الرئيسية / صوت العالم / إيران :مذكرة التفاهم في مهبّ الغطرسة الأمريكية
إيران :مذكرة التفاهم في مهبّ الغطرسة الأمريكية

إيران :مذكرة التفاهم في مهبّ الغطرسة الأمريكية

بقلم : عمار عمروسية

لم تمض سوى أيام قليلة عن كشف مضمون مضمون مذكرة التفاهم الأمريكية/الإيرانية في شهر جوان الماضي حتى بدأت تضيق مساحات التفاؤل والانفراج بمخرجات طاولة مفاوضات باكستان وتأكد مرّة أخرى إصرار الإمبريالية الأمريكية على تنفيذ مخططها الإجرامي القائم ليس فقط على تدمير الدولة الإيرانية وشعبها وإنما أمركة المنطقة والإقليم عموما بما ينسجم مع مقتضيات الهيمنة الأمريكية المطلقة والتقدّم في ترسيخ مشروع إسرائيل الكبرى“.

فمذكرة التفاهم وفق منطق الإدارة الأمريكية لم تكن سوى هدنة تكتيكية أملتها عوامل عديدة فيها ماهو عسكري واقتصادي واجتماعي/سياسي يخص الدّاخل الأمريكي المتعب بالتداعيات الثقيلة لهذه الحرب على المجتمع (غلاء البنزين، هدر أموال دافعي الضرائب الخ…) والمنهك بفعل تعمّق الانقسام السياسي والشعبي حول شرعية تلك العملية التي أضحت منذ أشهر وفق أغلب استطلاعات الرأي حربا عبثية غير مبرّرة من زاوية المصالح العليا لبلادهم.

فالمذكرة التّي رافقها ضخ إعلامي وسياسي يبشر بالسلام والرخاء للمنطقة والعالم لم تكن في حقيقة الأمر بالنسبة للإدارة الأمريكية سوى محاولة من جهة لشراء الوقت لترتيب البيت الداخلي ومن جانب آخر بروباغندا لإدارة البورصات وأسواق النفط.

الهدنة الهشة

بعد مرور يومين فقط من إماطة اللثام عن مضمون المذكرة شرع ثلّة من كبار مسؤولي البيت الأبيض يتقدمهم ترمبفي بث الغموض المتعمد حينا حول بعض مضامين الاتفاق وعلى الأخصّ البند الخامس المتعلق بإدارة مضيق هرمزوطورا آخر حول مسائل أخرى مثل المشروع النووي وهي من القضايا المتروكة للتفاوض المستقبلي ضمن مهلة 60 يوما القادمة!!!

وبالتوازي مع حملات التشكيك في النوايا الإيرانية عمد كواسر البيت ألأبيض إلى استعادة خطاب سياسي مفعم بنوازع الاستعلاء والعجرفة القائمة على تمجيد القوّة الأمريكية التي لا تقهر وشرعت القيادة العسكرية المركزية في افتعال مناوشات عسكرية محدودة ومتفرقة مع قوات الحرس الثوريوالجيش الإيراني تحت ذرائع حماية العبور الآمن للسفن وأردفت توتير الأجواء السابق بجملة خروقات فاضحة لبنود أساسية في الاتفاق على رأسها فسح المجال أمام استمرار العدوان الصهيوني على لبنان وشعبها بما يناقض بالوضوح ما ورد بالبند الأول من الاتفاق المتضمن لوقف الأعمال العدائية على كل الجبهات بما في ذلك لبنانوأردفت هذا الخرق الفاضح بتنشيط مسار المفاوضات اللبنانية/الصهيونية ودفعه بالاعتماد على وسائل الترهيب والترغيب (الحوافز المالية) لسلطة عون/سلاّمالعميلة للتفصّي من الالتزامات الواردة بمذكرة التفاهم وتحقيق نقاط إضافية على حساب إيران، أولّها تجريد الأخيرة من واحدة من ورقات قوتها في الميزان التفاوضي وثانيها ضرب مبدإ وحدة ساحات المقاومة وثالثها بطبيعة الحال التقدّم خطوة جديدة في تثبيت دعائم حلم الشرق الأوسط الجديد.

التصعيد المحسوب

لقد بذلت الولايات المتحدة الأمريكية مثلما أسلف جهودا كبيرة لإضعاف مذكرة التفاهم من أجل الالتفاف على أهمّ بنودها (وقف العدوان على جميع الجبهات، تسريح الأموال المجمدة والأصول الإيرانية الخ…) والتلاعب بآليات التنفيذ وأفلحت خلال شهر تقريبا إلى نقل ذاك الاتفاق إلى مناطق الهشاشة والاشتباك المتواصل الذي سرعان ما نقلته في الأسبوع الأخير إلى طور جديد فيه الكثير من التصعيد السياسي والميداني.

ففي الجانب الأول سارع ترمبيوم 8 جويلية الجاري بمناسبة حضوره أشغال اجتماع الحلف الأطلسي (الناتو) المنعقد بالعاصمة التركية أنقرةإلى رفع سقف التصعيد الكلامي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقادتها وصوّب مباشرة نحو الهدنة قائلا دون مواربة لقد انتهى وقف إطلاق النار… إنه من الماضي…، ثم أضاف متوعدا بعدها بأيام في خطاب موجه للأمة “… انتهى أمر إيرانولن تحصل على أي أموال أمريكية ولا حتى 10سنتات..”.

