الرئيسية / صوت الوطن / من الصلح الجزائي إلى الشركات الأهلية: عندما تؤسس السياسة على الأوهام
من الصلح الجزائي إلى الشركات الأهلية: عندما تؤسس السياسة على الأوهام

من الصلح الجزائي إلى الشركات الأهلية: عندما تؤسس السياسة على الأوهام

بقلم مرتضى العبيدي

في البدء كانت لجنة المرحوم عبد الفتاح عمر

واسمها الكامل اللجنة الوطنية لتقصّي الحقائق حول الفساد والرّشوةالتي كانت من أولى اللجان التي تمّ إحداثها مباشرة غداة الثورة (18 جانفي 2011) وواحدة من اللجان القلائل التي تمّ بعثها آنذاك والتي أوفت بوعدها ورفعت تقريرها في وقت قياسي (نوفمبر 2011)، قبل وفاة رئيسها يوم 2 جانفي 2012، حيث كان الفساد والرشوة إحدى الآفات التي تقضّ مضاجع التونسيين الذين طالبوا بالكشف عن حجمها وآليات اشتغالها تحت حكم بن علي، والكشف خاصة عن رموزها والمتورطين فيها من أجل محاسبتهم وتحميلهم المسؤولية الجزائية لأفعالهم. وقد أسفرت أعمال اللجنة عن ضبط قائمة تضمّ قرابة 460 من رجال الأعمال كانوا قد استولوا بطريقة أو بأخرى على مبالغ كبيرة من أموال الدولة قُدّرت بـ 13500 مليار ولم يسدّدوها، وهو أمر كان يبدو عسيرا في إبّانه. لذلك تعدّدت الاجتهادات في البحث عن السُبل الممكنة لاسترجاع هذه الأموال. ومن بينها مقترح أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد الذي قدّمه سنة 2012 عبر ظهوره المتكرر في وسائل الإعلام والمتمثل في الصلح الجزائيمع هؤلاء المتورطين بإلزامهم باستثمار هذه الأموال المنهوبة في مشاريع تنموية في سائر أنحاء البلاد مباشرة في المعتمديات انطلاقا من أكثرها فقرا إلى أقلّها.

لكن التعرّجات اللاحقة التي شهدها مسار الثورة سرعان ما أغلقت هذه الملف بتحويل هذا الاستحقاق إلى فرصة للابتزاز مارسها الحكام المباشرون الذين جاءت بهم انتخابات أكتوبر 2011 أو انتخابات 2014 والذين عملوا على الاستفادة من هذه الأموال لصالحهم ولصالح أحزابهم عبر عقد صفقات مشبوهة مع المتهمين. وعندها اعتبر الكثيرون أن ملف الأموال المنهوبة قد أغلق نهائيا، دون أن يستفيد منها الشعب بأي صفة من الصفات.

وغداة انقلاب 25 جويلية 2021، وزمن الحكم بالمراسيم، جاء المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المحدث للجنة الوطنية للصلح الجزائي في تونسالتي أسند إليها صلاحية إبرام صلح جزائي مع المتورطين في جرائم اقتصادية ومالية، لاسترداد الأموال المنهوبة وتوجيهها لتمويل مشاريع تنموية، والتي لم نسمع لها إنجازا يذكر، بل إن اسمها أصبح لا يُتداول أصلا في وسائل الإعلام إلا متى عنّ للرئيس تغيير تركيبتها، وقد حصل ذلك على الأقل ثلاث مرات منذ انطلاق أعمالها، كان آخرها يوم التاسع من شهر جوان الماضي عندما تمت تسمية السيّد علي عباس القاضي من الدرجة الثالثة على رأس هذه اللجنة. وقد شهدت اللجنة تعزيز صلاحياتها بعد التغيير الأخير بإدراج مجلس الأمن القومي كجزء من مسار المصادقة على ملفات الصلح لضمان استرداد مقدرات الدولة.

لكن الغريب أن بلاغات الرئاسة لم تذكر شيئا عمّن شغلوا هذا المنصب قبل السيد علي عباس وعن منجزهم وهل أمكن لهم استرجاع أي قسط من الـ 13500 مليار المنتظرة. إن تعلق السيد قيس سعيّد حدّ الهوس بهذا التمشي وهو أول من اقترحه سنة 2012 عندما كان لا حول له ولا قوّة، والعودة إليه بنفس الحماس بعد عشر سنوات وهو المجمّع بين يديه لجميع السلط كان يشير ليس فقط إلى نفض الغبار على هذا الملف الحارق، بل إلى إعطائه دفعا سيقلب كل المعادلات وسيحوّل المعتمديات المنكوبةإلى حضائر وورشات للبناء والتشييد غابت عنها لمدة عقود من النسيان والتهميش. لكن لا شيء من ذلك حصل إلى حدّ اللحظة على الأقل ولا مؤشرات لحصوله في المستقبل القريب.

استرجاع الأموال المهرّبة إلى الخارج

وبصفة موازية لعمل لجنة الصلح الجزائي، أحدث قيس سعيد منذ أكتوبر 2020 لجنة خاصة تعود بالنظر إلى رئاسة الجمهورية مباشرة مهمتها استرجاع الأموال المنهوبة المودعة بالخارج يترأسها وزير الخارجية. ويبدو أنها لم تنجز شيئا يذكر حتى أن رئيس الجمهورية خلال موكب إحياء الذكرى السادسة والعشرين لوفاة الحبيب بورقيبة، وقف قبالة البحر وخاطب من خلاله الدّول والمؤسسات بالقول أعيدوا إلينا أموالنا، هي أموال الشعب التونسي، في إحالة على الأموال المنهوبة المودعة بحسابات بنكية في الخارجوسبق له أن قام بنفس الحركة في نفس الذكرى منذ ثلاث سنين خلت، لكن يبدو أن لا شيء تغيّر منذ ذلك الوقت.

