بقلم حبيب الزموري
دأب الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية على التصريح للمقربين منه وفي جلساته الخاصة أنه يعتبر نفسه “زعيما كبيرا لبلد صغير” في تلميح إلى أن تونس وشعبها تضيق برؤيته، ولئن لم يتجرّأ الحبيب بورقيبة إلا في مناسبات نادرة على محاولة تصدير هذه الرؤية، من بينها مناسبة خطاب أريحا يوم 3 مارس 1965، فإن التاريخ السياسي التونسي سجّل منذ سنة 2019 صعود شخصية قيس سعيد كسابع رئيس للجمهورية التونسية متجاوزا في خطاباته وتصريحاته كل من سبقه في “تضخم الأنا الحاكمة” والتعطش للسلطة المطلقة معتبرا نفسه صاحب رسالة إلاهية ومسؤول على تبليغها وتجسيدها في التاريخ ليس تاريخ البلاد التونسية فحسب بل تاريخ الإنسانية.
فعلى المستوى السياسي عمل قيس سعيد منذ اللحظة الأولى لصعوده إلى سدة الرئاسة سنة 2019 على التعالي على النظام السياسي الذي يشكل، شاء أم أبى، أحد أضلاعه الرئيسية مستثمرا في أزمته مساهما في ترذيله إلى أبعد الحدود منتظرا اللحظة المناسبة للإجهاز عليه دون أي اعتبار للضريبة الباهظة التي يدفعها الشعب التونسي يوميا جراء هذه الأزمة التي بلغت الأوج خلال أزمة الكوفيد والتي حولها قيس سعيد بدورها إلى وسيلة من وسائل تعميق أزمة النظام القائم موحيا دوما بأنه ليس جزءا منه وأنه براء من نكساته، فحتى خلال حملته الانتخابية تهرب قيس سعيد من تقديم أي برنامج وحرص على بناء حملته الانتخابية كاملة على الأزمة وإخفاقات غيره مقتصرا على الوعود الفضفاضة والشعارات الرنانة التي تبشر الشعب بالجنة الثورية الموعودة وبالرخاء الذي ينتظره في المنعطف الأول من الطريق الذي سيتم عبوره تحت “قيادته الرشيدة”. وبعد أن ساهم قيس سعيد من موقع متقدم، مستغلا موقعه في منظومة الحكم، في تغذية مشاعر النقمة والغضب والإحباط بل إنه تحول إلى محرض ضد السلطة التي يكون شاء أم أبى مرة أخرى أحد أركانها الأساسية اختار هو وأجهزة الدولة المساندة له اللحظة المناسبة لحسم الصراع بين أقطاب المنظومة الحاكمة لفائدة قطب واحد يعبر عنه قيس سعيد وكانت تلك اللحظة هي لحظة 25 جويلية 2021، لينكشف تعطشه للسلطة المطلقة ورؤيته للحطم غير القابلة للقسمة أو المشاركة أو الرقابة من أي كان وينطلق في عملية اختزال الدولة في شخصه “أنا الدولة والدولة أنا” وتفكيك كافة مراكز السلط والرقابة التي من شأنها تحقيق التوازن بين السلط وفرض حد أدنى من الرقابة على السلطة التنفيذية بوصفها السلطة التي تملك وسائل الاستبداد والقمع قبل حتى أن تستكمل تلك المراكز والهيئات مهامها وتجربتها المتواضعة.
في الحقيقة فإن قيس سعيد لم ينتظر اللحظة المناسبة للانقلاب على الدستور ومنظومة الحكم التي تم انتخابه بموجبها ليعبر صراحة عن عدائه للهيئات والمؤسسات الدستورية الرقابية والتعديلية باعتبارها حسب رؤيته للحكم معرقلة للسلطة التنفيذية وجزءا لا يتجزأ من منظومة الفساد التي لم يتوقف لحظة واحدة عن قرع طبول الحرب لمواجهتها منذ توليه السلطة دون إنجازات تذكر ودون مؤشرات موضوعية عن تراجع حجم الفساد بمختلف أصنافه، وهو ما من شأنه إعادة طرح إشكالية علاقة الفساد بأجهزة الدولة بكل قوة وإلحاح: هل أن منظومة الفساد أقوى من منظومة وأجهزة الحكم؟ أم أن منظومة الفساد جزء لا يتجزأ من منظومة الحكم وأجهزتها؟
وكانت الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين أولى ضحايا فاشية قيس سعيد الزاحفة بإصداره أمرا بإلغائها في سبتمبر 2021 بعد شهرين فقط من تنفيذ انقلابه، كما قام في 20 أوت 2021 بإنهاء مهام الكاتب العام للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وحل المجلس الأعلى للقضاء وتعويضه بمجلس وقتي معين. قبل أن يقوم بنسف بقية الهيئات برمتها في دستوره الفردي الذي أصدره في جويلية 2022 بإلغاء باب الهيئات الدستورية برمته وأبرزها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا)، وهيئات حقوق الإنسان والحوكمة الرشيدة، ليتم إخضاعها مجدداً للسلطة التنفيذية.
