الرئيسية / صوت الجهات / المهديّة: كُنوز تُنهب وذاكرة تُخرّب
المهديّة: كُنوز تُنهب وذاكرة تُخرّب

المهديّة: كُنوز تُنهب وذاكرة تُخرّب

تشهد أغلب مناطق بلادنا منذ أشهر عمليّات تخريب دائمة للمواقع والمعالم الأثريّة، ولا يمرّ أسبوع واحد دون أن تُعلن مصالح وزارة الداخليّة أنّها قامت بإيقاف عدد من العناصر بصدد التنقيب عن الآثار أو محاولة بيع بعض القطع الأثريّة، أحد أنواع الجريمة الذي سيطرت عليه عائلة الرّئيس المخلوع قبل الثورة.

Untitled-1

وتُعتبر ولاية المهديّة من أهم المناطق الأثريّة في تونس. فقد تعاقبت عليها حضارات كثيرة، ومرّت من الأمازيغيّة إلى الرومان فالعهد الإسلامي والدولة الفاطمية والعثمانية وغيرها.

وتضمّ هذه المدينة معالم أثرية كبيرة من حيث الضخامة والأهميّة المعماريّة والتاريخيّة كمسرح الجم والرّباط العثماني والميناء البونيقي وبرج خديجة الرّصفية. كما تحمل في باطنها أسرارا مازالت مخفيّة تحت التراب تنتظر الباحث الذي سيكشف عنها شريطة أن يكون من الأيادي الأمينة التي تُحافظ عليه.

 المهديّة هدف لعصابات الكنوز

خلال الأسابيع الماضية تمّ إيقاف شخص في مدينة ملولش من ولاية المهدية وبحوزته تمثال ذهبيّ لعلّيسة وتمثال ثان لفارس يمتطي حصانا وعدد من العملات الذهبيّة. وفي أحواز مدينة الجم تمّ الإيقاع بمجموعة من الأشخاص يُحاولون استخراج بعض الكنوز مُستعملين في ذلك الشّعوذة.

كما أقدم مجهولون يوم الأحد الماضي على اقتحام محلّ مهجور في المدينة العتيقة بالمهدية وقاموا باستخراج كنز “ذخيرة” كانت مخبّأة على عمق نحو مترين، وفق ما أكّده صاحب المحل.

وتنتشر الحُفر في محيط بعض المناطق الأثرية كأحواز وريف مدينة الجم الرومانيّة وغابة مدينة الشابة، ومقامات الأولياء الصالحين الذين تمّ تخريب أغلبهم بحفر قبورهم وسرقة الرفات.

النّسبة الأهم من الأشخاص الذين تمّ إيقافهم ينتمون إلى تلك المناطق. وبالاطّلاع على بعض محاضر البحث، اتّضح أنّ بحثهم على الكنوز والآثار كان في شكل مبادرات فرديّة بحثا عن المال والثراء. كما تمّ الإيقاع بمجموعات أخرى في شكل عصابات منظّمة تتعامل مع محليين من المناطق المُستهدفة وأجانب كذلك. وتُفيد مصادرنا أنّ جنسيات الأجانب غالبا ما تكون مغربيّة، خاصة عندما يتعلّق الأمر باستخراج كنز أو قطع أثريّة باستحضار الجان والسّحر والشّعوذة.

 القيمة الماديّة والتّاريخيّة للآثار

وحسب المعهد الوطني للتراث فإنّ الكنوز والقطع الأثرية المُستخرجة هي من قبيل التماثيل من الذهب أو المرمر، والقطع النقديّة القديمة وخاصّة الرومانية، والقناديل والجرار، وبدرجة أقل الكتب والمخطوطات واللوحات الفنيّة.

وقيمة القطع المُستخرجة عادة ما تكون مُرتفعة وتفوق عشرات الملايين، لكن ذلك لا يعكس قيمتها الحقيقيّة وخاصّة التاريخيّة.

 استعمال تقنيّات حديثة

وتستعمل عصابات البحث عن الآثار والكنوز أساليب مختلفة لاستكشاف هذه الثروة الوطنية واستخراجها. فيعتمدون على الوسائل العصريّة بتحديد المناطق الأثرية من خلال المعلومات والكتب التاريخيّة ومن ثمّ يقومون بعمليّة بحث باستعمال آلات حديثة تُستعمل لكشف المعادن، وهي آلات يمكن شراؤها في تونس بشكل عاديّ. وقد اتّصلنا بأحد الأشخاص الذي أرفق رقم هاتفه بإعلان بيع آلات كشف المعادن على مواقع التواصل الاجتماعي. وحدّد سعر الجهاز من 3000 يورو إلى 80 ألف يورو، ويختلف السّعر باختلاف القدرة على تمييز المعادن والمساحة المكشوفة وقوّة الجهاز ودقّته.