والمؤسسات المعنية بهذه الدعوة هي طبعا المؤسسات المالية الدولية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي الذي تمارس تجاهنا كل طرق الابتزاز ولا تٌفرج عن بعض المبالغ إلا بسياسة القطرة قطرة كما حصل لما تمّ رفع التجميد عن جزء من أموال سبعة من أفراد عائلة بن علي والمقربين منه يوم 28 أكتوبر 2022.

ورغم هذه الصعوبات والعراقيل التي تواجه مسار استرجاع الأموال المنهوبة، يصرّ قيس سعيد على التعويل على هذه الآلية وإدراجها في مخططاته كحل سحريللأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعصف بالبلاد منذ وصوله إلى دفة الحكم، بل وكذلك كبديل عن التوجه لبعض الجهات الأجنبية المانحة التي اعتادت إقراض تونس وخاصة صندوق النقد الدولي الذي نحن نظريا في قطيعة معه دون أن يمنعنا ذلك من التعامل مع أذرعه المبثوثة في الشبكات المالية الدولية والتي تواصل إقراضنا بفوائض أعلى بكثير مما كان يفرضه علينا الصندوق. لذا نرى برلمان بودربالة يلهث وراء المصادقة على اتفاقيات القروض، مما سبّب نوعا من القلق والاشمئزاز حتى لدى عدد من أعضائه أنفسهم.

الشركات الأهلية إحدى رهائن الصلح الجزائي

ولمّا يربط الرئيس مصير الشركات الأهليةوهي إحدى أحلامه الباذخة بمردود الصلح الجزائي وبالأموال التي ستفيض بها خزائن بيت مال المسلمين، نفهم محدودية هذا الحلم وعدم واقعيته التي تتجلى اليوم في صعوبة انطلاق هذه المؤسسات التي لم يأت بمثلها الأوّلون والتي تتفوّق على مثيلاتها في الاقتصاد التضامني الاجتماعي حسب قيس سعيّد، بينما لا يرى فيها بعض الدارسين سوى صورة مشوّهة من تعاضديات الاشتراكية الدستوريةالتي لم تفِ بوعودها من حيث دفع عجلة التنمية من ناحية وتوفير مواطن الشغل لطالبيه، وهي نفس الأهداف المرسومة اليوم للشركات الأهلية في منظومة البناء القاعدي للعلوّ الشاهق، إذ أنها تعتبر من ركائز المشروع الرئاسي، باعتبارها، حسب الرئيس، مصدراً لخلق الثروة، وطريقة ناجعة لتمكين الشباب من تحقيق آماله في الشغل والكرامة الوطنية“.

ومنذ صدور المرسوم المُحدث لهذه الشركات بتاريخ 21 مارس 2022 وما رافقه من حملات دعائية للترويج لها فلا حديث إلا عن الامتيازات الممنوحة لها حتى أن اسمها أصبح بمثابة كلمة السرلحل معضلات الاقتصاد التونسي وعلى رأسها معضلة البطالة. إذ أنه وفي انتظار حصولها على منابها من الصلح الجزائي، تم تخصيص خط تمويلي لفائدتها في ميزانية الدولة لسنة 2023 والسنين الموالية قُدّر بـ 20 مليون دينار. إلا أن الملاحظ أن المشروع مازال متعثّرا، وعائداته المالية، وقدرته التشغيلية والإنتاجية ضعيفة. بل إن معظم الشركات الأهلية المعلن عن إحداثها لم تباشر عملها بعد شهور أو حتى سنين من تأسيسها لما تواجهه من تعقيدات قانونية، وصعوبات عقارية وإدارية، ولعزوف عديد البنوك عن تمويلها.

لذلك بادرت الدولة بالإغداق عليها بامتيازات من جميع الأصناف من ذلك:

تفضيلها في الحصول على القروض، مقارنة بمؤسسات الاقتصاد التضامني الاجتماعي، أو المؤسسات الصغرى والمتوسطة العصب الحقيقي للاقتصاد التونسي.

منحها أفضلية لدى البنك التونسي للتضامن للحصول على القروض والترفيع في سقفها، وحث بقية البنوك للحذو حذوه.

تمييزها عند إسناد أملاك الدولة (أراضي، عقارات…) بمنحها إياها مراكنة لا عن طريق الصفقات العمومية ولو بضرب مبدأ الشفافية والمساواة بين المتنافسين، إلى غير ذلك من الامتيازات حتى أن بعض الملاحظين أصبحوا يتحدثون عن تحوّلها من هيئات أهليةلإيجاد حلول لقضايا التنمية والبطالة إلى عبء على الدولة والشعب.

وهكذا يتضح مجدّدا في هذا المجال كذلك أن هوّة سحيقة تفصل الخطاب الرسمي عن الواقع المعيش، إذ أن هذه الشعارات لا تجد تجسيدا لها في برامج ملموسة تقوم على القطع الفعلي مع منوال للتنمية اتبعته منظومة الاستعمار الجديد خلال فترات حكمها الثلاثة، ويواصلها اليوم قيس سعيّد الذي جاء لإنقاذها ولم يجد إلى ذلك سبيلا رغم السلطات المطلقة التي حبا بها نفسه والتي أعادت البلاد إلى مأزق الحكم الفردي المطلق، مأزق الديكتاتورية والفاشية الزاحفة.

إلى الأعلى
×