بقلم فتحي المرابطي
أؤيد كلام الأكاديمي والممثل التونسي المعروف مهذب الرميلي إذ اعتبر أنّ المعاهد النموذجية لا تصنع النوابغ وإنما هي حسب رأيي ينتدب تلامذتها من المؤسسات التربوية العمومية بعد عملية غربلة وفرز وانتقاء وتصفية ثم تخضعهم فيما بعد لبرنامج تدريس مكثف من شأنه أن يرفع نسبة التحصيل لديهم ولكن يبقى من غير المتأكد أن هذا النظام يؤدي بالضرورة إلى خلق نابغة من كل تلميذ من تلامذتها. كلام الأستاذ الرميلي لم يأت بالجديد ولكنه ربما يفتح العيون النائمة على مسالة هي غافلة عنها.
أعطت عديد البلدان من العالم الثالث إثر “الاستقلالات الوطنية” في خمسينات وستينات القرن الأولوية في برامج التنمية التي اتبعتها في بداية عهدها إلى التربية والتعليم لأنها كانت تعتبر هو المدخل لتمويل أجهزتها السياسية والإدارية والتنظيمية في كل قطاعات الاقتصاد ومختلف مؤسسات تأطير المجتمع والحياة العامة بالعمال المؤهلين والكوادر اللازمة. لذلك رأت أنه عليها تعميم التعليم على أوسع نطاق وتخصيص التمويلات اللازمة لذلك كان قطاع التربية في هذه البلدان ولفترة طويلة يستأثر بنسبة كبيرة من ميزانية الدولة واهتماماتها. ولم يتأخر هذا المجهود في إعطاء ثماره حيث وجدت هذه البلدان فعلا، ومنها بلادنا تونس، في الدفعات الأولى المتخرجة ما يسمح لها بالتعويض عن “الخسائر البشرية” التي خلفها انسحاب إدارة المستعمر وموظفيها وإطاراتها التقنية وكوادرها المختصة (مربّون وأطباء ومهندسون وكوادر تسيير إداري الخ…).
غير أنه لا يجب أن ننسى أن المستعمر الذي انسحب ظاهريا من هذه البلدان ولكنه أبقى في الحقيقة عديد الروابط والآليات للحفاظ على مصالحه وامتيازاته قد لعب دورا في سياسات تعميم التربية والتعليم في مستعمراته القديمة منقادا بأهداف أيديولوجية وثقافية استراتيجية (صنع كوادر متشبعة بقيمه وثقافته) واقتصادية مباشرة (تحقيق مناقع وفوائد من القروض التي منحها لتمويل برامج التعليم).
لكن هذه السياسات سرعان ما وقعت في مأزق إذ بدأت بوادر الأزمة تظهر ابتداء من موفى السبعينات وأواسط الثمانينات (مثلما حصل في تونس) ووجدت الدولة نفسها مجبرة على استحضار مقاربات جديدة لمعالجة تداعيات هذه الأزمة الكثيرة والمتنوعة. منها فائض عدد المتخرجين وعجز سوق الشغل المحلية عن استيعابه وتفاقم حجم الديون وارتفاع الحاجيات لتعهّد البنية الأساسية التربوية وصيانتها في ظل ارتفاع عدد الوافدين الجدد سنويا.
لقد تحوّل تعميم التعليم من مصدر لخلق الثروة البشرية وآلية لتوفير مستلزمات تلبية حاجيات المجتمعات الناشئة والدول “المستقلة” حديثا والاقتصاديات الجديدة إلى عبء ذي تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية. من ذلك أن خلقت الظروف الجديدة الشروط الموضوعية لنشوء حركات احتجاج في صفوف طلاب الجامعات والأساتذة وحتى في الأسر والعائلات لمواجهة تدهور ظروف الدراسة والعيش وانسداد آفاق التشغيل وبشكل عام الأزمة الشاملة التي عرفتها هذه البلدان. لقد شهدت السنغال والمغرب ومصر وتونس وعدد أخر من بلدان إفريقيا وأمريكا اللاتينية اهتزازات اجتماعية كبيرة لعب فيها الشباب الطلابي أدوارا معروفة.
حيال هذه التطورات راحت الأنظمة البرجوازية التابعة تستنبط البرامج ومشاريع “إصلاح التعليم” البرنامج تلو الآخر ليس لمعالجة الأزمة وإنما أساسا لتجفيف منابع الغضب ومنع أسباب عودة حركات الاحتجاج والانتفاضات.
ففي تونس مثلا تعاقبت هذه البرامج والخطط كلما تم تحوير تركيبة الحكومة وتغيير الوزير المكلف بهذا القطاع. ونذكر في ذلك برنامج مزالي لفرقعة الجامعة وبعث المعاهد والمدارس العليا سنة 1976 وبرنامج عبد العزيز بن ضياء وبرنامج الصياح آخر أيام بورقيبة ثم جاء دور برنامج محمد الشرفي لإصلاح التعليم وتلاه برنامج “إصلاح الإصلاح” في عهد الوزير أحمد فريعة وتلا ذلك نسخ متعددة ومتتالية.
في خضم كل هذه البرامج ومشاريع الإصلاح تم في الواقع نسف أهم أسس برامج التعليم الأصلية وخاصة عموميته وشعبيته ومجانيته. وجرى ذلك في إطار توجه ليبرالي جديد قوامه انسحاب الدولة من الأنشطة الاقتصادية وتخليها عن مسؤوليتها في حماية الخدمات العامة وتطويرها. وفي المقابل من ذلك تم تشجيع الرساميل الخاصة المحلية والأجنبية على الاستثمار في هذه القطاعات التي تتميز بالربحية السريعة والعالية. في هذا الإطار تم إقرار مشاريع خوصصة جانب كبير من التعليم في كل مراحله، الابتدائي والثانوي والعالي، فانتشرت المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة التي نراها اليوم بالمئات في مختلف جهات البلاد. ولئن وضعت في البداية بعض الإجراءات ضمن ما سمي كراريس الشروط فقد بات الاستثمار في التعليم مفتوحا على مصراعيه لكل من هبّ ودبّ.
ونلاحظ اليوم في تونس، كما في سائر بلدان الدنيا تقريبا في ظل طغيان الليبرالية المعولمة، أن الخدمات الاجتماعية العامة كالتعليم والصحة والنقل والسكن أصبحت مجالا للاستثمار الخاص والأكثر جاذبية للرساميل الخاصة ما أدى في الجهة المقابلة إلى تردي هذه الخدمات التي كانت تسديها المؤسسات العمومية، المستشفيات والمدارس والجامعات وشركات النقل العمومية. وبطبيعة الحال يدفع عموم الجماهير الشعبية وسائر الكادحين الثمن بعد أن أجبروا على التعايش مع إقامة أنظمة تعليم وصحة ونقل وسكن للفقراء وأخرى للميسورين.
لكن هذا الميز الذي فرضته الليبرالية الرأسمالية الجديدة المتوحشة والذي لم يشف غليل الرأسماليين المتعطشين لمزيد الأرباح خلق في المقابل من ذلك كل شروط النقمة والغضب من إجحاف هذه المنظومة وشراستها وبعد ينضّج تدريجيا شروط القيام ضدها والرغبة في دحرها والتخلص منها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
