بقلم جيهان اللواتي
إن العلاقة التوترية بين الصحافة الحرة ومراكز الاستبداد لم تكن يوماً علاقة تفاوض أو تعايش سلمي بل هي صدام وجودي محتوم بين سلطة تسعى لتدجين الوعي وتنميط الخطاب وسلطة رابعة تقاوم الوهن عبر تفكيك الأنساق الأحادية وفي خضم التحولات السياسية والاجتماعية الراهنة حيث تتغذى الأنظمة الاستبدادية وتفرخاتها الشعبوية على استثمار الاستقطاب وتجهيل المجتمع لا تقتصر وظيفة الصحافة الحرة على مجرد نقل الخبر أو سرد الأحداث بل ترقى لتكون بنية تحتية دستورية وأخلاقية تعزل المجتمع عن آليات التجهيل الممنهج.
إن المقولة الشعبية التي تؤكد أن الصحافة الحرة والاستبداد وجهان لا يتقابلان إلا في لحظة الثورة تعكس حقيقة مأساوية تنكشف في عجز الأنظمة الاستبدادية عن احتمال حرية الكلمة إذ يدرك الطغاة بالفطرة أن الكلمة الحرة هي المعول الأول الذي يهدد شرعية الاحتكار المعرفي.
الاستبداد واحتكار المعرفة: نزع الشرعية عن نسق التجهيل
الاستبداد السياسي لا يكتفي بالسيطرة على مؤسسات الحكم بل يتجاوزها إلى احتكار ممأسس للحقيقة يعتمد النسق الاستبدادي في بقائه على هندسة الإدراك العام عبر أدوات الدعاية الموجهة والهندسة الرمزية حيث تتحول المؤسسات الإعلامية التقليدية إلى أبواق طاعة تلغي المسافة الفاصلة بين الحاكم والدولة وبين القانون ورغبة الحاكم.
تعمل الصحافة الحرة كآلية أساسية لإلغاء التمركز الاتصالي فهي تكسر احتكار السلطة لإنتاج المعنى وتوفر فضاءً تداولياً عمومياً يستعيد فيه المواطن صفته كفاعل سياسي وازن لا كمتلقٍ مستهلك للأوامر والتعليمات الفوقية وحين تسقط الصحافة الحرة يتحول الفضاء الإعلامي إلى صدى أصم يعيد إنتاج رؤية الحاكم المطلقة باعتبارها الحقيقة الأبدية الوحيدة الممكنة.
لا يُنظر إلى حرية الصحافة في الأدبيات السياسية المعاصرة كامتياز مهني أو رفاهية سياسية بل كشرط مسبق ومطلق لممارسة الحقوق المدنية والسياسية الأخرى إن غياب الصحافة الاستقصائية يعني حجب المعلومات وغياب المعلومات يعني استحالة المساءلة والمحاسبة المعطلة هي الغطاء الآمن لكل فساد واستبداد من هنا تصبح حرية الصحافة المظلة التي تحمي حق المواطن في المساءلة والوصول إلى مصادر القرار والمعلومة بدقة وشفافية.
الشعبوية والاستبداد: زواج مصلحي على أنقاض العقل النقدي
تتخذ الشعبوية من الأزمات الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية منطلقاً لتأسيس سرديات استبدادية جديدة تغلفها برداء الأغلبية الوهمية تعتمد الشعبوية جوهرياً على الاختزالية المفرطة وتقديم حلول مبسطة لمشاكل شديدة التعقيد عبر شعارات عاطفية ملتهبة مستهدفةً تدمير المؤسسات الوسيطة المستقلة كالأحزاب والنقابات والصحافة المهنية لربط “الزعيم” بالجماهير مباشرة دون رقابة أو وسائط موضوعية.
