الرئيسية / صوت الثقافة / إلى الطّاهر الهمّامي في ذكرى رحيله

إلى الطّاهر الهمّامي في ذكرى رحيله

لم يكن الطّاهر الهمّامي صوتا شعريّا كغيره من الأصوات الأخرى التي آثرت الانكفاء على ذاتها، أو سلكت سبلا مطروقة، أو اختارت أن تكتب ما لا يُقلق السّلطة بأنواعها المختلفة. كان صوتا استثنائيّا حتّى داخل حركة الطّليعة التي كان من أبرز شعرائها ونقّادها ومنظّريها. وهو لم يكن كذلك إلاّ لأنّه آمن بأنّ الفنّ عامّة والأدب خاصّة مدخلان إلى تفكيك المتعاليات ومساءلة السّلطة في صورها المتعدّدة، إذ لا وجود لمسلّمات أو بداهات لا تقبل أن تُنْقَدَ أو أن يكون للمثقّف فيها رأي.

والطّاهر الهمّامي ليس مثقّفا فقط، وإنّما هو مثقّف مناضل منحاز إلى الشّعب. وقد كان يطمح إلى تأسيس ثقافة بديلة تُعبّر عن هموم الوطن المتعدّدة. فكتاباته النّقديّة والنّثريّة والشّعريّة مسكونة بهاجس البحث عن بدائل سياسيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة وكوّن أسسا لتغيير الواقع وإنشاء فضاءات أخرى جديدة يستعيد فيها الإنسان رمزيّته التي تعمل السّلطة على نفيها وإلغائها.

إنّ قصيدة الطّاهر الهمّامي قصيدة مناضلة ومقاومة تُبشّر دائما بالثّورة لا في معناها السّياسيّ فقط، وإنّما في معانيها وأبعادها المختلفة. وفي قصائده العديدة – التي تحتاج إلى أن تُجمع في أعمال شعريّة كاملة -رموز وصور متضافرة على صلة قويّة بالواقع المعيش تحرّكه وتخلخل ما استقرّ فيه من عادات في الكتابة والتلقّي لذلك يمكن أن نعتبر تجربته تجربة مغايرة اجترحت لنفسها مسارات جديدة. فهو يلتقط من المعيش أشياءه البسيطة المألوفة، ولكنّه يعيد بناءها وصياغتها، فيُحوّلها إلى استعارات ذات قوّة تأثيريّة هائلة. وما من شكّ في أنّ ذلك لا يتحقّق إلاّ لمن خبر محنة الكتابة ودرّب نفسه على توليد المعنى من الأشياء البسيطة:

أرى النّخل يمشي في الشّوارع

مرفوع الجبهة فارع

يتحدّى ويصارع

هل رأيتم ذات يوم

سعف النّخيل

على السّبيل

هل رأيتم نخل واحة

فوق ساحة

وجريحا ينزع الحبّة من صدره

ويلمّ جراحه؟

٭٭٭٭

نكّس الخروع أعناقه

وطوى العنصل أوراقه

٭٭٭٭

أرى النّخل يمشي

وسط الزّحمة يمشي

وسط العتمة يمشي

وسط الهجمة يمشي

مشدود الهُدب إلى الشّمس

موعود الصّابة

أيّها النّاسي صوابه

أيّها المبدّل بالوهم ثيابه

النّخل لا يبكي

النّخل يغنّي

مع العصافير والأطفال

مع مياه البحر

مع قمح الجبال

مع البرق

مع الخريف الهادر

مع الشّتاء

أرى النّخل يمشي في الشّوارع

بحديد المعامل

وحصيد المزارع

ورغم اللّيالي

ورغم المواجع

أرى النّخل عالي

ولا يتراجع!

إنّ هذه القصيدة على سبيل التّمثيل لا الحصر تبتدع رموزها وتُنشئ معانيها من المألوف المتداول في خطابات النّاس اليوميّة، ولكنّها ترتقي بتلك الرّموز والمعاني إلى مرتبة الكونيّ. فالتّبشير بالثّورة يجري في هذه القصيدة، في صورة متعدّدة (النّخل يمشي في الشّوارع، جريح ينزع الحبّة من صدره، جريح يلمّ جراحه، نخل يمشي وسط الهجمة، نخل مشدود إلى الشّمس، نخل يغنّي مع الشّتاء، مع الأطفال…، حديد المعامل، حصيد المزارع، نخل لا يتراجع رغم المواجع…)

ما من شكّ في أنّ مثل هذه الصّور تجمع بين دلالات فنيّة خالصة وأخرى سياسيّة لأنّ صاحبها لا يفصل بين الأدب والالتزام. فالطّاهر يرى أنّ الشّاعر والكاتب والمثقّف عامّة معنيّون جميعهم بالانخراط في الشّأن العامّ لسبب بسيط وهو أنّه لا معنى للثّقافة إذا لم تُحرّر الإنسان من قيوده المتعدّدة والمتجدّدة باستمرار، وما لم يكن الفعل الثّقافيّ مدخلا إلى تغيير التّاريخ أو طرح الأسئلة على الأقلّ.

إنّ التزام الطّاهر الهمّامي بقضايا الشّعب لم يكن التزاما سياسيّا فقط، وإنّما كان التزاما ثقافيّا كذلك. وهذه مهمّة عسيرة يحتاج صاحبها إلى كثير من الصّبر والشّجاعة والجرأة. وهذه خصال حازها الطّاهر وعُرِفَ بها. ونصوصه وحدها كافية لأن تكون شاهدة على خصاله التي تمّ ذكرها.

إنّ الخلفيّة التي كانت توجّه الطّاهر الهمّامي هي خلفيّة الباحث عن أفق ثوريّ يتحرّر فيه الإنسان من العبوديّة المعاصرة، عبوديّة الرّأسماليّة المتوحّشة التي تعمل في كلّ يوم على إحكام قبضتها على الشّعوب. وهذا الانحياز للشّعب والتّعبير عن آلامه وآماله لا يُقدم عليه إلاّ من نذر نفسه لأن يكون مستعدّا للتّضحية في كلّ حين. وقد كان الطّاهر الهمّامي كذلك. فهو لم يَخَفْ ولم يُساوم ولم يتراجع. وهذا هو معنى التّناغم بين القول والموقع والموقف.

    عمر حفيّظ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى