بقلم سها ميعادي
ليس من المبالغة في شيء القول إنّ العلاقة بين اتّحاد الشغل ورأس السّلطة التنفيذية لم تشهد تأزّما مثل الذي عرفته في عهد قيس سعيّد منذ انقلاب 25 جويلية 2021، فعلى مدى تاريخ الاتّحاد شهدت المنظّمة هزّات عنيفة إلاّ أنّ التّعاطي معها كان مختلفا ورسم حدود العلاقة كان مختلفا أيضا. فرغم ما شهده الاتحاد في فترة حكم بورقيبة من محاولات الاحتواء لقياداته وقراراته التي أدّت إلى حدوث مواجهات عنيفة واستعمال الأجهزة الصّلبة من جيش وأمن انتهت إلى أحداث الخميس الأسود سنة 1978، وما انجرّ عنها من قتل وتنكيل بالنقابيين والقيادات واعتقالات وسجن. فإنّ بورقيبة لم يسع إلى القضاء على الاتّحاد لوعيه بالدّور الذي لعبه كقوّة وطنية وسياسيّة واجتماعية لها مكانتها في وجدان التونسيّين ساهمت في مناهضة الاستعمار وزوّدت الدّولة الحديثة بأوّل برنامج اقتصادي واجتماعي… بل كان فقط يسعى إلى الهيمنة عليه والحدّ من استقلاليّته وتدخّله في الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للسّلطة. ولعلّ بن علي قد استفاد من درس المواجهة المباشرة بالحديد والنار فاعتمد تكتيكا يقوم على علاقة الاحتواء والتدّجين فعمل على إغراق الأرستقراطية النقابية بالامتيازات وعلى وضع يده على عدد من المؤتمرات وتمكّن من اختراق المنظمة إلى حدّ كبير وفرض بعض القيادات في المكتب التنفيذي وإقصاء آخرين كما سعى إلى محاصرة المعارضة الجادّة وإضعافها والزجّ ببعضها في السّجون. كان هدف بن علي إبقاء اتّحاد الشّغل تحت كلكله يقتصر دوره على الملفات الاجتماعية المطلبية عاجزا عن أن يخلق قوّة معارضة تهدّد أركان حكمه الدّكتاتوري.
فكيف تعاطى قيس سعيّد مع المنظمة النقابية العريقة خلال الخمس سنوات من حكمه وبعد عشر سنوات من الثّورة؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ الاتّحاد بهياكله النقابيّة القاعديّة والوسطى قد قام بأدوار متقدّمة في الإطاحة بالطّاغية بن علي، الأمر الذي خوّل له استرجاع مكانته الوطنيّة، واستطاع أن يكون من أبرز الفاعلين السياسيين بعد الثورة وخصوصا أثناء الأزمة التي شهدتها البلاد إبّان اغتيال شهيدي الوطن بلعيد والبراهمي. وهو ما جعل المنظمة الشغيلة تعتقد أنّها أصبحت شريكا أساسيّا لا مناص منها في الساحة السياسية وفي إدارة الشأن العام.
إلاّ أنه بمجرّد استيلاء قيس سعيّد على السّلطة واستفراده بالحكم بدأت الأمور تتغيّر. ويمكن القول أنّ هذا التّغيير شهد مراحل. فمجرّد قيام قيس سعيد بانقلاب 25 جويلية 2021، يمكن القول إنّ اتّحاد الشّغل سارع بمساندة وبصورة ضمنيّة هذا الانقلاب ولم يعارض التّدابير الاستثنائيّة “توقّيا من الخطر الداهم وسعيا إلى إرجاع السير العادي لدواليب الدولة”(*) آملا في إخراج البلاد من الأزمة التي كانت تتخبّط فيها. واكتفى ببعض المحاذير حول ما يجب أن يصاحب هذه التدابير. لكن قيس سعيّد سارع منذ البداية إلى إرساء رؤية جديدة لمشروعه السياسي وحكمه الشعبوي تقوم أساسا على الحكم الفردي المطلق بعيدا عن التوافقات التقليدية القائمة على الحوار الوطني السياسي والاجتماعي بين المنظمات والأحزاب والسلطة الشبيهة بفترة 2013. وهو من هذا المنطلق يرفض أيّ دور للأجسام الوسيطة -أحزابا ومنظمات- بل هو يتوق إلى الإجهاز عليها وفي أفضل الحالات تحجيم دورها كفاعل سياسي يتدخّل في الشّأن العام ضمن رؤية شعبوية تعتمد على العلاقة المباشرة بين الحاكم بأمره والشعب وعلى نظام حكم يستند إلى مقولة “البناء الديمقراطي القاعدي”. وهو في هذا المجال ما فتئ يشدّد من خلال تصريحاته أثناء جلساته الوزارية على ضرورة استعادة الدّولة لكامل سلطتها.