يكره الخطاب الشعبوي الحقائق المركبة والتحليلات الرصينة لأنه يقتات على استقطاب ثنائي حاد يقوم على فكرة “الشعب الطاهر والمظلوم” في مواجهة “النخبة الفاسدة والخائنة” وفي هذا السياق تأتي الصحافة الحرة لتمارس دورها التشريحي والتفسيري حيث تفكك هذه الثنائيات الوهمية وتكشف البنيات الاقتصادية والسياسية الحقيقية الكامنة خلف الشعارات الشعبوية الرنانة عارية من أي تزييف عاطفي.
تعتمد الشعبوية على ترويج الأخبار الزائفة والخطابات العاطفية المجيّشة للغرائز مستغلة هشاشة الوعي في أوقات الأزمات وفي المقابل تقدم الصحافة الحرة اليقين المنهجي القائم على التحقق الصارم والتدقيق المستمر ومقارعة الحجة بالحجة إن هذه المنهجية تحصن الفرد ضد التعبئة العاطفية العمياء وتمنع تحول المجتمعات إلى كتل استهلاكية سهلة القياد من طرف الدغمائية الشعبوية.
لكي لا تظل المواجهة نظريّة يتعين إدراك أن الصحافة الحرة تمثل جدار عزل ديمقراطي يمنع تغلغل الفكر الاستبدادي والشعبوي إلى عمق البنية المجتمعية هذا الجدار يرتكز على آليات عملیة واضحة.
تفعيل الصحافة الاستقصائية كرقيب عضوي باعتبارها خط الدفاع المتقدم ضد شبكات الفساد المالي والسياسي حيث يُسقط الاستقصاء محاولات الشعبويين تقديم أنفسهم كأنبياء طاهرين غير خاضعيين للمساءلة والمحاسبة.
مأسسة التحقق من الحقائق لمواجهة وباء التضليل الإعلامي الممنهج مما يعيد ترميم الثقة العامة في المؤسسات الموثوقة ويمنع تحول الفضاء الرقمي والافتراضي إلى غابة من الإشاعات الموجهة لهدم السلم الأهلي والوعي الجماعي.
ترسيخ وظيفة الحراسة الإعلامية المهنية في عصر تهاوت فيه حدود المصداقية لصالح صفحات وسائل التواصل الاجتماعي تعود الصحافة الحرة لتؤكد أهمية الفرز الواعي بين المعلومة الرصينة والدعاية الرخيصة.
آليات التمكين المهني والمؤسسي في مواجهة الضغوط
إن حماية الصحافة الحرة لجدار العزل الديمقراطي لا تتم بالنوايا الحسنة بل تتطلب توفير بيئة مؤسسية وقانونية تضمن استقلاليتها عن تأثير المال السياسي وضغوط السلطة التنفيذية.
الاستقلال المالي والتحريري:
إن الخطر الأكبر الذي يواجه الصحافة المستقلة ليس فقط القمع المباشر بل التجفيف المالي والهيمنة الاحتكارية لرأس المال الموجه إن بناء صحافة حرة حقيقية يستوجب نماذج تمويل بديلة ومستدامة تضمن تحرر غرف الأخبار من إكراهات المعلن السياسي والشركات الكبرى وتضع الميثاق الأخلاقي المهني فوق كل اعتبار تجاري أو أيديولوجي.
الحصانة القانونية والحقوقية للصحفيين:
لا يمكن الحديث عن صحافة حرة في ظل ترسانة تشريعية تعاقب الرأي والتغطية الميدانية بمقصلة القوانين الزجرية إن حماية الصحفي حقوقياً وقانونياً هي حماية مباشرة للمواطن في حقه بالمعرفة فالصحفي الملاحق أمنياً وقضائياً يعجز بطبيعة الحال عن أداء دوره الرقابي مما يفسح المجال واسعاً أمام تمدد الاستبداد بلا رقيب.
