بقلم الناصر بن رمضان
تطرح قضية الهجرة التونسية المتصاعدة نحو كندا مأزقاً بنيوياً عميقاً يتجاوز مجرد الرغبة الفردية في “تحسين ظروف العيش” ليتحول إلى ظاهرة نزيف جماعي قسري محكوم بآليات الصراع الطبقي وعلاقات الإنتاج الرأسمالية العالمية، وسنحاول في هذا التحليل تفكيك هذه الظاهرة من منظور ماركسي في خمسة محاور مترابطة تسلط الضوء على جوهر الأزمة ومسؤولية المنظومة الحاكمة.
أسباب الهجرة ودواعيها: مسؤولية حكومات ما بعد الثورة وحراس التبعية الرأسمالية
لا يمكن قراءة قوارب الهجرة غير النظامية وطائرات الهجرة النظامية للطبقة الوسطى التونسية المتجهة صوب كندا إلا كأثر مباشر لفشل نمط الإنتاج التبعي التونسي. إن حكومات ما بعد الثورة (2011-2026) لم تكن سوى حارس أمين لمصالح رأس المال الكمبرادوري والدوائر المالية العالمية كصندوق النقد الدولي. وبدلاً من قطع دابر الاقتصاد الريعي وتأميم القطاعات الحيوية، واصلت هذه الحكومات الرجعية العميلة تطبيق سياسات التقشف، وضرب المرفق العمومي، وتجميد الانتدابات في الوظيفة العمومية. هذا التدمير الممنهج لقوى الإنتاج المحلية أنتج جيشاً احتياطياً هائلاً من العاطلين عن العمل تجاوزت نسبته العامة 16%، وتخطت الـ 37% في صفوف حاملي الشهادات العليا. إن إصرار الحكومات المتعاقبة على الاقتراض الخارجي المشروط بتفكيك الدعم وتخفيض قيمة الدينار التونسي – الذي فقد أكثر من 50% من قيمته أمام الدولار الكندي خلال العقد الأخير – جعل البقاء داخل تشكيلة اقتصادية مختنقة ضرباً من الانتحار الاقتصادي، لتصبح الهجرة مخرجاً قسرياً فرضه تحالف البرجوازية المحلية مع الرأسمالية المعولمة.
تصنيف الهجرة التونسية إلى كندا: “نزيف هجرة الأدمغة” كشكل من أشكال الاستعمار الجديد
تنقسم الهجرة التونسية إلى كندا كلاسيكياً إلى صنفين؛ هجرة نظامية تشمل الكفاءات والطلبة، وهجرة غير نظامية تزايدت وتيرتها مؤخراً. لكن صنف الكفاءات العليا (المهندسين، الأطباء والجامعيين) يعد الصنف الأكثر تعقيداً وخطورة، وهو يمثل أرقى أشكال “نهب فائض القيمة المعرفي”. إن الدولة التونسية تنفق جزءاً كبيراً من فائض القيمة المستخلص من عرق الطبقات الشعبية لتعليم الكفاءات وتدريبهم (تُقدر تكلفة تكوين المهندس الواحد بنحو 100 ألف دينار تونسي)، لتأتي رأسمالية المركز الكندية الباحثة عن قوة عمل رخيصة وجاهزة فتستقطبهم عبر برامج الهجرة الانتقائية (مثل نظام الدخول السريع وسوق العمل الكيبيكي). هذا التصنيف يكشف عن جوهر استعماري جديد تتحمل فيه تونس تكلفة إنتاج وتجديد قوة العمل، بينما تحصد كندا ثمار إنتاجيتها وفائض قيمتها جاهزاً دون أن تتكبد سنتاً واحداً في تنشئتهم وتدريبهم.
