الرئيسية / صوت الاقتصاد / القرض الرّقاعي كارثة على تونس

القرض الرّقاعي كارثة على تونس

d346782e8f43ada7ebf4ba38d725daca (1)

بقلم لطفي بن عيسى                                                                                                       

أصدر البنك المركزي بيانا بتاريخ 27 جانفي 2015 يُعلم فيه الرأي العام التونسي أنّ الحملة التحسيسية لغاية الاقتراض من السوق المالية العالمية دون ضمان دولة ما التي قام بها كلّ من وزير الاقتصاد والمالية ونائب محافظ البنك المركزي في أوساط المستثمرين الدوليين بالولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة الممتدة بين 16 و26 جانفي 2015 قد كللت بالنجاح حيث تحصّلت تونس على قرض رقاعي بـ1 مليار دولار أمريكي (ما يعادل 1900 مليون دينار) والذي سيقع تسديده على 10 سنوات بنسبة فائدة قدرها 5.75% سنويا بإدارة مشتركة من بنكين أمريكيين (جي بي مورغن وسيتي بنك) وبنك أوروبي (ناتيكسيس) وذلك بهدف تمويل ميزانية الدولة لسنة 2015. كما جاء بالبيان أنّ قاعدة المستثمرين الذين تم استقطابهم تمثل محورا رئيسيا للتمويل المستقبلي للاقتصاد التونسي في السوق المالية.

للتذكير لقد صاغت الحكومة المتخلية قانون المالية لسنة 2015 بناء على المِؤشرات العامة التالية:

–        ضبط نسبة نمو لسنة 2015  في حدود 3%.  (النسبة المقدرة لسنة 2014  آخر تحيين : 2.2%).

–        اعتماد معدل سعر الدولار: 1.800 د (مقابل 1.670 لسنة 2014).

–        معدل سعر البرميل من النفط في حدود  95 دولار  (مقابل 110 دولار سنة 2014) وهو اليوم  دون الـ50 دولار. وتقديرات السنة هي في حدود 53 دولار.

–        تثبيت مناب الموارد الذاتية في حدود 75% من الموارد العامة للميزانية.

–        نسبة ضغط جبائي في حدود 22.5 %  من الناتج الداخلي الخام مقابل 22.7 % سنة 2014.

هذا وقد تم حصر عجز الميزانية في حدود 5% (7500 مليون دينار). (مقابل 6% سنة 2014 و6.7 %. سنة 2013) فيما ارتفع حجم الدين العمومي إلى حدود 52.5 % من الناتج الداخلي الخام منه 46 % بعنوان الدين الخارجي.

في هذا السياق أصرّت حكومة المهدي جمعة على اللجوء مجددا إلى الاقتراض الخارجي في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية وترقيم سيادي للاقتصاد التونسي من قبل وكالات الترقيم في أدنى مستوى (-BB) وبشروط مجحفة ومهينة أي بنسبة فائدة مشطة تفوق ثلاثة مرات نسبة النمو أو بمعنى آخر مجمل المجهود الوطني لخلق الثروة طيلة سنة كاملة. بالإضافة إلى العمولة المدفوعة للبنوك الثلاثة المذكورة التي قامت بهيكلة القرض (تقدر ما بين 3 و 5 ملايين دولار). علما أنّ التداين يتزايد عندما ينمو عجز الميزانية بوتيرة أسرع من نمو الناتج المحلي الإجمالي وهو واقعنا اليوم (عجز بـ6 % مقابل نمو بـ 2%)

لقد اختارت الحكومة أسوأ آلية لتدارك عجز الميزانية (وهو الفارق بين موارد الدولة دون اعتبار القروض ونفقاتها دون اعتبار خدمة الدّين أصلا وفوائد) وهي آلية التداين الخارجي الذي يزيد من تبعية اقتصادنا للدوائر المالية الخارجية ويرهن سيادة بلادنا واستقلال قرارها في المجال التنموي خاصة، غايتها في ذلك التحكم في عجز الميزانية الذي جعلت منه رهانها الرئيسي بحكم انخراطها الكامل في النهج الليبرالي الجديد الذي يعطي الأولوية للتوازنات العامة لا سيّما المالية على حساب التوازنات الحقيقية بين الطبقات الاجتماعية والجهات والأجيال في ما يتعلق بمنوال التنمية.

القرض الرقاعي الذي نحن بصدده سيثقل ميزانية الدولة بأكثر من 200 مليون دينار سنويا ليتجاوز حجم الدّين العمومي عتبة 8 آلاف مليون دينار سنة 2017 باعتبار أننا سنشرع في دفع خدمة دين القروض الجديدة الممنوحة لتونس بعد الثورة وهو قرض غير مجد اقتصاديا باعتباره غير موجه للاستثمار العمومي والتنمية وخلق الثروة  بل إنه موجه للاستهلاك فقط.

من ناحية أخرى لا شيء يبرّر توقيت إصدار الرقاع المذكور لا سيما أنّ التركيبة الحكومية الجديدة هي المؤهّلة لأخذ مثل هذه المبادرات باعتبارها مؤتمنة على تطبيق ميزانية سنة 2015 بقطع النظر عن حكمنا عليها خاصة وأنه تأكّد أنّ وكالات  الترقيم السيادي بصدد تحسين التصنيف السيادي لتونس وأنها  ستنشر تقريرها قبل نهاية الثلاثي الأوّل من هذه السنة.

 كما تبيّن خطأ تقديرات الحكومة السابقة في ما يتعلق بسعر برميل النفط ما يوفّر هامشا لا يُستهان به لتصحيح العديد من الإجراءات التقشفية وخاصة ما يتعلق بمنظومة الدعم  متى توفّرت الإرادة السياسية لذلك طبعا.

ويحوصل الجدول التالي تقديرات تطوّر خدمة الدّين العمومي بحساب مليون دينار من سنة 2010 إلى سنة 2017 دون اعتبار التمويلات الإضافية منها المذكورة أعلاه بعنوان سنتي 2014 و2015  (المصدر وزارة المالية والاقتصاد).

السنة

 

2010

2011

2012

2013

2014

2015

2016

2017

الدين

الخارجي

2052

2596

2513

2229

1725

1839

2009

3286

الدين الداخلي

1567

1013

1606

2177

2950

2926

2738

2748

المجموع

 

3618

3608

4119

4406

4675

4765

4738

6034

يتضح من هذا الجدول أنّ ذروة خدمة الدّين المنتظرة ستكون سنة 2017 حيث ينتظر تسديد مبلغين الأول بقيم  870 مليون دينار (قرض قطري خاص) والثاني بقيمة 250 مليون دينار (قرض من السوق اليابانية) .

أما الحكومة الجديدة وبناء على طبيعة مكوّناتها الأساسية فمن الأرجح أنها ستواصل نفس المنهج الليبرالي التّبعي بل أن  خطاب السياسة العامة لرئيس الحكومة الجديد أمام مجلس نواب الشعب ترك الباب واسعا لترسيخ هذه الخيارات وفق طلبات وشروط المؤسسات المالية الدولية والدول الرأسمالية المانحة التي ترى في الانتقال الاقتصادي لتونس مزيدا من التبعية للخارج والانفتاح لا سيما في مجال الخدمات وتعزيز لسلطة السوق والمنافسة اللاّمتكافئة على حساب دور الدولة الاجتماعي والاستثماري والحامي للنسيج الاقتصادي الوطني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى