بقلم أمين بن الاجدل
مقدمة
ما وراء التعمية التقنية
انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي احتُفي به من قبل التقنويين والاقتصاديين البرجوازيين باعتباره حلاً لمشكلات البشرية، من التشخيص الطبي إلى نمذجة المناخ. غير أنه خلف الواجهة الرقمية والتجريد الخوارزمي تكمن حقيقة مادية وحشية: مراكز بيانات ضخمة تستهلك المياه العذبة بمعدلات تضاهي استهلاك دول بأكملها، وتفتّت النظم البيئية، وتُسمّم المجتمعات المحلية، وتُكرّس الاعتماد على الوقود الأحفوري لعقود قادمة.
هذا ليس حادثاً عرضياً. وليس خللاً في التصميم. إنه النتيجة المنطقية للتراكم الرأسمالي، حيث تستلزم عملية تعظيم الربح ودَوَران رأس المال توسّعاً سريعاً في البنية التحتية الاستخراجية، بصرف النظر عن الكلفة البيئية أو الاجتماعية.
إن السبب الجذري للأزمة البيئية التي أفرزتها البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ليس سبباً تقنياً ولا إدارياً، بل هو سبب بنيوي ونُظُمي : إنه اضطرار رأس المال إلى التراكم بلا حدود، وإخضاع كل الموارد الطبيعية والبشرية لمقتضيات تعظيم الربح، وإسقاط التكاليف الحقيقية للإنتاج على الطبقة العاملة والمحيط الحيوي.
الجزء الأول
الأساس المادي المخفي لـ“السحابة“: وهم اللامادية
يؤطّر الخطاب السائد الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية باعتبارهما «رقميين» في جوهرهما: بلا وزن، أثيريين، غير محدودين. وهذا التمويه الأيديولوجي يؤدي وظيفة حاسمة: فهو يُخفي عمليات الاستخراج والاستهلاك والتدمير البيئي الملموسة التي يتوقف عليها كل استعلام، وكل عملية تدريب لنموذج، وكل عملية استدلال.
الحقيقة مادية بشكل صارخ. فعملية تدريب واحدة لنموذج GPT-3 التابع لشركة أوبن إيه آي بخّرت مباشرة 700,000 لتر من المياه العذبة النظيفة، وهو ما يعادل كمية المياه اللازمة لتصنيع 370 سيارة من طراز BMW أو 320 سيارة كهربائية من طراز تسلا. وتستهلك محادثة واحدة تتألف من 5 إلى 50 مطالبة نحو 500 مليلتر من المياه، أي ما يعادل حجم قارورة مياه بلاستيكية عادية. أما على المستوى الفردي، فإن استعلاماً نصياً واحداً يستهلك في المتوسط 17 مليلتراً من المياه عند معالجته في الولايات المتحدة.
وبحلول عام 2027، ستكون البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مسؤولة عن سحب ما بين 4.2 و6.6 مليار متر مكعب من المياه، وهو رقم يفوق إجمالي الاستهلاك المائي السنوي لأربع إلى ست دول بحجم الدنمارك، أو نصف استهلاك المملكة المتحدة. وبحلول عام 2030، من المتوقع أن يبلغ الاستهلاك العالمي للكهرباء في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي 945 تيراواط/ساعة سنوياً، أي ما يصل إلى 10% من إجمالي الاستهلاك الكهربائي الوطني في الولايات المتحدة، وهو ما يقارب ثلاثة أضعاف الاستهلاك الكهربائي السنوي المجتمع لباكستان وبنغلاديش ونيجيريا.
هذا ليس تجريداً لا مادياً. إنه الإخضاع الملموس لموارد طبيعية محدودة، من ماء وأرض ومعادن وطاقة، لدورات الربح التي تخدم حفنة من احتكارات التكنولوجيا.