شيئا فشيئا بدأ التّباين يظهر بشكل جليّ بين الاتّحاد وسعيّد والفتور في العلاقة يزداد. ففي بداية سنة 2022 نقد الاتّحاد ما اعتبره سعيّد خارطة طريق للقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية لما بعد المرحلة الاستثنائيّة دون التّشاور معه. ودعا إلى حوار وطني للخروج من الأزمة يُشرك فيه كلّ القوى السياسيّة إلاّ أنّ سعيّد رفض هذه الدعوة مستبدلا إيّاها بحوار ضمن “هيئة استشارية” لا تضمّ “اللصوص” أو “مَن يحاول إسقاط الدولة أو يوظف مرافقها”. وتبعا لذلك رفض اتّحاد الشغل المساهمة في هذه المسرحيّة استعداد لإرساء ما سُمّي زورا بـ”الجمهورية الجديدة”.
هذا الخلاف السّياسي كانت له تبعات كبيرة على الملفات الاجتماعية والتي كان بعضها عالقا قبل حكم سعيّد. وما زاد الطّين بلّة هو استفراد سعيّد بالحوار المتعثّر مع صندوق النقد الدّولي دون تشريك الاتّحاد، في ظرف مالي واقتصادي خانق، سمته الأساسيّة ارتفاع نسب التّضخم وتراجع المقدرة الشّرائيّة وانهيار المرفق العمومي والسّعي إلى رفع الدّعم عن المواد الأساسيّة والتّفريط في المؤسسات العموميّة والضغط على كتلة الأجور ووقف الانتداب في الوظيفة العموميّة… وهو ما اعتبره الاتّحاد مواصلة للخيارات الاقتصادية والاجتماعية نفسها للحكومات المتعاقبة والتي أوصلت البلاد إلى هذا المأزق. وقد واصل قيس سعيّد المضيّ قدما في سياسته التّسلّطية فكان أحولن أصدر جملة من النّصوص القانونيّة المنظمة للإحالة على التقاعد المبكّر في الوظيفة العمومية. كما قام مجلس وزرائه بتنقيح القانون عدد 9 لسنة 1989 والمتعلق بالمساهمات والمؤسسات والمنشآت العموميّة لإنقاذها من الإفلاس بشكل منفرد بعيدا عن الاتّحاد. وفي نفس السّياق عمدت حكومة سعيّد إلى تعطيل المفاوضات الخاصّة بتنقيح قانون الوظيفة العمومية والتي توقّفت تماما منذ مارس 2023.
ولمزيد التّضييق على ممثّل العمّال بالفكر والسّاعد عمد سعيّد إلى خطاب يقوم على تهرئة صورة الاتحاد وإفراغه من حاضنته الشعبية عبر التشديد على كونه المتسبّب في تدهور الإنتاج وضعف الاستثمار بسبب ارتفاع نسق الإضرابات وحجمها في مختلف القطاعات. بهذا نفهم التّجييش الذي وقع لأنصار سعيّد في فترة لاحقة للهجوم على مقرّ الاتّحاد في ساحة محمد علي وتحميله مسؤولية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والمطالبة بحلّه. وهو تصرّف باركه سعيّد ودافع عنه صراحة دون مواربة. وكان ردّة فعل اتحاد الشغل الدعوة إلى التظاهر احتجاجا على الوضع الاجتماعي والانغلاق السياسي.