المقاومة المستمرة طريق للثورة الحقيقية
إن الأنظمة الاستبدادية حين توصد كافة منافذ الإصلاح التدريجي وتغلق كل نوافذ الحوار والتداول السلمي للسلطة فإنها لا تترك للمجتمع سوى الانفجار الثوري كأداة وحيدة لتصحيح المسار التاريخي وكسر القيود غير أن التاريخ المعاصر يعلمنا أن الثورة على عظمتها ونبل غايتها تظل ومضة استثنائية وعابرة إن لم تُحصّن بصحافة حرة مستدامة ومؤسسات رقابية صلبة فسرعان ما تتبدد أحلام التغيير لصالح شعبويات جديدة تعيد إنتاج الاستبداد بصيغ أكثر دهاءً وخطورة مستغلة تعطش الناس للاستقرار ووهن البنى المؤسسية الوليدة من هنا يتحول العمل الصحفي اليومي الهادئ والمنهجي إلى شكل من أشكال المقاومة المستمرة التي تسبق الثورة وتحمي مخرجاتها من السرقة والاحتواء.
الحراسة الدائمة للوعي العام
إن الصحافة الحرة ليست ترفاً فكرياً ولا هي مهنة عابرة تُمارس لهامشية الترفه الثقافي بل هي الضمانة الوظيفية والوجودية الوحيدة لبقاء العقل العام يقظاً والدرع الحصين الذي يمنع الشعب من السقوط المتكرر في فخ الاستبداد المبرر بالشعارات الشعبوية الزائفة.
وحين تتخلّى الصحافة عن دورها الجذري وتتحول إلى مجرد صدى للسلطة أو صدى للشعبوية الجارفة فإنها لا تفقد سبب وجودها فحسب بل تشارك بطريقة غير مباشرة في نحت قبرها وقبر المجتمع معاً.
إن معركة الصحافة الحرة اليوم هي معركة بقاء الوعي الإنساني ذاته في مواجهة آليات التجهيل الممنهج وهي الضمانة الأبدية بأن تظل الحقيقة مهما عات عليها عواصف الطغيان العصا التي تكسر ظلال الاستبداد.
حتمية التاريخ: سقوط الطغاة وخلود الكلمة الحرة
في مآل الصراع التاريخي بين قوى التحرر وأنساق القمع يتبلور قانون موضوعي لا يخضع لأهواء الأنظمة ولا لخطابات التعبئة المؤقتة إن الإعلام الحر الملتزم بنبض الجماهير وحقوقها الأساسية هو وحده الذي يحفره الذاكرة التاريخية كباني للوعي وضمير للإنسانية وفي المقابل مهما امتد ليل الشعبوية وتجذرت أدوات تزييفها فإن عمرها التاريخي قصير بحكم طبيعتها الطفيلية والعابرة فهي مجرد فقاعة تقتات على الأزمات الهيكلية ولا يخلدها التاريخ إلا في دفاتره المظلمة بوصفها حقبة تراجع جماعي واستغلال بائس لمعاناة الكادحين والمهمشين.
إن مصير الطغاة الشعبويين الذين استبدلوا خبز الشعوب بشعارات العظمة الزائفة واحتكروا السيادة الوطنية لحساب مصالحهم معروف ومحسوم في سُنة التاريخ فتجربة التاريخ الحديث والمعاصر تعج بنماذج لشعبويين استغلوا تناقضات النظام الرأسمالي والأزمات المجتمعية ليصعدوا على أكتاف الطبقات الشعبية مثل موسوليني في إيطاليا الذي وظف الخطاب القومي المتطرف والديماغوجيا الشعبوية لتفكيك التنظيمات العمالية وحرية الصحافة أو هتلر الذي استثمر السخط الاجتماعي والشعبوي لتقويض المؤسسات الديمقراطية وإحراق العقل النقدي وصولاً إلى مختلف الأنظمة الاستبدادية ذات الطابع الشعبوي في أمريكا اللاتينية وأفريقيا ممن وظفوا شعارات السيادة الزائفة لتجريف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعوب هؤلاء جميعا بغض النظر عن شعاراتهم البراقة انتهوا إلى مزابل التاريخ مذمومين بينما بقيت أسماء الصحفيين والمناضلين الأحرار الذين قايضوا حريتهم الشخصية بحقيقة التحرر منارة تضيء دروب النضال نحو العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
