بقلم جيهان اللواتي
حين تقرع طبول الاحتفال الرسمي باليوم الوطني للمرأة في تونس وتتزاحم الوجوه أمام عدسات الكاميرات لتردد الأنشودة المعتادة عن الريادة والتقدم والمكتسبات التاريخية ينعزل الواقع خلف شاشات العرض ليُظهر عورته الفادحة هناك في العتمة الهادئة لغرف التحرير وفي مكاتب المراسلة المهملة وفي الميدان حيث تتلاطم أهوال الواقع تقف الصحفية التونسية وحدها تقف عارية إلا من حبرها محاصرة بين فكيْ مجتمع أبوي يطالبها بأن تكون خارقة ونظام رأسمالي متوحش يعاملها كرقم رخيص في معادلة الربح والخسارة ونظام شعبوي يحجب عنها النفاذ إلى المعلومة.
ليس المقصد هنا اجترار التباكي السهل ولا الغرق في رومانسية بائسة بل تلمس الوجع الإنساني الحقيقي لامرأة اختارت أن تكتب تاريخ الآخرين بينما تقتات هي على فتات الأيام والوعود المؤجلة إن الرؤية النقدية هنا لا تكتفي بمساءلة الأرقام بل تغوص في “الجرح الأنطولوجي” في اغتراب الإنسان عن نتاجه وفي تحويل الكلمة الحرة التي يفترض أن تكون أداة لتحرير الوعي إلى سلعة بائسة تُباع وتُشترى في سوق العمالة الهشة.
حين يُستباح القلم والروح لأجل لقمة العيش
في سوسيولوجيا العمل لا تمثل الصحفية مجرد عاملة أُجيرة بل هي إنسانة تُستنزف طاقتها العاطفية والنفسية والذهنية يومياً يعلّمنا المفكر الفرنسي بيير بورديو أن الاستغلال الأقسى هو ذلك الذي يطال “الروح” قبل الجسد فالصحفية لا تبذل وقتاً عضلياً فحسب بل تبذل وعيها وقلقها وأعصابها وانحيازاتها الإنسانية لتلتقط الخبر أو تصوغ التحقيق.
لكن المؤسسات الإعلامية في تونس لا تري في هذا المخاض الإنساني النبيل سوى “تكلفة تشغيلية زائدة” إنها تتعامل مع الصحفيات بوصفهن حلقة ضعيفة يسهل تطويعها بفضل الضغوط المجتمعية المتمثلة في وجوب الإعالة ورعاية العائلة والخوف المستمر من البطالة هنا يتقاطع الاستغلال الطبقي مع القهر الجندري لتجد الصحفية نفسها مطوقة بجدران من الحديد: فقر مدقع وغياب تام للتأمين الصحي والنفسي وتهديد دائم بالطرد المبطن تحت مسميات “المرونة” و”العمل بالقطعة”.
فبأي منطق إنساني يمكن الحديث عن كرامة امرأة تُقايض حقها في العيش الكريم بحقها في توقيع مقال؟
فوضى التشغيل.. الجريمة المنظمة ضد أحلام البدايات
حين تتخرج الصحفية الشابة من معهد الصحافة وعلوم الأخبار تحمل في صدرها وميضاً من اليوتوبيا تحلم بالعالم المثالي وتريد تغيير العالم الشرير وفضح الفساد وبأن تكون صوتاً لمن لا صوت لهم لكنها ما إن تطأ قدمها عتبات المؤسسات الإعلامية حتى تصطدم بما يمكن تسميته “هندسة القهر المنهجي”.
عقود المذلة: عقود مؤقتة تتجدد كل ثلاثة أشهر لا تضمن شيئاً سوى الخوف الدائم عقود تُلغي المستقبل وتختزل الوجود الإنساني في يوميات باحث عن لقمة عيش تسد الرمق.
العمل التطوعي والتربصات الأبدية: سنوات تمر والفتيات يُستنزفن تحت يافطة “المتدربة” أو “المراسلة الميدانية” بلا أجر وبلا ضمان وبلا أدنى اعتراف بجهدهن تماماً كما يُستنزف قطاف الأرض بلا مقابل.
التغييب القسري للحقوق الأساسية: في غياب سياسة تشغيل واضحة وملزمة للدولة ولأصحاب المؤسسات تتحول غرف التحرير إلى غابات يحكمها قانون القوي تصمت الصحفية عن التحرش المبطن وعن التمييز في الأجور وعن ساعات العمل الجهنمية فقط لأن شبح الطرد يلاحقها في كل دقيقة.
هذه الفوضى ليست مجرد “أزمة تسيير” بل هي خيار طبقي مقصود يهدف إلى هندسة صحافة خانعة مرتعشة وعاجزة فالصحفية المرتعبة من غدها والمشغولة بتأمين ثمن دواء طفلها أو إيجار بيتها لا تستطيع أن تكتب بحرية بل تصير مرغمة على إعادة تدوير السرديات الرسمية وخدمة أسياد المال.
صرخة الأمل.. لا تحرير للكلمة دون تحرير للصحفيات
ليس عيد المرأة منبرًا لتبادل التهاني ولا مسرحًا تُرسم على خشِبته أدوار البطولة الوهمية لتمرير سياسات التدجين والاحتواء والشعبوية وحين تتقاطع عدسات الكاميرات مع أيادي الاستغلال المبتسمة في ليل الشاشات فإننا لا نكون أمام احتفال بل أمام عملية استعراضية ممنهجة لتفريغ النضال من مضمونه الجذري وتحويله إلى طقس فولكلوري أبله.
إن الرهان على التحرر الفعلي للمرأة الصحفية في تونس لا يمكن أن يُبنى على سياسات “الكوتا” الباردة أو الأرقام والمؤشرات الرقمية التي تُستخدم كأدوات تجميلية لتغطية القبح الهيكلي لقطاع يعاني أصلاً من الهشاشة والاغتراب إن الوجود العددي في الواجهات والمكاتب المكيفة ليس سوى ديكور مؤسساتي صُمم بعناية لإخفاء حقيقة أقسى وهي أن الصحفية لا تزال في الغالب الأعم تُستنزف بوصفها حلقة ضعيفة في سلسلة الإنتاج الرأسمالي للإعلام تُستغل كفاءتها وحضورها لتمرير الخطابات الرسمية بينما تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقلالية الاقتصادية والأمان المهني والقدرة على اتخاذ القرار.
إننا أمام مفترق طرق حقيقي فإما نضال جدي ينبش في جذور الأزمة البنيوية والطبقية التي تستعبد الصحفيين عموماً والصحفيات خصوصاً وإما استمرار في اجترار شعارات فارغة تُرفع في مواسم الاستهلاك الإعلامي لتبرير استمرار منظومة الاستغلال.
التحرر يبدأ من حيث يبدأ الخبز والكرامة
إن التحرر الحقيقي لا يُمنح بل يُنتزع بوعي نقدي عاري من كل تملق وبمواجهة صريحة لكل أشكال الوصاية المقنعة ولا يُبنى على الشعارات الفضفاضة بل ينطلق حتماً من حيث يتقاطع الحق في الخبز مع صون الكرامة الإنسانية فلا حرية لصحفي وهو مكبل بهاجس لقمة العيش ولا استقلالية لمهنة تستبيحها عقود الإذعان والتشغيل الهش ومن هنا فإن إرساء سياسة تشغيل صارمة تُجرم هذه الأشكال المقنعة للاستغلال وتعتبر “الترسيم” حقاً أساسياً لا تقبل المساومة ولا التنازل هو الشرط الأول لأي سيادة مهنية حقيقية.
غير أن معركة الخبز لا تنفصل بحال عن معركة التحرر الاقتصادي للمؤسسات فدمقرطة الإعلام تقتضي بالضرورة كسر احتكار المال السياسي والريعي الذي اتخذ من السلطة الرابعة مطية للاستعباد وتدجين الأقلام وتحويل الصحفي من عامل مستلب الأجر إلى شريك فعلي في القرار ولن يتحقق هذا الانعتاق بانتظار الهبات الفوقية بل ببناء جدار صلب من التضامن المهني حيث تحطّم الصحفيات جدار الصمت والخوف وتتوحّد الصفوف تحت سقف النضال الطبقي العادل واضعة حداً نهائياً لزمن التشرذم والوصاية.
إن الصحافة التونسية التي أنجبت أقلاماً حرة ومقاومة لن تموت في دواخل نسائها غير أن هذا الحبر الطاهر الذي يكتب وجع الوطن كل يوم يستحق أن يُكتب بكرامة وأن يتحرر من قيد الجوع والخوف فحين تتحرر الصحفية من شبح الهشاشة سينهض الوطن من حطامه.. وحين تسقط قيود الاستغلال عن يدها ستسقط حتماً كل قيود الوهم والاستبداد.
صوت الشعب صوت الحقيقة
