الرئيسية / صوت العالم / تداخل السياسة ورأس المال في منظومة ترمب ودلالاته
تداخل السياسة ورأس المال في منظومة ترمب ودلالاته

تداخل السياسة ورأس المال في منظومة ترمب ودلالاته

بقلم رحمة لسود

منذ عودته إلى البيت الأبيض في جانفي 2025، تكشف تجربة دونالد ترامب بوضوح درجة غير مسبوقة من تداخل السلطة السياسية مع مصالح رأس المال الخاص. فقد ارتفعت ثروته الشخصية، بحسب تقديرات مجلة فوربس، من نحو 2.4 مليار دولار مطلع 2024 إلى ما يقارب 6.3 مليار دولار في أفريل 2026، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف خلال أقل من ثلاثين شهرا. كما تجاوزت مداخيله عن السنة الأخيرة 2.2 مليار دولار، وفق الإفصاحات المالية الإلزامية التي نشرتها إدارته مطلع جويلية الجاري. وتمثل هذه القفزة في الثروة حالة لافتة في تاريخ الرئاسة الأمريكية الحديثة، إذ تزامنت مع ممارسة السلطة التنفيذية، وفي وقت تواصل فيه الأجور الحقيقية للطبقة العاملة الأمريكية تراجعها تحت ضغط التضخم وارتفاع كلفة المعيشة. وتعكس هذه الصورة أحد التناقضات الملازمة للرأسمالية، حيث يقترن تراكم الثروة في القمة بتزايد الضغوط الاقتصادية على القاعدة الاجتماعية.

ويأتي المصدر الأكبر لهذا الثراء من قطاع العملات المشفرة، الذي حققت منه عائلة ترامب أكثر من 1.4 مليار دولار خلال عام واحد، من بينها 635 مليون دولار من عملة “ميم” تحمل اسمه وصورته، و590 مليون دولار من مشروع World Liberty Financial الذي أسسه مع أبنائه. واستندت هذه الأرباح أساسا إلى تضخم قيمة أصول رقمية ومضاربات مالية أكثر مما استندت إلى إنتاج سلع أو خدمات جديدة. ومن منظور الاقتصاد السياسي الماركسي، تندرج هذه الظاهرة ضمن ما سماه ماركس رأس المال الوهمي، أي الأصول المالية التي تتضخم قيمتها السوقية بوتيرة تتجاوز بكثير نمو الاقتصاد المنتج. وعندما تبلغ عملة رقمية لا تستند إلى إنتاج مادي جديد رسملة بمئات الملايين، فإنها تعكس اتساع دائرة التراكم المالي المنفصل عن عملية خلق القيمة، وهو مسار يزيد من هشاشة النظام الاقتصادي ويغذي الأزمات الدورية.

وتتخذ هذه الظاهرة بعدا سياسيا إضافيا بالنظر إلى أن إدارة ترامب نفسها أشرفت على تخفيف القيود التنظيمية المفروضة على قطاع العملات المشفرة، وقدمت الولايات المتحدة باعتبارها “عاصمة العملات الرقمية في العالم”. وفي الوقت نفسه، واصلت المشاريع المرتبطة بعائلته تحقيق أرباح كبيرة من هذا القطاع. ويبرز هنا تراجع الحدود التقليدية بين السلطة العامة والمصلحة الخاصة، حيث يصبح صانع القرار أحد المستفيدين المباشرين من السياسات التي تعتمدها الدولة. ويكتسب هذا التداخل أهمية خاصة في ضوء التحليل الماركسي للدولة باعتبارها الإطار السياسي الذي ينظم الشروط العامة لتراكم رأس المال ويحمي مصالح الطبقة المالكة.

ويزداد المشهد وضوحا مع دخول الرساميل الخليجية على الخط. فقد كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن صندوقا استثماريا إماراتيا مدعوما من الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان اشترى، قبل أيام من تنصيب ترامب، حصة تبلغ 49 بالمائة من مشروع World Liberty Financial مقابل 500 مليون دولار، ذهب نحو 187 مليون دولار منها إلى كيانات تسيطر عليها عائلة ترامب. وبعد أشهر قليلة وافقت الإدارة الأمريكية على تصدير رقائق ذكاء اصطناعي متطورة إلى الإمارات، رغم التحفظات التي أبدتها جهات داخل مؤسسات الأمن القومي الأمريكية. ويعكس هذا التزامن حجم التشابك بين الاستثمارات الخاصة والعلاقات الدولية، ويظهر كيف يمكن لرأس المال المالي أن يؤثر في أولويات السياسة الخارجية داخل القوة الإمبريالية الأولى في العالم.