لم يتوقف قيس سعيد منذ 25 جويلية 2021 عن تحصين مركزه في السلطة بترسانة من القوانين والإجراءات الاستبدادية وإحاطة نفسه بسياج دغمائي مقدس يسعى إلى التعالي بشخصية الرئيس عن الواقع وعن الدولة نفسها التي يتحكم بكل مفاصلها فهو في نفس الوقت الدولة وفوق الدولة يحتكر الحديث باسم الدولة والشعب وفتح الطريق أمامهما لخوض حروب التحرير الوطني بل وفتح طريق جديد أمام الإنسانية ولكنه لا يتحمل الإخفاقات والفشل وعثرات الطريق إن وجدت هذه الطريق أصلا بل يتحمل مسؤوليتها الأعوان والوزراء والمديرون… الذين لم يكونوا في مستوى الرسالة التي يحملها القائد الملهم فتلقى على كاهلهم وحدهم جميع مظاهر الإخفاق والعجز والفشل في حين يجني رئيسهم ثمار الإنجازات إن وجدت أصلا، فخطاب الوعيد والتهديد واختلاق الأعداء والتهديدات الخارجية والداخلية الذي يتبناه قيس سعيد منذ صعوده إلى الحكم سنة 2019 لم يسلم من سياطه حتى مؤيدوه وأعوانه في مختلف أجهزة الدولة مما فاقم أزمتها وجعل شبح الخوف والتردد يخيّم على مختلف المؤسسات وهو ما كان له انعكاس مباشر على جميع الخدمات والقطاعات الحيوية التي ترتبط بها الحياة اليومية للتونسيات والتونسيين كالصحة والتعليم والنقل والكهرباء والغاز والمياه الصالحة للشرب والمواد الغذائية الأساسية، لقد تحولت حياة أغلبية الشعب التونسي إلى جحيم يومي.
ورغم هذا الانفراد المطلق بالسلطة واحتكار استعمال أجهزة الدولة من قبل قيس سعيد فإنه متمترس خلف سياجه السياسي الدغمائي المغلق الذي يرفض الاعتراف بأي تعبيرة سياسية أو نقابية أو مدنية خارج التعبير الإنشائي الفضفاض الذي يعتمده وهو ما يجعلنا نجزم بالطابع الفاشي لنموذج الحكم الذي يتبناه فالفاشية في جوهرها تنفي أي وجود للفرد أو للطبقة أو للمجموعات السياسية والمدنية خارج إطار الدولة مثلما تنفي أي وجود للدولة منفصل عن شخصية القائد (قائد واحد، شعب واحد، دولة واحدة).
هذا الجبروت والاستبداد الذي لامس حدود “الفرعنة” والذي يحاول قيس سعيد أن يحصّن به حكمه، يخفي في الحقيقة هشاشة وخوفا مستمرا من “الآخر السياسي” وهو ما يفسر خطابه المتشنج القائم على التهديد والوعيد وتجريم الآخرين حتى المنتمين لأجهزة ومؤسسات الدولة التي يحتكر تسييرها، فسعيد في خطابه وممارسته السياسية المتشنجة القائمة على احتكار الحقيقة والتجاهل التام للواقع لا يقوم بالتفاعل مع الواقع وتحليله وتقديم أجوبة وحلول لما يطرحه من إشكاليات بقدر ما يطلب من الواقع أن يستجيب لرؤيته ومقارباته المطلقة التي لا تحتمل النقد أو التعديل والتجريح وهو كلما أوغل في هذا الخطاب والممارسة السريالية الشعبوية للسياسة كلما تفاقمت عزلته وخوفه من ردة الفعل ومن هنا ينبثق عداؤه لكل الأطر التي يمكن أن تنظم ردات الفعل الشعبية ضد سياسات الدولة التي نكلت بأغلبية التونسيات والتونسيين من أحزاب ونقابات ومنظمات… والسعي إلى تفكيكها شيئا فشيئا بتجفيف قواعدها الاجتماعية وخنقها ماليا وإعلاميا والمراهنة على مؤسسات البناء القاعدي المزعوم لتحل محلها.
إن نظام الحكم الشعبوي رغم محاكاته للأنظمة القوية المتماسكة فإنه في الحقيقة أوهى من بيت العنكبوت بالنظر إلى عجزه المتفاقم حتى عن التسيير اليومي للشأن العام وسقوطه مسألة وقت فحسب قد يطول أو يقصر تبعا للظروف الموضوعية والذاتية السائدة في بلادنا. لكن أخطر ما في الوضع الذي تعيشه تونس اليوم ليس النظام الشعبوي في حد ذاته، بل ما سيخلفه من كوارث اقتصادية واجتماعية وبيئية وثقافية وقيمية… ومدى استعداد القوى الوطنية، المثخنة بجراح الانتقال الديمقراطي الفاسد والشعبوية التي تلته، على إخراج البلاد من الوضع الذي تردت فيه ببرنامج مرحلي وطني وديمقراطي وشعبي عبر تنسيق جهودها ونضالاتها وتطويرها بالممارسة الميدانية للوصول إلى أرضية مشتركة وبرنامج مرحلي ينقذ البلاد من مواصلة السقوط في اتجاه الفوضى، وقد سبق أن طرحنا في حزب العمال منذ سنوات برنامج الديمقراطية الشعبية كبرنامج مرحلي لتصحيح مسار ثورة الشعب التونسي المجيدة مستمدّ من الشعارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي رفعتها الجماهير الثائرة ويقترح الإجراءات المستعجلة والسياسات التي بإمكانها وضع البلاد على طريق الديمقراطية الفعلية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية الفعلية بعيدا عن الشعارات الفضفاضة والخطب الرنانة التي ترددها جحافل الشعبوية والتي شوهت هذه المبادئ النبيلة والقيم السامية التي استشهد في سبيلها مئات التونسيات والتونسيين.
صوت الشعب صوت الحقيقة
