بقلم جيهان اللواتي
لا تكمن خطورة اللحظة التاريخية التي تمر بها تونس اليوم في تداعيات الأزمة الاقتصادية أو التجاذبات السياسية الراهنة بل في طبيعة التهديد الذي يطال “الأمن المعرفي” للمجتمع. نحن أمام حالة من التآكل البنيوي للعقل الجمعي حيث تتقاطع سياسة “الصمت الممنهج” التي تفرضها السلطة مع صعود النزعات الشعبوية المفرطة لتدفع بالمشهد الإعلامي نحو “عطالة بنيوية” مزمنة. إنّ هذا العجز ليس عرضيّا بل هو نتيجة صراع محتدم حول تعريف الحقيقة وتحديد من يملك حقّ سرد الواقع في تونس.
إدارة الغموض كاستراتيجيّة حكم
في علوم الاتصال لا يُعدّ حجب المعلومة الرسمية مجرد “إجراء إداري” أو ضعف في التواصل المؤسساتي فقط بل هو ممارسة استراتيجية لما يمكن تسميته بـ “إدارة الغموض”. عندما تمتنع السلطة عن الإدلاء ببيانات دقيقة حول الاتفاقات الدولية أو نسب التضخم الحقيقية أو استراتيجيات الأمن الغذائي والطاقي فإنها لا تمارس السرية فحسب بل تمارس “هندسة اجتماعية” تعيد صياغة الواقع وفق “حقائق بديلة.”
وفقا لنظرية “الاستقطاب العمودي” لإرنستو لاكلو يجد الخطاب الشعبوي في هذا الفراغ المعلوماتي أرضيّة خصبة للنمو. إنّ الشعبوية لا تُغذّى بالمعلومات بل بالغموض الذي يُترك للجمهور لملئه بسرديات عاطفية. وعندما تُغيَّب الأرقام والبيانات تحلّ محلّها “التخييلات” فتتحول الأزمات الهيكلية إلى “مؤامرات خارجية” أو “خيانات داخلية”. هذا الغموض هو أداة فعالة لتحييد النقاش العمومي عن الجوهر ودفع المواطن بعيدا عن فهم الجدلية الاقتصادية والسياسية التي تحكم حياته اليومية. إنّ غياب المعلومة الرسمية هو إعلان عن تحوّل الدولة من “دولة قانون ومؤسسات” إلى “دولة غموض” حيث يُترك العقل العام يصارع الأشباح بدلاً من مواجهة السياسات العمومية.
اقتصاديّات الانتباه وتفكّك “حارس البوّابة”
لقد ساهمت “اقتصاديات الانتباه” في تغيير وظيفة المؤسسات الإعلامية جذريا. ففي السابق كانت المؤسسة الإعلامية تمارس دور “حارس البوابة” الذي يُفرز الغث من السمين ويضع الأخبار في سياقها الموضوعي. أمّا اليوم وفي ظل هيمنة المنصات الرقمية تخلّت الكثير من المؤسسات عن هذا الدور لصالح “نقل الصدى”. لقد أصبح الإعلام التونسي في أجزاء واسعة منه أسيرا لضغط التفاعلات الرقمية، والخوارزميات لا تغذّي الحقيقة بل تغذّي “التنافر المعرفي”. فهي تمنح الجمهور ما يرغب في سماعه ليعزّز قناعاته المسبقة لا ما يحتاجه لفهم تعقيدات واقعه. إنّ هذا التحوّل يُعدّ خيانة لأخلاقيات المهنة حيث تم استبدال “المصداقية” بـ”الانتشار”. لذلك يمكن القول إنّ المواطن التونسي يعيش اليوم داخل “فقاعات تصفية رقمية” تقدم صورة مشوّهة عن الواقع، حيث تعزّز نظرية الغرس الثقافية التكرار اليومي للسرديات الشعبوية داخل هذه الفقاعات ويُشكّل قناعات ترسّخ أنّ “الحقيقة” هي ما يُعرض في الشاشات وصفحات التواصل لا ما يُعاش في الواقع المعيش. إنّ الإعلام هنا لم يعد يحدّد “ما يفكّر فيه الجمهور” بل أصبح يحدّد “بماذا ينفعلون” ممّا يعمّق الفراغ المعرفي.
مأزق الصّحافة التّفسيريّة في مواجهة الشّعبويّة
يواجه الصحفي التونسي اليوم خيارين مريرين الصمت أو التكهّن. وفي ظلّ غياب المعلومة يصبح الصحفي عاجزا عن ممارسة “الصحافة التفسيرية” التي تحوّل الخبر الجاف إلى قصة مفهومة بشرح السياقات التاريخية والتداعيات الاقتصادية. إنّ “الاستسهال المهني” الذي أصاب بعض المؤسسات دفعها إلى التخلي عن وظيفتها الأساسية.
معركة الإعلام اليوم هي معركة ضدّ “تبسيط المعقّد” فالشعبوية تقدم “أكباش فداء” جاهزة لأزمات معيشية مثل انهيار قيمة الدينار وغلاء الأسعار والانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء بينما تتطلب الحقيقة تحليلا معمّقا للميزانية العامة ونسب التضخم.
المطلوب من الصحافة المهنية هو كسر هذا التنميط عبر اعتماد “صحافة البيانات” لذلك يجب أن تتحول غرف الأخبار إلى مختبرات لاستنطاق التقارير الدولية والمؤشرات الاقتصادية وتفكيك السرديات بالأرقام. فالصحافة ليست “نقل أخبار” بل هي “كشف آليات العمل” والقيام بدور الحفر في بنية الأزمات لتقديم صورة واضحة للجمهور. إنّ هذا النوع من الصحافة هو وحده القادر على خلق “كتلة نقدية” من الصحفيين والأكاديميين القادرين على التصدي للخطاب الشعبوي وتفكيك أدواته.
ثورة التّشريع أم إرادة المهنة؟
كثيرا ما يُطرح السؤال، هل نحن في حاجة إلى “ثورة تشريعية” جديدة لضمان استقلالية الإعلام أم أننا نملك قوانين كافية لكننا نفتقد الإرادة المهنية؟ الإجابة تكمن في جدلية التوازن بينهما فتونس تمتلك إطارا تشريعيا متقدما نسبيا وعلى رأسه القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة لكن القوانين تبقى “حبرا على ورق” في غياب “ثقافة الالتزام والإرادة”.
إنّ المعركة اليوم هي معركة تطبيق بقدر ما هي معركة تشريع، نحتاج إلى إلغاء التشريعات الفضفاضة التي تحوّلت إلى سيف مسلّط على رقاب الصحفيين وفي الوقت نفسه نحتاج إلى صحفيين يمتلكون الشجاعة لاستخدام القانون في وجه الشعبوية. على النخبة الإعلامية كسر حاجز الخوف وتفعيل “حق النفاذ إلى المعلومة” قضائيا عبر المحكمة الإدارية بعد تجميد الهيئة بقرار شعبوي لا التزام الصمت كنوع من الرقابة الذاتية. إنّ تحرّر الإعلام العمومي من الوصاية السياسية والهيكلة الإدارية البيروقراطية هو مطلب استراتيجي فالإعلام الذي يفتقر إلى “العقيدة الصحفية” المستقلة هو إعلام يدفع المجتمع نحو التطرف والغوغائية.
إعادة بناء “المجال العام“
إنّ ما تمرّ به تونس اليوم هو اختبار حقيقي لصلابة نسيجها المجتمعي. فالشعبوية قد تُخدّر المجتمع مؤقتا بوعود سهلة وحلول ترقيعية لكنها تنهار دائما أمام صخرة الواقع، ودور الصحفي هنا هو “المقاومة بالدقة والتحقق”. واستعادة الثقة لا تبدأ بـ”الكلمات الرنانة” أو “الديماغوجية الإعلامية” بل تبدأ بقرار شجاع بمخاطبة ذكاء المواطن لا غريزته.
إنّ معركتنا الفاصلة هي هل سنبقى مجتمعا يُسيّره الغوغاء وصنّاع الأوهام؟ أم سنكون مجتمعاً واعيا يقوده العقل والحقيقة؟ إنّ القوانين هي “الدّرع” الذي يحمي الصحفي لكن المهنية هي “السيف” الذي يقطع حبال التضليل. ودون إرادة مهنية صلبة ومستقلة ستبقى القوانين مجرد نصوص في الجرائد الرسمية بينما الوقت ينفد والعقل العام يغرق في ضباب الشعبوية.
ختاما إنّ استحقاق تونس اليوم هو إعلام يضع “المسؤولية الاجتماعية” في صدارة أولوياته، إعلام لا يكتفي بنقل الأحداث بل يفسّرها ويضعها في سياقها التاريخي والطبقي. إننا ندعو إلى ميثاق مهني جديد يقطع مع “عطالة بنيوية” ويؤسّس صحافة مهنية وعلمية ومنحازة إلى الحقيقة وحدها. إنّ الوقت يداهمنا والشعبوية تفكّك العقل العام، وما تعيشه تونس اليوم ليس مجرد أزمة إعلامية بل هو بداية انهيار أسس العيش المشترك. تبقى الصحافة خطّ الدفاع الأخير وعلينا أن نكون على قدر هذا التحدي التاريخي متمسكين بالكلمة الحرة كأداة وحيدة للبناء والتحرير الحقيقي وليس الشعبوي رافضين كلّ أشكال التّدجين أو التّمويه التي تمارسها قوى الردة المعرفية.
فتونس تستحق إعلاما يضيء العتمة لا إعلاما يكتفي بوصف الظلام.
صوت الشعب صوت الحقيقة
