الرئيسية / الورقية / اللإفتتاحية : اليوم كما بالأمس، الفساد سمة لحكمهم
اللإفتتاحية : اليوم كما بالأمس، الفساد سمة لحكمهم

اللإفتتاحية : اليوم كما بالأمس، الفساد سمة لحكمهم

التقى صبيحة الأربعاء غرة جوان وفد من المجلس المركزي للجبهة الشعبية مع الأستاذ شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. وقد تركّز اللقاء حول التفاقم غير المسبوق لهذه الظاهرة التي طالت كلّ مفاصل الدولة والإدارة ومراكز القرار، عموديا وأفقيا، بما يطرح بإلحاح كبير ضرورة ضبط خطة وطنية لمقاومتها. ولكن المشكل كل المشكل يتمثل في غياب الإرادة السياسية لإعلان هذه الخطة وهو ما يهدّد بلادنا بمخاطر جسيمة إذ لا يُرجى أيّ إصلاح أو تغيير في أيّ مجال من المجالات والفساد ينخر الدولة والمجتمع.

إنّ حجم الفساد يسبّب اليوم خسارة حوالي 2 % من نسبة النموّ، وهو ما يعني خسارة حوالي 100 ألف موطن شغل، وفي ذلك دليل على أنّ الفساد أصبح يشكّل نزيفا وعائقا أمام النموّ والتقدم. ولقد كان الفساد جزءً من منظومة الحكم زمن بورقيبة وبلغ مدى كبيرا مع نظام بن علي إذ دخلت البلاد مرحلة الفساد من الحجم الكبير بزعامة عائلة بن علي وأصهاره والمقرّبين منهم الذين وضعوا أيديهم على مفاصل اقتصاد البلاد وأخضعوا مؤسسات الدولة بل “خوصصوها” لتخدم مصالحهم.

لقد كانت مصالح الدولة تقوم بإفلاس المؤسسات العمومية تمهيدا لخوصصتها والتفريط فيها لأفراد العائلات المتنفذة التي كانت أيضا تحتكر الوساطة في الصفقات العمومية للحصول على العمولات. وقد وصل الطغيان بعائلات بن علي والطرابلسية والماطري حدّ أنها كانت تتدخل وتفتكّ الأملاك وتفرض الاشتراك في ملكية ضيعات ومصانع ومعامل مع أصحابها مقابل حمايتهم، كما خلقت جيشا من كبار موظفي الدولة لخدمة مصالحها ومصالح أحبابها وزبائنها سواء كان ذلك في إدارة الجباية أو الديوانة أو الأمن أو القضاء أو الإعلام، الخ.

وقد استشرى الأمر حدّ أن أصبح الفساد سمة للحكم والدولة من أصغر مسؤول إلى أكبر مسؤول فيها، أي بن علي الذي كان أكبر الفاسدين وزعيم عصابة الفساد والإفساد. ناهيك أنه كان يتولى شخصيا إبداء الرأي حتى في رخص بيع الخمر، وكان أفراد من عائلته وعائلة أصهاره يتدخلون في نتائج المناظرات ويتولون تشغيل هذا وذاك أو نقلته من جهة إلى أخرى مقابل مبالغ محددة. وقد نجح النظام الدكتاتوري في تحويل الفساد إلى منظومة قائمة تتجاوز الدولة إلى نسيج الجمعيات والأحزاب والمنظمات الديكورية التي بعثتها أو دجّنتها، فشاع التدليس والتزوير وشراء الذمم.

وبعد الثورة التي كان من أسباب اندلاعها تفاقم الفساد، ومن شعاراتها المركزية مقاومته. وتشير كل المؤشرات إلى ارتفاع معدلاته، ولا أدلّ على ذلك من تراجع ترتيب بلادنا في سلّم الدول الفاسدة الذي تنشره سنويا منظمة الشفافية الدولية. ولا أدل على ذلك أيضا ممّا صرّح به شوقي الطبيب منذ تسلّمه رئاسة الهيئة بكون الفساد وصل مستوى يمكن معه الحديث عن وجود دولة المافيات، وهو ما يتطلب إرادة شجاعة للتصدي له.

وإذا بلغ الفساد مثل هذا الحجم بعد الثورة فلأن الحكومات المتعاقبة منذ سقوط بن علي لا تمتّ إلى الثورة بصلة وقد أدارت ظهرها لمطالب الشعب وواصلت في نفس الاختيارات اللاشعبية واللاوطنية، ولم تصلح مؤسسات الدولة. ولم تعلن الحرب على الفساد بل أصبحت ضالعة فيه وانخرطت في منظومته. إنّ الفساد الذي كان سمة النظام الدكتاتوري قبل الثورة، أصبح أيضا سمة لكلّ حكومات ما بعد الثورة.

إنّ القناعة حاصلة لدينا اليوم، في حزب العمال وفي الجبهة الشعبية، كما هي حاصلة لدى قطاعات متعاظمة من جماهير الشعب، أنّ المعركة ضد الفساد هي جزء من المعركة ضد القوى الرجعية والمعادية للثورة التي تعبّر عن مصالح الفئات البورجوازية الطفيلية، ولا بدّ من أن تكون هذه المعركة اليوم ضمن الأولويات في نضال القوى الثورية والديمقراطية والتقدمية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×