الرئيسية / صوت العالم / في ختام مؤتمر “أستانة”: النظام يواصل التقدّم والمعارضة في ورطة

في ختام مؤتمر “أستانة”: النظام يواصل التقدّم والمعارضة في ورطة

مثلما كان متوقّعا لم يتوصّل مؤتمر أستانة إلى حلّ الخلاف بين النظام السوري وبين المعارضة واكتفى بإصدار بيان ختامي تضمّن اتفاقا بين القوى الراعية للمؤتمر بضرورة تثبيت وقف إطلاق النار. ورغم كل المحاولات التي بذلتها هذه القوى لإقناع النظام والمعارضة بالجلوس إلى طاولة المفاوضات فإن كل طرف حاول فرض شروطه على الطرف الآخر.Untitled-3

وقد بدا واضحا أن النظام يسعى إلى مزيد عزل المعارضة وكشف تورّطها في الإرهاب ومواصلة الهجوم العسكري عليها في حين حاولت المعارضة الظهور بمظهر القادر على مواصلة القتال رغم خسارتها لأغلب المواقع وتخلّي حلفاء الأمس عنها.

النظام يواصل الهجوم

دخل النظام السوري المؤتمر في موقع القوّة بعد أن تمكّن من تحرير حلب وتضييق الخناق على المعارضة وعزلها عن محيطها الإقليمي والدولي مستفيدا من تذبذب الجانب التركي الذي أعرب صراحة عن قبوله بالأسد وعدم اشتراط رحيله معتبرا ذلك أمرا غير واقعي بعد المستجدّات الأخيرة. كما يحاول النظام استغلال التقارب الروسي الأمريكي بعد انتخاب ترامب الذي أبدى تفهما للسياسة الروسية حيال الأزمة السورية وعبّر عن استعداده للمشاركة في المفاوضات حول مستقبل العملية السياسية في هذا البلد.

وكان الرئيس السوري قد توقّع عدم تحقيق أهداف هامة من المؤتمر فقد صرح قبيل انعقاد المؤتمر بأن هدف مفاوضاتأستانا” هو ضم “الجماعات الإرهابية” إلى مصالحات وطنية ووقف إطلاق النار، مضيفا في مقابلة مع قناة “تي بي إس” اليابانية بأن مؤتمر “أستانا” المزمع عقده الاثنين المقبل سيكون بين الحكومة السورية وما سماها الجماعات الإرهابية، بهدف ضم هذه الجماعات إلى مصالحات وطنية وإلقائها السلاح.

وأضاف الأسد أنه ليست لديه توقعات من مؤتمر أستانا، لكنه يأمل أن يكون منبرا لمحادثات بين مختلف الأطراف السورية، والتركيز على وقف إطلاق النار لحماية المدنيين، ونفى الأسد أن يكون الغرض من المؤتمر إجراء محادثات سياسية، وذلك لعدم وضوح الأطراف المشاركة فيه.

المعارضة في مأزق

حاولت المعارضة السورية الظهور بمظهر المعارضة القوية القادرة على مواصلة القتال لفرض شروطها ورؤيتها للحل في سوريا لكنّ كلّ متابع نزيه للوضع في سوريا يدرك أن هذه المعارضة قد خسرت أهمّ أوراقها وانكشف ضعفها وممارستها للإرهاب وتشجيعها عليه وارتباطها بقوى إقليمية وعالمية لا تريد الخير لسوريا.

لقد وجدت هذه المعارضة نفسها معزولة ومشتّتة بعد تخلي تركيا مكرهة عنها وانضمامها للحلف الروسي الإيراني. كما كشفت هذه المعارضة عن عمالتها لقوى إقليمية تدعم الإرهاب سرا وتسعى لزعزعة الوضع في سوريا من خلال دعم تنظيمات إرهابية مرتبطة بالقاعدة وبتنظيم الدولة مثل “جبهة النصرة” التي دافع عنها وفد المعارضة ضمنيا معتبرا أن كل من يقاتل نظام بشار هو تنظيم معارض.

وقد طلب وفد المعارضة أن يشمل وقف إطلاق النار الحرب التي يشنها النظام في “وادي بردى” ضد التنظيمات المسلحة التي تسيطر على هذه المنطقة رغم أن ما تقوم به هذا التنظيمات يعد جريمة حرب، وذلك ليس بقطع المياه عن ما يزيد على خمسة ملايين مواطن سوري فحسب، وإنما بتلويث هذه المياه وإراقة الفائض منها في الشوارع والأنهار، وهو ما اعتبرته أيضًا الأمم المتحدة جريمة حرب، وكذلك رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه التنظيمات الإرهابية المسلحة المشاركة في مؤتمر أستانا يستثني تنظيمي “داعش والنصرة”، وهذا يعني فيما يعني أن ثمة محاولة كانت لحجز أكثر من مقعد على طاولة المحادثات في أستانا بالأصالة والوكالة لـ”تنظيم النصرة” الإرهابي.

وكان رئيس وفد الفصائل السورية المعارضة إلى أستانا محمد علوش قال أمس إن المعارضة ستعمل على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انتهاكات النظام، مشددا على أن هذه المفاوضات جبهة من جبهات القتال.

“أستانة” وسياسة الأمر الواقع…

إن النتائج المعلنة في مؤتمر أستانة لا يمكن اعتمادها مرجعا لما ستؤول إليه الأوضاع مستقبلا في سوريا لأن هذا المؤتمر لم يكن مؤتمرا من أجل حل سياسي مستقبلي بين المعارضة بقدر ما كان لقاء بين القوى العظمى والإقليمية للاتفاق حول تثبيت وقف إطلاق النار وهذا في حد ذاته يعتبر في صالح الشعب السوري الذي ذاق ذرعا بالاقتتال ويتطلّع للتهدئة حتى يعود اللاجئون وتعود الحياة للمدن والقرى المهجرة.

ويبدو أنّ المعارضة مهما حاولت الهروب إلى الأمام فإنها ستجد نفسها في النهاية مجبرة على القبول بسياسة الأمر الواقع وإنهاء الاقتتال والجلوس إلى طاولة المفاوضات أو اختيار المنفى. وسيجد النظام السوري نفسه في مواجهة التنظيمات الأكثر تشددا المرتبطة بالقاعدة وبداعش وتبقى ما تسمى بالمعارضة المعتدلة معزولة ومهمشة ولا خيار أمامها سوى مساندة النظام في حربه هذه أو الدخول في حرب خاسرة معه.

ورغم التشاؤم الذي خيّم على الوضع السوري بعد الفشل النسبي لمؤتمر أستانة فإن الأمل مازال قائما لخروج سوريا من أزمتها وتوصّل مكونات النسيج السياسي السوري إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية تتركّب من كل القوى التي لم تتورّط في جرائم إرهابية ضدّ الشعب السوري.

عبد الجبّار المدّوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى