الرئيسية / صوت الوطن / على هامش اعتقال بن بريك: إذا كانت رسالتكم واضحة فرسالتنا أوضح: الحرّية ولا شيء غير الحرّية
على هامش اعتقال بن بريك:  إذا كانت رسالتكم واضحة فرسالتنا أوضح: الحرّية ولا شيء غير الحرّية

على هامش اعتقال بن بريك: إذا كانت رسالتكم واضحة فرسالتنا أوضح: الحرّية ولا شيء غير الحرّية

بقلم: حمّه الهمامي

اليوم وأنا أضمّ صوتي إلى صوت كل المنادين بالإطلاق الفوري لسراح توفيق بن بريك المحتجز منذ 23 جويلية بسجن المرناقية لأنّه اتّهم جهاز القضاء بعدم الاستقلالية وعدم الحياد، فإنّني أقوم بذلك لسببين رئيسيين على الأقل، الأول شخصي والثاني موضوعي. فأما السبب الشخصي فيتمثل في كوني أنا وراضية وبناتنا مدينين بالكثير لهذا الرجل. ففي أيام الجمر كان بن بريك من بين القلة القليلة التي ظلت لسنوات طويلة تجرؤ على زيارة راضية في منزلها المحاصر ليلا نهارا بعسس بن علي وهي وحيدة مع “البنات”. وعندما أضربت راضية عن الطعام لمدة 58 يوما في عام 2003 احتجاجا على قمع بن علي جنّد توفيق بن بريك قلمه للدّفاع عن راضية كما لم يجنّده أحد محوّلا إضرابها إلى حدث عالمي، مستخدما في ذلك كل ما لديه من طاقات إبداعية (تنويع زوايا النظر، تنويع شكل الكتابة الخ…). وفي أيّام الجمر أيضا وعندما كنت مطاردا أو مسجونا كان بن بريك صوتي في الأوساط التي لا يصلها صوت رفيقاتي ورفاقي. وكتب عني ما كتب في مؤلفه الشهير باللغة الفرنسية «Le rire de la balaine » (ضحك الدلفين). وكان من القلائل الذين جرؤا على إجراء حوار صحفي معي وأنا في السرية في الفترة الفاصلة بين 1998 و2002 دون أن يخشى جبروت بن علي وآلته القمعية. وحتى بعد الثورة وحين تحركت الأصوات والأقلام المأجورة لتسبّ وتشتم وتشوّه كان بن بريك حاضرا ليزمجر و”يعربد” في وجه المفترين والكذابين والمأجورين بمختلف مشاربهم.

أما السّبب الثاني فلا أحد يتنفس اليوم حرية بإمكانه، في رأيي، أن ينكر أنه مدين بهذه الدرجة أو لتلك لشخص توفيق بن بريك الصحفي والكاتب المبدع. وليس في هذا أية مبالغة. فليعلم الذين لم يعيشوا تلك الفترة السوداء من حكم بن علي أو أنهم عاشوها ونسوها أو تناسوها أن بن بريك قدر بقلمه “المسيّب”، أي المتحرّر حقّا، وبجرأته وشجاعته يوم أقدم في ربيع عام 2000 على الإضراب عن الطعام لمدة طويلة، على زعزعة أركان نظام بن علي، بل دعوني أقول إن الفضل يرجع لبن بريك في ذلك الوقت بالذات في إنزال بن علي الصّنم من عليائه وتمريغ أنفه في التّراب وهو ما جعل الناس “يخرطوا عليه” (لم أجد عبارة أستعملها أفضل من هذه العبارة العامية) ويجرؤون عليه ففقد هالته الزائفة وأصبحت أفعاله و”عمايلو” محل نقد وحتّى تندّر. ولم يكن القيام بهذا الدور سهلا أو متيسّرا لأي كان في وقت كان فيه بن علي يحاسب الناس حتى على صمتهم لأن الطبيعي بالنسبة إليه أن يتكلم الناس جميعا مادحين شاكرين فضله وإلا أصبحوا محلّ شكّ.

توفيق بن بريك كان من فصيل خاص. خُلق ليكون “مسيّب”، بمعنى الحر، الطليق، “يقول كلمتو وما يرشفها لحتّى حد”. وكان له إلى جانب هذه الشجاعة الثقافة الواسعة والأدوات الفنية المناسبة، وهو ما جعل منه مبدعا متفردا بلغته وأسلوبه وأفكاره ومواقفه. فلو لم يكن بن بريك “مسيّب”، لو كان “يحسب” الربح والخسارة فيما يكتب، لما كان بن بريك أصلا، بل لكان ذلك الصحفي أو الكاتب العادي، المغمور، الذي يمرّ دون ترك أثر لأنه يكتب كما تكتب الغالبية. بن بريك “المسيّب”، الحرّ، الطليق لا تعرف مسبقا “الطّلعة اللي باش يطلع بيها” ولا الوجهة التي سيسوقك إليها. هو المتمرّد بلا هوادة. “صائد” في كل المياه، العكر منها وحتى الصافي إن شئت، صيد لا يتقنه إلا هو. بن بريك “المسيّب”، هو “اللي تسيّب” على بن علي كما لم “يتسيب عليه” أحد مسهما في فضحه وفي التشهير به في كل أنحاء العالم وفي تعبيد طريق الشعب التونسي نحو الحرية. ومع ذلك فهو يجد نفسه اليوم، تسع سنوات بعد إسقاط الدكتاتورية وافتكاك الحرية السياسية التي كان له فيه دور بارز، في “بو فردة”، خلف أسوار سجن المرناقيّة. يا للسخريّة .

إن “ذنب” بن بريك هذه المرة، هو من صنف “الذنوب” التي كان يرتكبها في زمن بن علي. الرجل “تسيّب” على القضاء بمناسبة قضية لعبت فيها تصفية الحسابات السياسية قبل الانتخابات الأخيرة دورا بارزا. لقد اتّهم بن بريك القضاء بالتبعية والولاء للسلطة التنفيذية. وهو ما أغاظ بعض القضاة وحتى جمعيتهم. ولكن هل قال بن بريك في تصريحاته وبقطع النظر عن أسلوبه “البن بريكي”، “الزغلامي” الخاص بما فيه من توابل مرّة كالعلقم و”محرحرة” كفلفل برّ العبيد، شيئا غير الحقيقة؟ لنعد قليلا إلى الوراء. فإذا كان القضاء التونسي مستقلا ومحايدا، لا خاضعا، مطيعا، خدوما، فمن ساق إذن عشرات المعارضين في عهد بورقيبة وبن علي إلى المشنقة؟ ومن زج بعشرات الآلاف من معارضيهما والمحتجين عليهما من مختلف النزعات الفكرية والسياسية ومن مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية، الكادحة والفقيرة، في السجن؟ ومن تستّر على ممارسة التعذيب الممنهج الذي اعتمد أسلوب حكم وأودى بحياة العشرات من المعارضين كما تستر على أعمال القمع الكبرى التي أدت إلى استشهاد المئات من الفقراء والمعدمين بمناسبة الإضرابات العامة أو الاحتجاجات الشعبية؟ ومن غطى الجرائم الاقتصادية والمالية (الفساد الخ…) التي ارتكبها نظام حزب الدستور على حساب الشعب والوطن؟ من رفع صوته من القضاة عدا قلة قليلة من الشريفات والشرفاء سواء بالمحاكم العادية أو بالمحكمة الإدارية في وجه هذا النظام ليطالب باستقلالية القضاء؟ ألم تكن الأغلبية خادمة، مطيعة؟ لو أردنا تقديم أمثلة عن كل هذا لتطلب منا الأمر تأليف كتب لا كتاب واحد.

وبعد الثورة حدثونا عما حصل للقضاء؟ هل تم إصلاحه؟ هل تمت مساءلة ومحاسبة كل القضاة الذين أجرموا على حساب الوطن والشعب وكانوا ذراع بن علي ونظامه القمعي والفاسد والعميل؟ هل أعيد تنظيم القضاء على أسس جديدة تضمن له الاستقلالية والنزاهة والعدل؟ بالطّبع لا؟ كل ما حصل هو أن حركة النهضة التي أخذت السلطة بعد انتخابات 2011 حافظت على الجهاز كما هو واستعملته كما استعمله بن علي لتوطيد سلطتها ومواجهة خصومها وتشريع تجاوزاتها. وهو ما فعله أيضا، بالتّواطؤ معها، بعض الذين قاسموها السلطة (يوسف الشاهد خاصة) ليستعملوا القضاء أداة لتصفية خصومهم السياسيين. إنّ الجهاز القضائي اليوم لا هو مستقل ولا هو نزيه ولا هو عادل بل إنه جهاز ظالم، ينخره الفساد وهو يتستر، عبر عدد من القضاة الماسكين بزمام الأمور، على جرائم كثيرة في مقدمتها جرائم الاغتيال السياسي. إنني أتحداكم أن تعطوني قضية واحدة رئيسية تورطت فيها حركة النهضة أو بعض من تواطأ معها من أحزاب اليمين الأخرى وبت فيها القضاء باستقلالية وحياد.

