يمكن القول إنّ تونس لم تمرّ في تاريخها القريب بوضع مثل الوضع الذي تمرّ به هذه الأيام. وليس المقصود سمات هذا الوضع وحجم تدهوره فحسب، بل أيضا وأساسا حجم الاتفاق الحاصل اجتماعيّا وسياسيّا بكون الوضع بلغ درجة عالية جدّا من التأزّم ليس أقلّ تعبيراته عجز الدولة عن تأمين الشروط الدنيا للحياة والاستمرار وهي الماء الصالح للشرب وكهرباء الإنارة في ذروة موسم الحرارة، وقد تسبب ذلك في وفاة عديد المواطنات والمواطنين من المسنين والمرضى قدّرت منظمة الأطباء الشبان عددهم بحوالي 200 في الأسبوع الماضي. كما أنّه ألحق أضرارا كبيرة ليس فقط بعديد العائلات بل كذلك بالفئات المحتاجة للكهرباء للحفاظ على سلعها أو لممارسة نشاطها المهني. إن فقدان الماء والكهرباء هذه الأيام كان مسبوقا بفقدان عديد الأدوية خاصة منها المستعملة لعلاج الأمراض المزمنة، وبغلاء ضروريات الحياة الفاحش ممّا عمق تدهور المقدرة الشرائية لدى فئات واسعة من الأجراء والموظفين فما بالك بالكادحين والفقراء ومنهم المعطلون عن العمل وعددهم بالملايين. كما أنّه يتزامن مع التدهور المتواصل للخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم ونقل وسكن واتساع رقعة البطالة والفقر والفاقة والحرقة والحرقة المقنعة (هجرة الأدمغة والإطارات) وتراجع البيئة. يضاف إلى حالة القهر الاجتماعي الحرمان من الحريات العامة التي افتكها الشعب سلاحا لتنظيم ذاته والدفاع عن مطالبه، وها هي تطورات الأوضاع تقنع وسطا اجتماعيا واسعا بأهمية الحرية كإطار ضروري للدفاع عن “الجلد” وقت الحاجة، وها هي جماهير المقهورين تخرج إلى الشارع وتنازل قوات القمع من أجل استعادة مربعات الحركة والتنظم والاحتجاج. وتمثل حركة المعطلين عن العمل نموذج قيادة هذا العمل مثلما مثلته زمن دكتاتورية بن علي وخاصة منذ انتفاضة الحوض المنجمي وما تلاها وصولا إلى ثورة 2010-2011 إذ لعب المعطّلون خاصة من أصحاب الشهادات دورا تعبويا كبيرا ومثلوا فصيلا متقدما في حركة النضال، وها هم اليوم يعودون بقوة عدالة المطالب ومشروعيتها ليخترق صوتهم جدران التخويف والتخوين التي أرادت الشعبوية فرضها سياجا للحياة العامة في بلادنا. لقد فرض تصميم المعطلين على برلمان الدمى تمرير القانون عدد 18 لتشغيل من طالت بطالتهم، وها هو العام الإداري والمالي يدخل نصفه الثاني والسلطة لم تخطُ خطوة واحدة للشروع في تنفيذ ما صادقت عليه هيئاتها التقريرية. وبعد تحركات متنامية في الجهات والعاصمة دخل المعطلون منذ أيام في اعتصام في شارع الثورة الذي ارتبط بنضالهم واحتجاجهم منذ 2005 مرورا بكل لحظات المراكمة الثورية قبل 14 جانفي وبعده، لكن بوليس سعيد استعرض عليهم قوته في ذروة الليلة الفاصلة بين 23 و24 جويلية وأطردهم من أمام المسرح البلدي بكل الرمزيات التي يحملها فانتقلوا للاعتصام أمام وزارة التشغيل ملوحين ألّا عودة للديار دون الشروع في تنفيذ القانون المعمد بصمودهم وإصرارهم.
إن توسع حركة نضال المعطلين رغم قسوة المعطيات المناخية هو مؤشر مهم لقياس حقيقة الوضع الاجتماعي في بلادنا، علما وأن حركة الاحتجاج شملت في الأيام الماضية مجمل الجهات في علاقة بقطع الماء والكهرباء وأخذت شكل قطع الطرقات وإشعال العجلات المطاطية والتجمع أمام إدارتي “الستاغ” و”الصوناد”، وقد اندلعت على خلفية ذلك احتجاجات واسعة ومواجهات مع قوات البوليس في أكبر الأحياء الشعبية بالعاصمة (حي التضامن وحي الانطلاقة)، وهو مؤشر مهمّ على درجة حالة الاحتقان والغضب التي تتزايد تجلياتها يوما بهد يوم على طول البلاد وعرضها، في مدنها وأريافها وفي مختلف طبقاتها وفئاتها الاجتماعية، وأطيافها الفكرية والسياسية التي أصبحت غالبيتها توجّه سهامها نحو قيس سعيّد مباشرة متهمة إياه بالاستبداد والعجز والفشل والعبث وحتى الجنون داعية إيّاه إلى الاستقالة أو مطالبة بترحيله. ومن الواضح أن الاستياء الشعبي المتنامي لا يتناسب اليوم مع أداء مكونات الحركة التقدمية أحزابا ومنظمات وشخصيات بل إنّ “السبق” يبقى لصالح المنظومة القائمة وقوى اليمين بتياراته المختلفة.
إن مسألة السلطة مطروحة اليوم جديا، وهو ما يجعل الحاكم المترهل مستعدّا للحفاظ عليها بكل الطرق وفي مقدمتها القمع الهمجي. وهي مطروحة أيضا من جانب قوى اليمين الظلامي والليبرالي بكل الوسائل حتى لو كان الثمن التفاهم مع بعض مكونات المنظومة وأجهزتها. وقد توجّه العديد من ممثلي هذه الاتجاهات إلى المؤسسة العسكرية كي “تتحرك وتتدخل وتحسم الأمر”. إن طرفي المعادلة، أي سعيد والمعارضة اليمينية بشقيها، لا يحملان هموم الشعب ولا تطلعاته، ولا أدلّ على ذلك من بدائل تلك المعارضة الاقتصادية والاجتماعية التي تحمل نفس الخيارات الحالية وكانت طبّقتها إبان حكمها قبل 25 جويلية وقبل 14 جانفي، وهي التي كانت مسؤولة عن مآسي الشعب والوطن. إن الشعب المقهور يجب أن يكون في قلب الصراع الاجتماعي والسياسي، يجب أن يعبّر عن نفسه من خلال البدائل التي يطمح إليها والتي يجب أن تغيّر حياته بصورة جذريّة، البدائل التي تؤمّن له الحرية والديمقراطية والمساواة كما تؤمّن له الشغل والخدمات الأساسية ومنها الماء والكهرباء والدواء، وللوطن السيادة والكرامة. دونا عن ذلك سيبقى شعبنا لحم مدافع وحطب معارك توظفه الحركات الرجعية بتلويناتها المختلفة وتنقلب عليه. إن موقع القوى الثورية والتقدمية هو في الارتباط العضوي بالشعب في مطالبه وتحركاته وتطلعاته، في معركة الوعي والتنظيم لتحصين نضالاته وتضحياته من توظيف اليمين بشقيه والذي لن يفعل في النهاية سوى تغيير حاكم بحاكم مع الحفاظ على مصالح الطبقات المتنفذة من خلال الخيارات التي فقرت الشعب وأبّدت تبعية الوطن.
فإلى العمل دون تراخ. إن الجماهير تنهض شيئا فشيئا. فلنكن في الموعد. ولنقطع مع انتكاسات الماضي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