وأكّد مُخاطبنا أنّه ينصح الحريف دوما باستعمال جهاز “جيوسونار”. ويعمل هذا الجهاز على نظام تصوير ثنائي الأبعاد، ويكتشف الجهاز الكنوز والدفائن تحت الأرض ويوضّحها كما هي في باطن الأرض ويظهرها مباشرة على شاشة ملوّنة فائقة الوضوح والتمييز. ويعمل هذا الجهاز على نظام الرادار الأرضي التصويري الضوئي، حيث يتعرّف على المعادن الثمينة فقط لا غير، كالذهب والفضّة والنحاس والبرونز. ويقوم بتصويرها وتوضيحها على أربع عدادات رقميّة، كلّ عدّاد بلون يدلّ على نوع المعدن وتركيبته ورسم بياني ليوضّح حجم المعدن وموقعه بالتدقيق تحت الأرض.

 السّحر والشّعوذة

ويعتمد الباحثون على الكنوز كذلك الطرق القديمة، كالسّحر والشّعوذة، وعادة ما يستعينون بأجانب خاصّة من المغرب، ويقوم هؤلاء بتجهيز خلطة من المواد “البخور” واعتماد بعض  الطلاسم للكشف عن موقع الكنز وتحديد مكانه ومن ثمّ الحفر واستخراجه. أمّا البعض الآخر فيقوم باستخراجه باستعمال تقنية “الجلب” وهي اعتماد السحر لاستخراج الكنز من باطن الأرض بتسخير الجان، ويُعتبر هذا العالم خفيّـا لا يعرفُه كثيرون.

اتّصلنا بـ”رضوان” أصيل ولاية المهديّة، الذي كان قد تعرّض إلى عمليّة تحيّل من قبل عصابة أوهمته باستخراج كنز من أرضه الفلاحيّة، وهو يؤكّد أنّ العصابة استخرجت الكنز وسرقته. ففي السنة الماضية وجد أشخاصا يتجوّلون في أرضه، وأوهموه أنّها تحتوي على كميّة كبيرة من الذّهب، واتّفقوا على استخراج الكنز واقتسام الغنيمة. وتمّ شراء كميّة من الأعشاب والبخور بلغت تكلفتها 8000 دينار دفعها المتضرّر.

وتُباع القطع الأثرية بأثمان باهظة، ورغم إيقاف الكثير من المتورّطين في استخراج الآثار وبيعها، تبقى الحلقة المفقودة هي الطّرف المُشتري ومصير القطع الأثرية التي يتمّ شراؤها فيما بعد.

ويقضي القانون التونسيّ بالسّجن لمدّة خمس سنوات وبخطيّة قدرها خمسون ألف دينار لكلّ من يقوم بالتنقيب أو الحفر أو غير ذلك من أعمال البحث عن الآثار المنقولة أو الثابتة سواء بملكه أو بملك غيره دون الحصول على ترخيص مسبق من الوزير المكلف بالتراث، والمحاولة موجبة للعقاب. وفي صورة العود تُضاعف العقوبة. ويُعاقب بالسجن مدّة 3 سنوات وخطيّة بـ30 ألف دينار لمن يكتشف بصفة عفويّة آثارا ثابتة أو منقولة أو يكتشف ممتلكا أثريا بالبحر ولا يعلم بها فورا المصالح المختصّة بالوزارة المكلّفة بالتراث أو أقرب سلطة بالجهة.

ضعف الرّقابة الأمنيّة

ويُعتبر ضعف الرقابة الأمنيّة من أهم أسباب تنامي هذه الظاهرة والتّجارة بالموروث الوطني وتاريخ البلاد. فوزارة الثقافة وتحديدا المعهد الوطني للتراث لا يملك العدد الكافي من التقنيين المؤهّلين لحماية المعالم والمناطق الأثريّة. كما يفتقر المعهد في الجهات إلى الإمكانيّات اللوجستيّة، وتقتصر مهامهم على ضبط الآثار لتقدير القيمة التاريخية أو لتضمين بعض المواقع وإسنادها الصبغة الأثرية لمحاولة حمايتها.

ونظرا إلى عدم اختصاص الوحدات الأمنيّة في التّراث والآثار، كانت بعض مكوّنات المُجتمع المدني قد طالبت سابقا بإنشاء جهاز للشرطة الأثريّة من الطلبة المتخرّجين من كليّات العلوم الإنسانية، تكون مهمّتهم حراسة المعالم والمناطق الأثرية وتحرير محاضر المخالفات وتثمين الموروث التونسي، ليتعزّز فريق المعهد الوطني للتراث وينخفض عدد العاطلين عن العمل من خرّيجي شُعبة “التاريخ”، ولضمان حماية أكثر لتراثنا.

نزار بن حسن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

سبعة − أربعة =

إلى الأعلى