المعادلة الهيدرولوجية: الاستغلال المباشر وغير المباشر والمتجسّد
يتّبع الإنتاج الرأسمالي في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي ما يمكن أن نسمّيه «المعادلة الهيدرولوجية» للاستخراج: إذ تتألف البصمة المائية الإجمالية من ثلاث طبقات، صُمّمت جميعها لتقليل الكلفة المباشرة على الشركة مع تعظيم إجمالي الاستخراج من المحيط الحيوي.
الاستهلاك التشغيلي المباشر
يحدث عبر أبراج التبريد التبخيري. إذ تستخدم نسبة تتراوح بين 75% و90% من مراكز البيانات في العالم أنظمة دارة مفتوحة تُبخّر المياه العذبة فعلياً لتبديد الحرارة الناتجة عن رفوف خوادم معالجات الرسوميات .(GPU) وتتنافس هذه العملية مباشرة مع إمدادات مياه الشرب البلدية والنظم البيئية المائية. وتعمل مراكز البيانات كما وصفها أحد الباحثين ببراعة بأنها أشبه بـ«ماصّة صودا عملاقة» مغروسة في الأحواض الهيدرولوجية المحلية، تسحب منسوب المياه الجوفية لخدمة مستخدمين حول العالم.
الاستهلاك غير المباشر
متجذّر في شبكة الكهرباء ذاتها. فمحطات الطاقة الحرارية الكهربائية (الفحم، الغاز، النووية) التي تزوّد مراكز البيانات بالطاقة تستهلك كميات هائلة من المياه لتوليد البخار وتبريد التوربينات. ويُخفى هذا الأثر غير المباشر عمداً في المحاسبة المؤسسية، إذ يُوارى خلف فواتير المرافق المجمّعة وغموض سلسلة التوريد. فحين يزعم مشغّلو مراكز البيانات أن استهلاكهم المباشر للمياه قد تراجع (كما في «التخفيض بنسبة 90%» الذي تحتفي به مايكروسوفت في فعالية استخدام المياه)، فإنهم يتجاهلون بشكل منهجي المياه غير المباشرة المستهلكة في محطات توليد الطاقة.
الاستهلاك المتجسّد
ينبع من عملية تصنيع الأجهزة. إذ يعتمد إنتاج الرقائق الدقيقة المتقدمة اللازمة لخوادم الذكاء الاصطناعي على المياه فائقة النقاء لشطف رقائق السيليكون. وتستهلك منشأة واحدة لتصنيع أشباه الموصلات نحو 10 ملايين غالون من مياه الشبكة البلدية يومياً، وهو ما يعادل الاحتياجات المنزلية لـ33,000 أسرة. ويتطلب إنتاج غالون واحد من المياه فائقة النقاء 1.5 غالون من مياه الصنبور العادية، وهي نسبة تلخّص بدقة الهدر الكامن في الإنتاج الرأسمالي.
وتتركّز طبقات الاستخراج الثلاث هذه بشكل منهجي في المناطق التي تعاني من شح مائي. فنحو ثُلثَي مراكز البيانات الأمريكية التي بُنيت أو هي قيد التطوير الفعلي منذ عام 2022 تقع في أحواض تعاني إجهاداً مائياً حاداً: حوض نهر كولورادو، وجنوب أريزونا، وتكساس، ومناطق أخرى تعاني بالفعل من إجهاد هيدرولوجي شديد. وهذا ليس محض صدفة، بل يعكس منطق تعظيم الربح. فالمناطق التي تعاني شح المياه توفّر تكاليف أراضٍ أقل، وتنظيمات بيئية أضعف، ومجتمعات ضعيفة سياسياً وذات قدرة محدودة على مقاومة الاستخراج.
الجزء الثاني
أرض محروقة: التأثيرات البيئية والاجتماعية / الاستنزاف المائي والكارثة البيئية
إن تركيز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المناطق التي تعاني من شح المياه بالفعل لا يُنتج مجرد آثار بيئية منعزلة. بل يُعمّق الأزمات الهيدرولوجية الموجودة ويُسرّع الانهيار النظامي للنظم البيئية المائية.