وتنسجم الهدية التي تلقاها ترامب من العائلة الحاكمة القطرية، والمتمثلة في طائرة بوينغ 747 فاخرة تقدر قيمتها بنحو 400 مليون دولار، مع هذا السياق العام. وقد أعلن نيته الاحتفاظ بها بعد انتهاء ولايته وإلحاقها بمكتبته الرئاسية. وعندما سئل عن الانتقادات المتعلقة باستغلال الرئاسة لتحقيق مكاسب مالية، ركز في إجابته على ارتفاع سوق الأسهم، مقدما ذلك باعتباره مؤشرا على استفادة الجميع. ويعيد هذا الخطاب إنتاج التصور الليبرالي الذي يربط المصلحة العامة بازدهار الأسواق المالية، رغم التفاوت الكبير بين أداء البورصات ومستويات المعيشة الفعلية للأغلبية. وفي السياق نفسه، تحولت العلامة التجارية المرتبطة بالرئيس إلى مصدر متواصل للربح، عبر تسويق الساعات والأحذية والعطور وحتى نسخ من “الكتاب المقدس”، في تعبير عن اتساع منطق تسليع الرموز السياسية والدينية.

وتشير تقارير صحفية كذلك إلى نشاط واسع في تداول الأسهم عبر حسابات يشرف عليها مستشارون ماليون مرتبطون بترامب، حيث نُفذت نحو 3700 عملية تداول خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، شملت شركات مثل إنفيديا وبالانتير وعددا من شركات الصناعات العسكرية. وترافقت هذه العمليات مع قرارات حكومية أو مواقف سياسية كان لها أثر مباشر في أداء بعض هذه الشركات في الأسواق المالية. كما اتخذت الإدارة خطوات قانونية وإدارية حدّت من إمكان إخضاع الملفات الضريبية المتعلقة بترامب وعائلته لمراجعات مستقبلية، في حين شهدت بعض القضايا المالية السابقة تطورات قضائية خففت من آثارها العملية. وتسلط هذه الوقائع الضوء على العلاقة المركبة بين السلطة التنفيذية والأجهزة القانونية في إدارة التوازنات داخل النظام الرأسمالي.

وتقدم هذه المعطيات صورة مكثفة لمرحلة من تطور الرأسمالية يتزايد فيها اندماج رأس المال المالي مع مؤسسات الدولة، وتتقلص فيها المسافة التي كانت تفصل شكليا بين النفوذ الاقتصادي والسلطة السياسية. ويكتسب خطاب ترامب  الشعبوي دلالة خاصة في هذا السياق، فقد جاء إلى السلطة واعدا بخفض الأسعار وتحسين أوضاع الأمريكيين، بينما شهدت ثروته الشخصية نموا استثنائيا خلال الفترة نفسها التي واصلت فيها غالبية الأسر الأمريكية مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. ويعكس هذا التباين إحدى السمات الأساسية للشعبوية اليمينية المعاصرة، التي توظف خطابا معاديا للنخب التقليدية بالتوازي مع تعزيز مواقع رأس المال الكبير داخل الدولة.

وتقود هذه التطورات إلى نقاش يتجاوز شخصية ترامب نفسها، ليتصل بطبيعة الدولة في الرأسمالية الاحتكارية المعاصرة. فكلما تركزت الثروة والقرار الاقتصادي في أيدي أقلية محدودة، اتسعت إمكانات تحويل السلطة السياسية إلى أداة من أدوات التراكم الرأسمالي. ومن هنا يكتسب النقاش حول الرقابة الديمقراطية على الثروة والقرار الاقتصادي أهمية متزايدة بالنسبة إلى القوى العمالية والتقدمية، التي تجد نفسها أمام تحديات تتعلق ببنية النظام الاقتصادي وآليات اشتغاله أكثر مما تتعلق بسلوك الأفراد وحدهم.

إلى الأعلى
×