تداعيات الهجرة على سوق الشغل الكندية: تجديد دماء الرأسمالية الشمالية وقوة العمل البخسة
في الجانب الآخر من المعادلة، تلعب الهجرة التونسية دوراً حيوياً في استقرار سوق الشغل الكندية وتخفيف أزمات الرأسمالية الاحتكارية هناك، في واقع تعاني فيه كندا (وخاصة مقاطعة كيبك) من أزمة ديموغرافية حادة وشيخوخة في اليد العاملة، مما يهدد بميل معدل الربح إلى الانخفاض نتيجة نقص قوة العمل الحية. هناك تتدفق قوة العمل التونسية الشابة والمؤهلة لسد ثغرات حاسمة في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والرعاية الصحية والتعليم والحرف. أما من الناحية الاقتصادية فتساهم هذه العمالة المهاجرة في خفض الأجور النسبية داخل كندا وإضعاف القدرة التفاوضية للنقابات المحلية، حيث يُجبر المهاجرون حديثاً – تحت وطأة عقود العمل المؤقتة والحاجة لتسوية وضعياتهم القانونية – على قبول شروط عمل تفضيلية وضغوط إنتاجية أعلى، مما يرفع من معدل استغلال العمالة ويضخ أرباحاً طائلة في جيوب الشركات الكندية الكبرى.
التداعيات على الاقتصاد التونسي: تبديد قوى الإنتاج وسراب التحويلات المالية
إن تداعيات هذا النزيف على الاقتصاد التونسي كارثية بكل المقاييس الطبقية. إذ يفرغ البلاد من أثمن عناصر قوى الإنتاج وهي “قوة العمل المؤهلة”، مما يتسبب في شلل قطاعات حيوية كالصحة (حيث غادر تونس أكثر من 4000 طبيب خلال السنوات الأخيرة) والهندسة والبرمجيات. وتروج السلطة البرجوازية الحاكمة لـ “سراب” تحويلات التونسيين بالخارج – والتي باتت تساهم بما بين 8% إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي – بوصفها إنقاذاً للاقتصاد ومصدراً للعملة الصعبة. لكن الحقيقة غير القابلة للدحض هي أن هذه التحويلات لا تذهب للاستثمار الإنتاجي بل لتغطية استهلاك المحلي وتغطية العجز التجاري لشراء سلع مستوردة من المركز الرأسمالي نفسه. إنها مجرد مسكنات لتفادي الانفجار الاجتماعي الحتمي، وجزء من دورة إعادة إنتاج التخلف والتبعية الاقتصادية.
أوهام الحلول الترقيعية والبديل الديمقراطي الشعبي للهجرة
تطرح الدوائر الليبرالية والمنظمات الدولية حلولاً ترقيعية لملف الهجرة، مثل “التنمية المستدامة” أو “اتفاقيات التنقل المنظم”، وهي مجرد واجهات لتنظيم عملية النهب وضمان تدفق سلس لليد العاملة وفق حاجة المركز الرأسمالي. إن الحل الدائم والجذري لمشاكل الهجرة التونسية لا يكمن في تحسين شروط بيع قوة العمل للخارج، بل في تفكيك نمط الإنتاج الرأسمالي التبعي السائد في تونس وذلك عبر صياغة مشروع اقتصادي وطني شعبي قائم على:
* تأميم القطاعات الحيوية والمصرفية لتركيز رأس المال في الداخل وتوجيهه نحو التصنيع الشامل.
* توفير الشغل القار والمجزي لخريجي الجامعات والمعطلين عن العمل واستيعاب ضحايا البطالة وتشجيعهم على الاستقرار في بلدهم للاستفادة من كفاءاتهم.
* إعادة الاعتبار لقيمة العمل وقوة الإنتاج المحلية من خلال فرض سيادة وطنية على الموارد وإلغاء الديون الكريهة التي تكبل الموازنة العامة.
* إعادة هيكلة الاقتصاد لتلبية الاحتياجات الحقيقية لغالبية الشعب التونسي بدلاً من تلبية رغبات الأسواق الخارجية ومراكز رأس المال العالمي. دون هذا التحول الديمقراطي الشعبي ستظل تونس مجرد خزان بشرى ومستعمرة لتصدير قوى الإنتاج الحية لخدمة رفاهية الرأسمال الإمبريالي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