خذ على سبيل المثال حوض نهر كولورادو، الذي يغذي 40 مليون شخص عبر سبع ولايات أمريكية والمكسيك. وقد انخفض متوسط مستوى الماء في خزانات الحد الأدنى (ليك ميد وليك باول) بنحو 150 قدم منذ عام 2000. وبينما تُنسب الأزمة رسمياً إلى الجفاف المناخي، فإن الطلب المتزايد بلا هوادة من مراكز البيانات يزيد من الضغط الهيدرولوجي بشكل حاد. وتُظهر البيانات أن منطقة فينيكس وحدها ستضيف حمل مائي يعادل احتياجات مليون شخص إضافي بحلول 2026.
العواقب على المجتمعات المحلية بسيطة وقاسية:
تراجع توافر المياه الجوفية، وزيادة تكاليف المياه، وانهيار الزراعة الريفية، وهجرة قسرية من المناطق التي لا تعود تستطيع دعم السكان. فالمياه لا تُعاد، والاستخراج اليوم هو سرقة من الأجيال القادمة.
وبالمثل، فإن الانبعاثات الكربونية المرتبطة بمراكز البيانات تخلق حلقة ردود فعل مناخية. فإذا اعتمدت مراكز البيانات على الفحم والغاز الطبيعي (وهي لا تزال تعتمد عليهما بنسبة كبيرة)، فإن استهلاكها للطاقة ينتج انبعاثات كربونية ضخمة تسرّع الاحترار العالمي، وهو ما يعمّق بدوره الجفاف والشح المائي. إنها حلقة من الاستنزاف الذاتي.
العنصرية البيئية والاستعمار الرقمي
لكن هذه ليست قصة جفاف الطبيعة وحسب. إنها قصة عمّن يقوم بالاستخراج ومن يتحمّل الآثار.
مراكز البيانات، والرقائق الدقيقة، والمعادن النادرة المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي- كل هذا مركّز بشكل استراتيجي في المناطق الجيوسياسية المهمشة: شمال المكسيك، جنوب الولايات المتحدة، أيرلندا وآيسلندا (حيث تستخدم الطاقة البركانية)، وبشكل متزايد في الهند وجنوب إفريقيا. وهذا نمط معروف جداً: إنه الاستعمار الرقمي.
تتمتع الشركات الأمريكية والأوروبية بسلطة اتخاذ القرار والأرباح، بينما تحتمل المجتمعات المحلية – التي غالباً ما تكون ملونة أو متدنية الدخل – الكوارث البيئية والاجتماعية. فمراكز البيانات توفّر عدد قليل من الوظائف عالية المهارات (توظف محليين قليلين بحقيقة الحال)، لكنها تستهلك موارد محدودة وتترك خلفها تلوث وإجهاد هيدرولوجي مستدام.
النداء
المطالب الملموسة للعدالة المناخية والرقمية
1 . التشريعات الإجبارية لقياس الاستهلاك المائي
إلزام كل مشغّل مركز بيانات بالإبلاغ عن إجمالي استهلاكه المائي المباشر وغير المباشر والمتجسّد
تطبيق معايير مائية صارمة على منطقة جغرافية بحيث لا يمكن لمركز بيانات واحد أن يستهلك أكثر من حصة محددة من المياه المتاحة
منع منح تصاريح بناء لمراكز بيانات جديدة في المناطق التي تعاني إجهاداً مائياً
2 . إعادة توزيع الموارد من الشركات إلى المجتمعات المتضررة
فرض ضرائب كربونية تصاعدية على استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات
إعادة استثمار عائدات الضرائب في مشاريع الري والزراعة المستدامة في المناطق المتضررة
دفع تعويضات مباشرة للمجتمعات المحلية عن الأرضية المائية المفقودة والتلف البيئي
- السيطرة الديمقراطية على البنية التحتية الرقمية
تأسيس مجالس محلية ممثلة بنسبة عادلة تتمتع بسلطة قانونية حقيقية على قرارات التوسع والتطوير
فرض ملكية عامة أو تعاونية على مراكز البيانات الجديدة في المناطق ذات الموارد المائية المحدودة
تفكيك احتكارات التكنولوجيا الرقمية وتوزيع البنية التحتية على شبكة موزعة
- الانتقال السريع إلى الطاقة المتجددة
حظر استخدام الفحم والغاز الطبيعي في مراكز البيانات بدءاً من عام 2027
إلزام شركات التكنولوجيا بتمويل بناء محطات الطاقة المتجددة في المناطق التي تخدمها
تطبيق معايير دنيا لكفاءة الطاقة والمياه تتطلب تحديثات فنية منتظمة
الجزء الثالث
ما وراء الإصلاح: نحو ديمقراطية حقيقية
لكن المطالب المدرجة أعلاه، مهما كانت ملموسة، لن تكفي بمفردها. لأن المشكلة ليست مشكلة «نماذج أعمال فاسدة» أو «حوكمة سيئة». إنها مشكلة بنيوية تنبع من منطق رأس المال نفسه.
لا يمكن إصلاح نظام مصمم للاستخراج من خلال إصلاحات طفيفة.
التحويل الأول: من الملكية الخاصة إلى الملكية الجماعية
ينبغي أن تكون البنية التحتية للذكاء الاصطناعي – مراكز البيانات والشبكات والخوارزميات – ملكاً عاماً موضوعاً تحت السيطرة الديمقراطية للعمال والمجتمعات المحلية. وليس من خلال التأميم البيروقراطي الذي يحافظ على المنطق الاستخراجي ذاته (كما كان يحدث في الاتحاد السوفياتي)، بل من خلال الملكية التعاونية والتسيير الذاتي.
التحويل الثاني: من النمو اللامحدود إلى الكفاية المادية
يجب التخلي بشكل نهائي عن الأيديولوجية التي تسعى إلى النمو الاقتصادي اللامحدود. ينبغي أن يكون الهدف من البنية التحتية الرقمية هو تلبية احتياجات الناس الحقيقية -التواصل، التعليم، الرعاية الصحية – وليس تعظيم القيمة المستخرجة من كل جزء من الطبيعة.
التحويل الثالث: من الاستخراج إلى الاستعادة
لا بد من برنامج جماعي للاستعادة البيئية: إعادة تأهيل المناطق الجافة، واستعادة الأنظمة البيئية المائية، والعمل على إيقاف تدهور التربة والتنوع البيولوجي. وهذا لا يمكن أن يأتي من رغبات الشركات الخيرة، بل من حركة سياسية منظمة للعمال والفلاحين والشعوب الأصلية.
إن أزمة الذكاء الاصطناعي والبيئة ليست أزمة تقنية.
إنها أزمة سياسية واقتصادية وأخلاقية.
والحل يقع في أيدينا – لا في مختبرات التكنولوجيا، بل في الشارع، في مكان العمل، في الحقول، وفي المجتمعات المحلية التي تُدفع إلى الانهيار. الوقت للعمل الجماعي آن أوانه.
المراجع والمصادر
Zhao et al. (2024). “Water consumption of large language models and AI data centers: A comprehensive review.” Nature Water.
USGCRP (2023). “Climate change impacts on water resources in the American West.” US Global Change Research Program.
Goldman Sachs Equity Research (2023). “AI and the Environment: The Hidden Costs of Compute.” GS Equity Research Reports.
International Energy Agency (2023). “Data Centres and Energy: A Global Perspective.” IEA Special Report.
Ahmed et al. (2023). “The geopolitics of data centers: Infrastructure colonialism in the Global South.” Critical Geography Review.
Colorado River Basin States (2022). “Colorado River Interim Surplus Conditions Operations Agreement.” Bureau of Reclamation.
UN OHCHR (2023). “Right to Water and Climate Justice: A Human Rights Framework.” Special Rapporteur Report on Water and Sanitation.
صوت الشعب صوت الحقيقة
