الرئيسية / صوت الوطن / المختلف السياسي في عهد الشعبوية بين السجن والقتل
المختلف السياسي في عهد الشعبوية بين السجن والقتل

المختلف السياسي في عهد الشعبوية بين السجن والقتل

بقلم ولد البطحاء

“وراء الشواطئ… السجون” (sous la plage les barreaux) تحت هذا الشعار خاض المدافعون عن الحرية أيام بن علي حملة لتسليط الضوء على التناقض بين التسويق الرسمي لصورة الحكم من جهة وواقع الحريات آنذاك من جهة أخرى. فخلف مشهد “ازدهار” السياحة في تونس كان يختفي القمع والسجن.. وغنيّ عن الذكر أن الأزمة الأخيرة للمياه والكهرباء واندلاع الحرائق الطبيعية في تونس مثلت فيما مثلت ضربة للنشاط السياحي بالبلاد بحيث لم تعد المقارنة تصح.. بل إن خطاب الكراهية الرسمي الذي أرسى عقلية التطبيع مع خنق الحريات وتنظيم المحاكمات الصورية وترذيل صورة المختلف السياسي قد أطلقت العنان لما هو أخطر فأصبحنا نشاهد على صفحات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تتضمن دعوات رسمية للقتل، دعوات تتمّ بوجوه مكشوفة في ظل صمت رسمي لا يمكن أن يفهم إلا كمباركة لهذا المنحدر الذي بات معه السير على طريق الاختلاف السياسي في تونس خطوة إلى السجن أو إلى القتل.

إمّا الامتثال أو الاعتقال

من منا لا يذكر تصريح سعيد الشهير “من يبرّئهم فهو شريك لهم” تصريح ألقاه كما “ألقى موسى عصاه” فتحوّلت إلى حية اهتزت لها جدران قاعات المحاكم في تونس. وتحوّلت إلى قاعدة فقهية تحكم وجدان قضاة الشعبوية وترهب غيرهم خاصة أمام ما ناله عديد القضاة من عزل ونقل وتعقب قانوني طال حتى قرارات ترسيم بعضهم بجدول المحامين من قبل الهيئة الوطنية للمحامين وما طالها بدورها من “عقاب”.. وجدير بالذكر أن المرفق القضائي قد كان له نصيبه من القاعدة الفقهية الشعبوية حيث طالت الأحكام السجنية والتتبعات القضائية عديد المحامين، وأخرها الحكم بالسجن لمدة سنة ضد عبد الناصر العويني، وكذلك النقابيين من كتبة محاكم من دون توقف. ولا تصمد أمام هذه القاعدة الفقهية لا قرينة البراءة ولا سلامة إجراءات التتبع ولا التلاؤم بين العقوبة وخطورة الفعل المرتكب وظروف ارتكابه ونتائجه.. كلها تصبح تفاصيل لا يُعتدّ بها أمام إرادة التنكيل بكل مختلف مع نظام سعيد. والحقيقة فإن من جرّمهم دون توفير ضمانات قانونية لهم للدفاع عن أنفسهم في ظل محاكمة عادلة فقد برّأهم وساعد في إفلاتهم من المحاسبة الحقيقية، إن لم يكن اليوم فغدا، وذلك بفعل فساد إجراءات التتبع وغيرها من الإخلالات.

ولقد استغلت الثورة المضادة في صيغتها الشعبوية الحالية توق الناس إلى جني ثمار الثورة من شغل وحرية وكرامة وطنية ورغبتهم في التعويض عن خيبات التجربة الثورية في البلاد، فتبنت شعاراتهم على مستوى الخطاب ووجهت أنظارهم نحو “محاسبة مزعومة” و”حرب تحرير” وأوهمتهم بأن هذه الإجراءات هي الطريق نحو تحقيق أهداف الثورة ونحو النماء والازدهار. وتخبرنا تجارب الشعوب عديد الأمثلة عن ذلك فقد حشدت النازية الصاعدة في ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى الشعب الألماني خلف شعارات محفزة لوجدانه فاختارت لحزبها اسم”الحزب القومي الاشتراكي الألماني للعمال” وقادته نحو سياسات هي الأكثر تضاربا مع مصالحه.

“كان ما عمل شي تو يروّح” أو “إذا استبدّ سنتصدى له”