لم يكتف ترمببهذه الاستدارة نحو إعادة تشغيل آلة الحرب الهمجية لتحقيق أهدافه، بل أرفقها بإسهال تصريحات وتدوينات استجلب فيهما أشدّ أنواع الشتائم ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقادتها، فهم على حدّ تعبيره مجموعة حمقىومجانينوأشرار“… لا يفهمون سوى لغة القوة…”!

أما في الجانب الميداني الحربي فقد خرجت المناوشات العسكرية عن نسقها القديم (محدودة ،متفرقة) وانتقلت إلى وتائر أشدّ قرّبت المشهد الميداني إلى ما كان عليه في الحربين السابقتين (حرب الـ12يوما وبعدها الأربعين).

فالقوات العسكرية الأمريكية استعادت ممارسة هوايتها المفضلة في التقتيل والتدمير معتمدة على تفوّقها الجوي والبحري ضمن فضاءات جغرافية مضبوطة سلفا بحسابات القرار السياسي لإدارة ترمبالتي وجدت نفسها تحت إكراهات عوامل عديدة مالية وقانونية وسياسية/انتخابية مجبرة على ضبط إيقاع هذا التصعيد والحيلولة دون انزلاق الأمور نحو الحرب الشاملة التي ترفع من كلفة لا تحتملها حسابات الحزب الجمهوريفي سنة انتخابات نصفية لمجلس النواب. فحرب هذه الأيام وفق معطيات كثيرة تمضي وفق حسابات دقيقة من الجانبين، يبدو أنهما يسعيان ولو بمنطلقات وأهداف متباينة ضمن سقف اجتناب تدحرج الأمور نحو الحرب الشاملة التي يعلم الجميع أن تداعياتها ستكون وخيمة ليس فقط على المنطقة وشعوبها وإنما على شعوب العالم أجمع على الأقل من النواحي الاقتصادية بالنظر للثروات النفطية والغازية المتواجدة بالمنطقة زيادة عن موقع الأخيرة الاستراتيجي في الممرّات البحرية ومسالك التوزيع العالمي.

قنابلالعم سام وصواريخه هذه الأيام يكاد يكون مجالها الأساسي الشريط الساحلي لجنوب مضيق هرمزبهدف كسر الهيمنة الإيرانية عليه ونزعه من حساب القوّة لإيران التي وقف قادتها على الأهمية الاستراتيجية لذاك المضيق، فهو على حدّ تعبير رئيس مجلس الشورى الإيراني قاليبافهبة الله لإيران وعطايا الله لا تعطى أو هو القنبلة النووية الحقيقية لإيرانكما وصفه الشهيد علي لاريجانيرئيس مجلس الأمن القومي.

تعاود القوات الأمريكية تقريبا كل ليلة منذ 10 أيام ضرباتها على نفس المدن (هرمزغان، بندر عباس، جاسيك، سيريك الخ…) والجزر (قشم، لارك، كيش، خارك…) وهي جميعها على مقربة من المضيق الذي أصبح مثلما أسلف هدفا أساسيا لهذا التصعيد من أجل إضعاف الموقف التفاوضي لإيران في المفاوضات المرتقبة خصوصا وأنّ ترمبالذي أعلن تجاوز الاتفاقية استدرك أمره وأعاد فتح منافذ التفاوض من جديد وهو ما نجده بصفة صريحة في ما قاله نائب الرئيس جي دي فارس، حيث ورد التصعيد العسكري والضربات الحالية، أداة ضغط واقعية وعملية لإجبار إيران على العودة للمفاوضات..” التي أثبتت وقائع الديبلوماسية الأمريكية أنها ليست سوى مناورات مؤقتة وخدع تكتيكية هدفها على الدوام تقريبا تأمين إما مكتسبات منحها لها الميدان وموازين القوى أو استكمالا لما عجزت عن تحقيقه القوّة، هذه الأخيرة واستعمالاتها دون حدود وضوابط هي المبدأ الأساسي في العقيدة الأمريكية لإدارة النزاعات والحروب دون استخلاص الدروس من إخفاقاتها ونكساتها في محطات كثيرة عبر التاريخ الدموي للولايات المتحدة الأمريكية التي أعماها ويعميها فائض القوّة الزائدة ومشاعر التفوّق على تكرار تقريبا نفس الحماقات والخيارات المفلسة.

فعدوان هذه الأيام بهذه الوتائر وحتى بأشدها قسوة وغلظة مثلما يتوعد ترمبلن يضمن له ما عجزت عنه جولات الماضي سواء فيما يعتبره هذا الأخير انتصارا مطلقا ولا حتّى فيما هو جزئي من شأنه أن يساهم في انتشاله من المستنقع الإيراني.

فوقائع مجريات المواجهة الأخيرة يدفع إلى الاعتقاد الجازم بأن الحرب قد دخلت طور الاستنزاف الذي تجيد إيرانإدارة زواياه ومنعرجاته بالرغم من قساوة الخسائر البشرية والمادية الجسيمة على عكس الولايات المتحدة الأمريكية التي كثيرا ما ربحت حروبهما الخاطفة مقابل خساراتها المخزية في الحروب الطويلة.

إلى الأعلى
×