ولا يمكن أن ننسى جملة الإجراءات التعسّفية التي عمد إليها سعيّد من قبيل المنشورين 20 و21 اللذين يضيّقان الخناق على حقّ التّفاوض بين هياكل الاتّحاد وسلط الإشراف من خلال إلزام الأطراف المفاوضة بالحصول على ترخيص من رئاسة الحكومة إضافة إلى جملة من البنود والشّروط المجحفة التي تهدف أساسا إلى إفراغ العمل النقابي من جوهره. وهو ما حدا بالاتّحاد إلى القيام بإضرابين منفصلين في القطاع العام والوظيفة العمومية للمطالبة بسحب المنشور 21 والدّخول الفوري في مفاوضات اجتماعيّة. لم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل إنّ سعيّد تمادى في محاصرة الاتّحاد وسحب البساط من تحته في كل الملفات المتعلقة به وأبدى تصلّبا شديدا تجاهه فأوقف المفاوضات مركزيّا وقطاعيّا وتنكّر للاتّفاقات المبرمة ولمحاضر الجلسات وسَحَب الرخص النقابية وقام بالزيادة من جانب واحد في الأجر الأدنى الصّناعي والفلاحي وللمتقاعدين وأقرّ الزيادة في الأجور دون مفاوضات اجتماعيّة وأدخل تعديلات في مجلة الشغل من طرف واحد ولم يتوان عن طرد قيادات نقابية دولية على غرار الأمينة العامة لنقابات العمال في الاتحاد الأوروبي في إطار مساندتها للتحركات الاحتجاجية للاتحاد وتضامنها مع المعتقل أنيس الكعبي. ولتجفيف منابع الاتّحاد الماديّة وخلق صعوبات تزيد من تفاقم أزمته الدّاخلية التي تخبّط فيها أسدى سعيّد تعليماته مؤخّرا بإلغاء العمل بالخصم المباشر.
لم يكتف سعيّد بكلّ هذه الإجراءات بل سدّد ضربات موجعة لنقابيّين من مختلف الهياكل باستعمال القضاء تحت مسوّغات متنوّعة بعضها نقابي مهني كالصدّ عن العمل وبعضها تحت يافطة مقاومة الفساد التي تستهوي طيفا واسعا من المجتمع المتقبّل لفكرة تطهير الاتحاد من بيرقراطية فاسدة تعيش في أرغد العيش من أموال منتسبيها ولا همّ لها إلاّ الإثراء الفاحش.
حصيلة تؤكّد بكلّ وضوح منهج سعيّد في التّعاطي مع الاتحاد ورؤيته لمنظمة العمّال ودورها في مشروعه الشّعبوي ونجاحه الآني في تحييدها ومحاصرتها وإفراغها من مختلف أدوارها الوطنية والاجتماعية وهو ما يتّفق مع ما جاء في مؤشر الحقوق العالمية للاتحاد الدولي لنقابات العمال في تقريره لسنة 2025، الذي اعتبر تونس ضمن الدول العشر الأكثر انتهاكا لحقوق العمال وحرية العمل النقابي.
إنّ سعيّد باستهدافه المنظمة النقابية إنّما هو في الحقيقة يستهدف العمّال والأجراء فيجرّدهم من سلاحهم الذي يدافعون به عن مكتسباتهم وحقوقهم ويمنعهم من التنظّم الذي يمكّنهم من إحباط سياساته وخياراته الاقتصادية التي لا تختلف في شيء عن خيارات الحكومات المتعاقبة المعادية للعمّال وعامّة الشعب. وهو لم يدرك أنّ الاتحاد الذي عاش سلسلة طويلة من الأزمات خرج منها في كل مرة هو المنتصر. بقي على قيادة الاتّحاد أن تعي بدورها أنّ صمتها قد طال وما عليها إلاّ أن تتحمّل مسؤولياتها في هذا الظرف العصيب الذي تمرّ به البلاد أوّلا للدّفاع عن وجود المنظّمة وعن حقوق العمّال والأجراء المنتهكة وثانيا للمساهمة بصورة نشيطة في المعركة العامة للشعب ضدّ الدّكتاتورية التي فقّرته وداست على حريّته وحقوقه وكرامته.
(*) بيان اتحاد الشغل الصادر في 26 جويلية 2021
صوت الشعب صوت الحقيقة