إذا كان الخطاب الرسمي قد قالها على الملإ ودون لبس فإن بعض”أصدقاء الشعب” قد أعوزتهم الجرأة لإعلان مساندتهم المطلقة لخياراته فصاغوا قاعدتهم عن المساندة النقدية تحت عنوان “إذا استبدّ فسنتصدى له”. وهي جملة لا تقل ضررا بوعي الشعب عن مثيلتها التي كانت تتداول بحدة في الصفوف الشعبية وخفتت اليوم “كان ما عمل شي تو يروّح”.. حيث يحاول “أصدقاء الشعب” الإيهام عبرها بوجود مسافة بينهم وبين الحاكم الفردي المطلق بحيث يمكن لهم استهلاكها داخليا للحفاظ على “الجمهور الديمقراطي العام” داخلهم أو للمحاججة بها إذا ما تغيرت الأوضاع بالبلاد وآن أوان القفز من سفينة الشعبوية.. أمّا رسالتها للعموم فهي إنكار الطابع الاستبدادي للشعبوية ومباركة المحاكمات الجائرة التي تقام تحت إشراف وزيرة العدل وإنكار الواقع غير الإنساني داخل السجون وتفاقم المخاطر على المقيمين بها خاصة مع منع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من القيام بزيارات للسجون. وتذكرنا حملات التهييج الفايسبوكي ضد مساجين الرأي والتلذذ بمعاناتهم ومعاناة ذويهم والتعليق على ذلك بجمل باردة، تذكرنا بساحات تنفيذ “الأحكام الشرعية” في أكثر الدول تخلفا على مستوى حقوق الإنسان مثلما تذكرنا بالدعوات العلنية للقتل بمقاطع فيديو القتل المباشر التي تنفذها آلة القمع الصهيونية ضد الأهالي بفلسطين وما يرافقها من هتافات الانتشاء المرضي القروسطية. وها قد عاد سعيد بعد لعبة الاختفاء والظهور شاهرا سيفه ضد الشركة التونسية للكهرباء والغاز وأعوانها بتسليط النيابة العمومية ضدهم في تحقيقات تشير كل الوقائع إلى كون السلطة السياسية هي الجهة الواجب تتبعها في أزمة انقطاع الكهرباء في تونس..

من الاعتقال إلى الاقتتال

تصف التحليلات الأكثر تفاؤلا وربما الأكثر استبلاها للناس سلوك أجهزة الدولة تجاه ملفات صادمة بـ”البرود الرسمي لأجهزة الدولة” أو بدور خفي لـ”الدولة العميقة” وقد تذهب إلى أبعد من ذلك وتعتبره عنصرا في ترتيب محكم يهدف إلى رحيل سعيد وإعداد الرأي العام لمنقذ جديد للبلاد. وتذهب غيرها إلى اعتبار الحملة التي اهتز لها ضمير أغلب الفاعلين المدنيين والسياسيين في تونس وخارجها على خلفية الدعوة العلنية إلى القتل التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، هي حملة من قبيل المبالغة.. ويكتفي البعض الآخر بالمتابعة ولسان حاله يقول: “مصائب الآخرين أخبار، ما دامت لم تطرق أبوابنا”. وبصرف النظر عن الجوانب الحقوقية والقانونية المتعلقة بجريمة في خطورة جريمة القتل والتي لا تزال البلاد تعاني مخلفاتها سواء من حيث فقدان اثنين من أبنائها الأبرار، ونقصد الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، ها هي الشعبوية اليوم، والتي بنت “مشروعية حكمها الاستبدادي” على مكافحة من أجرموا في حق البلاد وبنت جزء كبيرا من دعايتها على مقاومة الإرهاب والتطرف، ها هي الشعبوية اليوم تطلق العنان لمناخات الاغتيالات السياسية وتعيد إلى الذاكرة مشاهد السحل في الساحات وترعى دعاوى العودة إلى الخلافة وتطبيق الحدود بما يؤكد مرة أخرى نفاق وتهافت مختلف محاور دعايتها. فما يهمّ الشعبوية والحاكم الفردي المطلق بدرجة أولى ليس مرجعيتك الفكرية أو السياسية ولا ما تخطه في برنامجك السياسي أو ما تقوله عن نفسك في مجال الدعاية.. إن الحد الفاصل بين أفكارك وقناعاتك والسجن أو الموت بالنسبة للشعبوية هو أولا وقبل كل شيء قضية تواصل حكمها. فبإمكانك أن تسمي نفسك يمينيا أو يساريا وبإمكانك أن تكون جزء من برلمان الانقلاب كما بإمكانك أن ترى في نفسك بوق دعايتها الذي لا ينسى فضله لكن يبقى الخط الفاصل بينك وبين السجن أو الموت هو نقد منظومة الشعبوية فما بالك الدعوة إلى إسقاطها.

إن احتضان الشعبوية لخطاب الكراهية منذ توليها الحكم قد أعاد إلى سطح الأحداث اخطر أسلحة الثورة المضادة في وجه الشعب، سلاح يبدو “.. كقوى استحضرتها بتعاويذها ولم تعد قادرة على التحكم فيها..” سلاح كشف من الناحية الأخرى جاهزية اعتبارية صلب الأوساط الديمقراطية والحقوقية بالبلاد لمقاومة الاستبداد والدعوة لمحاسبة مطلقي دعاوى القتل، وجب المراكمة عليها وعلى خبرة هزائم المسار الثوري في أفق مواجهة أنجع وأقوى لمناخات الشعبوية على جميع المستويات واتخاذ مبادرات جريئة للتخلص منها وفتح أفق جديد للمسار الثوري والديمقراطي العام بالبلاد تكون مصالح الشعب الحيوية عنوانه. إن عزلة الشعبوية تتفاقم وتهافت برامجها يفتضح أمره والحصيلة الكارثية لحكمها يكتوي بنارها الجميع فلا حجة للانتظارية وليتحمل الجميع مسؤوليته في الدفاع عن الشعب والطبقة العاملة وفي مقدمتهم الاتحاد إذا ما أراد استعادة دوره وثقة الشغيلة، الأكثر تضررا من حكم الشعبوية، وثابر على التمسك بثوابت الحركة النقابية.

إلى الأعلى
×