الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه “الصوناد”، باعتبارها الجهة التي تصل منها المياه أو تنقطع عن المنازل. فالمواطن الذي يفتح الحنفية ولا يجد ماء، يرى أمامه اسم الصوناد لا غير لكن خلف هذه الصورة البسيطة تختبئ حقيقة أكثر تعقيدا فالمسألة لا تبدأ من الحنفية، بل قبل ذلك بكثير… تبدأ من السدود، ومن طريقة إدارة الموارد المائية، ومن الجهة التي تحدد كميات المياه المخصصة لكل منطقة.
في مارس 2023، أعلنت وزارة الفلاحة التونسية اعتماد نظام حصص ظرفي للمياه، مع منع بعض استعمالات المياه الصالحة للشرب وبررت الوزارة قرارها آنذاك بتواصل سنوات الجفاف، وتراجع الإيرادات بالسدود، وانخفاض المخزون المائي إلى مستويات غير مسبوقة، إضافة إلى تراجع تغذية الموائد المائية الجوفية وبموجب هذا القرار، تم منع استعمال مياه الشرب الموزعة عبر شبكات الصوناد في بعض الأنشطة، مثل سقي المساحات الخضراء، والاستعمالات الفلاحية، وغسل السيارات وتنظيف الشوارع والأماكن العامة. وكان من المفترض أن يكون هذا الإجراء مؤقتا من نهاية مارس إلى نهاية سبتمبر 2023، لكنه تحول لاحقا إلى إجراء مفتوح في ظل استمرار الأزمة ومنذ ذلك التاريخ، أصبح نظام التقسيط وقطع المياه جزءا من الحياة اليومية للتونسيين. بدأت الانقطاعات في بعض المناطق خلال ساعات الليل، خاصة في تونس الكبرى والمناطق الساحلية، ثم توسعت تدريجيا لتشمل ولايات أخرى، قبل أن يصبح انقطاع الماء اليوم واقعا تعرفه مختلف جهات البلاد. لكن السؤال الأساسي يبقى: هل الصوناد هي صاحبة القرار في قطع الماء؟ هنا تكمن إحدى النقاط التي يغيب عنها النقاش العام. فالصوناد، رغم مسؤوليتها عن توزيع المياه عبر الشبكات، لا تتحكم في المورد المائي من منبعه. فوزارة الفلاحة هي الجهة التي تشرف على السدود، وتدير الموارد المائية، وتحدد الحصص الموجهة إلى مختلف المناطق. بمعنى آخر، فإن الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تقوم أساسا بدور التوزيع، فهي توصل ما يتم توفيره لها من كميات مائية.
هذا لا يعني أن الصوناد لا تتحمل مسؤولياتها. فالشبكات القديمة، ونسب ضياع المياه، وضعف الصيانة، كلها ملفات حقيقية لكن اختزال أزمة الماء كلها في الشركة وحدها قد يكون قراءة ناقصة، لأن القرار الأكبر المتعلق بتوفير الموارد وتوزيعها يوجد في مستوى آخر. فالمشكل ليس فقط في القنوات التي تنقل الماء، بل في السياسة التي تحدد أين يذهب الماء وكمية ما يصل إلى كل جهة وهنا تظهر مسؤولية وزارة الفلاحة باعتبارها الجهة التي تدير المورد الأساسي و الأزمة ليست فقط أزمة توزيع، بل أزمة تصرف في الثروة المائية، وأزمة خيارات استراتيجية لم يتم مراجعتها بما يكفي أمام تغيرات مناخية كان الجميع يعلم أنها قادمة.
وفي نفس الوقت، لا يمكن فصل هذا النقاش عن الجدل المتصاعد حول مستقبل الصوناد، حيث يتم تقديم الشركة في كثير من الأحيان باعتبارها نموذجا للفشل لتبرير خيارات تتعلق بإعادة هيكلتها أو فتح الباب أمام الخوصصة وباب الدعوة الى إصلاح قطاع الماء فقط عبر تغيير ملكية شركة التوزيع.
المنظومة الشعبوية… عندما تتحول أزمة الماء إلى أزمة حكم
في خضم أزمة الماء التي يعيشها التونسيون، ظهر قيس سعيد في إحدى المناسبات أمام أحد السدود، في مشهد أصبح مألوفا في خطابه السياسي إصبع مرفوع، وحديث عن “الخونة” و”المتآمرين” الذين يحمّلون مسؤولية تعطيل مصالح الدولة والتسبب في معاناة المواطنين. كان المشهد يعكس طريقة مقاربة الأزمة من زاوية البحث عن طرف يُلقى عليه اللوم، أكثر من كونه تقديما لرؤية واضحة حول كيفية معالجة المشكلة. لكن أزمة الماء، مثل غيرها من الأزمات الكبرى، لا تدار بالشعارات ولا بخطابات الغضب. فالمواطن الذي ينتظر الماء في حنفيته لا يبحث فقط عن من يدان، بل يبحث عن حل حقيقي يضمن له حقه في مورد أساسي للحياة. فالمشكلة اليوم ليست فقط في وجود أزمة مناخية أو نقص في الموارد، بل في غياب استراتيجية واضحة للتعامل معها. فمنذ سنوات، كان المطلوب وضع سياسات بعيدة المدى، تطوير البنية التحتية، حماية الموارد، وإصلاح منظومة توزيع المياه. لكن ما حدث هو استمرار منطق الحلول الظرفية والترقيعية، وكأن الأزمة لا تُكتشف إلا عندما تجف الحنفيات.
وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن من انقطاعات متكررة ومن إشكاليات مرتبطة بجودة المياه، توسعت سوق المياه المعلبة لتصبح بالنسبة للكثير من العائلات حلا اضطراري لا خيارا. فالعائلة التي تضطر إلى شراء قوارير الماء بشكل يومي تجد نفسها أمام كلفة إضافية تثقل ميزانيتها، في وقت يفترض فيه أن يكون الماء الصالح للشرب حق مضمون وليس عبئا ماليا جديدا. وهنا تظهر إحدى مفارقات الأزمة المواطن الذي يعتمد على ماء الحنفية يجد نفسه بين انقطاع متكرر ومياه لا تلبي دائما انتظاراته، بينما يصبح اللجوء إلى القطاع الخاص خيارا مفروضا على من يملك القدرة على الدفع.
إن الأزمة الحقيقية ليست فقط في غياب الماء، بل في غياب رؤية متكاملة لإدارته. فالمنظومة التي تكتفي برفع شعار “الماء حق دستوري” دون أن تحوّل هذا الحق إلى واقع يومي، تبقى أمام فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فالماء لا يصل إلى المواطن بالتصريحات، ولا بالوعود، ولا بتبادل الاتهامات. والأخطر من كل هذا التعامل مع احتجاجات المواطنين المطالبين بالماء التي لا تنفك الأجهزة الدولة تواجهها بالقمع و الإيقافات.
إن معركة تونس الحقيقية ليست فقط مع الجفاف، بل مع عقلية إدارة تعتبر الأزمات قدرا لا سياسة، وتبحث دائما عن شماعة تعلق عليها الفشل بدل أن تعيد النظر في خياراتها.
فالعطش الذي يعيشه التونسي اليوم ليس مجرد عطش إلى الماء… بل هو أيضا عطش إلى دولة تخطط، وتحمي، وتحاسب، وتعتبر أن قطرة الماء ليست رقم في تقرير إداري، بل كرامة مواطن وحق لا يجوز أن ينقطع.
صوت الشعب صوت الحقيقة