إنّ بن بريك حين “تسيّب” على القضاء ليتّهمه بعدم الاستقلاليّة وعدم الحياد لم يخطئ، بل وصف واقعا يعرفه القاصي والدّاني بل أصبح قناعة لدى المواطن العادي الذي يردّد: “القانون ما يطبّق كان على الفقير وعلى اللّي ما عندوش كتف”. ولكن علينا أن نسأل ما هي الرسالة التي يريد جهاز القضاء أو بعض المتنفذين فيه تبليغها إلى “الناس” من خلال اعتقال بن بريك الذي يتزامن مع أحكام أخرى ضد مدونين وناشطين سياسيين؟ الجواب واضح بالنسبة إلينا. إنّ القضاء الذي يمتلك سلطة سلب الناس حريتهم عبر ترسانة من القوانين الرجعية، القمعية التي يعود عدد كبير منها، بما فيها القانون الذي اعتمد لحبس بن بريك، إلى العهد الاستعماري، يريد تخويف المواطنات والمواطنين وترهيبهم حتى لا يجرؤوا على نقد جهاز القضاء وفضح ممارساته. وما من شك في أن بن بريك “ما فوقش راسو ريشة” لو ارتكب جريمة حق عام، ولكن بن بريك عبر عن موقف وعن رأي بأسلوبه الخاص المعهود لذلك فإن الرسالة التي يراد تبليغها ليست كما تدعي جمعية القضاة بأن “لا أحد فوق القانون” بل هي: “اسكتوا خيرلكم، بن بريك وما أدراك رميناه في الحبس”. وبالطبع فنحن واعون تمام الوعي بأن هذه العقلية الانتقامية تحرك أصنافا عدّة من القضاة بعضهم كان في خدمة بن علي ويريد اليوم التشفّي وبعضهم في خدمة حركة النّهضة ويريد فرض سيطرته وبعضهم الثالث “صاحب مصلحة” لا تتحقق إلا بتكميم الأفواه.

وفي كلمة فإن بلادنا اليوم تقع ضحية لتعثّر الثورة في منتصف الطريق. فلئن ضربنا الشكل الاستبدادي للدولة وافتككنا الحرية السياسية ومنها حرية الإعلام وتكوين الأحزاب والجمعيات والتظاهر الخ… فإنّ ما تبقى لم يتغير، لا طبيعة الدولة الطبقية ولا مؤسساتها ولا أجهزتها الأيديولوجية والسياسية والإدارية والأمنية ولا قاعدتها الاقتصادية والاجتماعية ولا خياراتها الثقافية ولا منظومتها القيميّة، وهو ما يهدّد اليوم حتى مكسب الحرية ذاته. وما اعتقال بن بريك إلا أحد أبرز الشواهد على ذلك. فما ذا يمكن أن تكون رسالتنا والحال على ما هو عليه إذن؟ “نحن هنا، نحن لها” يا من ذهب في ظنّكم أن الأمر استتبّ لكم وأنكم قادرون على العودة بنا إلى الوراء. كونوا على يقين بأنكم بأعمالكم الوقحة تحفزوننا على إعادة تكتيل جهودنا وتقوية علاقتنا بشعبنا لنكون في الأوقات الحاسمة على استعداد للمواجهة وتحقيق الانتصار. فكما كان الانتصار على دكتاتورية بن علي ممكنا سيكون الانتصار على نظام الفساد والعمالة الذي احتل مكانه ممكنا أيضا. ولكن هذه المرة سنعمل على ألا يكون النظام الجديد نسخة من النظام القديم بل سنعمل على أن يكون جديدا بحق، من صلب الشعب ومن عمق مطالبه وطموحاته.

فإلى الملتقى قريبا يا توفيق.
فنحن وإن اختلفنا في الاختيارات السياسية، في هذا الظرف أو ذاك، فإن عشق الحرية سيظلّ يجمعنا على الدوام.
“الحبس كذاب والحي يروّح”.
أخوك وصديقك حمه الهمامي

نشر بجريدة المغرب 
04 أوت 2020

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى