الرئيسية / صوت الوطن / الشعب التونسي لا يريد حوارات مغشوشة
الشعب التونسي لا يريد حوارات مغشوشة

الشعب التونسي لا يريد حوارات مغشوشة

علي البعزاوي

مع كلّ أزمة تعيشها المنظومة وفي المنعرجات الحاسمة تطرح المبادرات ومشاريع الحلول ويُدلي كل طرف بدلوه في الموضوع وفق ما يتصوره من حلول وانطلاقا من زاوية نظره سواء للبحث عن الاستقرار والاستمرار في الحكم أو القطع مع السائد والبحث عن البديل القادر فعلا على الإنقاذ.

ما يقع في تونس في هذا الإطار هو صورة مصغرة لما يقع في العالم حول التعاطي مع تداعيات الوباء على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي والصحي مع اعتماد نفس زوايا النظر ونفس الأهداف.الصراع جار وعلى المكشوف وكل طرف يسعى إلى استثمار الأزمة لصالح مشروعه.

في هذا الإطار تتنزل مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل حول الحوار الاقتصادي والاجتماعي للخروج بالبلاد من حالة الأزمة والتي تلقى المساندة من رئيس الدولة الذي دُعي إلى الإشراف عليها ومن التيار الديمقراطي وحركة الشعب وغيرهما، مثلما تلقى الاعتراض من حركة النهضة وحلفائها خاصة وأنها ستعيد المبادرة إلى رئيس الدولة بعد أن فقدها منذ التصويت لفائدة حكومة المشيشي، وتشكل ائتلاف النهضة، الكرامة، قلب تونس ومعهم رئيس الحكومة الباحث عن التأييد البرلماني الضروري لتمرير المشاريع والقوانين التي تقدمها الحكومة دون غلقه الباب نهائيا أمام رئيس الدولة.

لقد سبق لحكومة المهدي جمعة “المستقلة” والمشكّلة من التكنوقراط أن نظمت حوارا اقتصاديا واجتماعيا بدعوى البحث عن حلول ومعالجات لأوضاع البلاد التي أوصلتها حكومة الترويكا إلى مأزق حقيقي أدّى إلى سقوطها، قاطعته الجبهة الشعبية إيمانا منها بأنه حوار شكلي سيكرّس ما تريده منظومة الحكم، أي لفّ أوسع الأطراف حول خياراتها وسياساتها وهو ما حصل فعلا ولم يؤدّ إلى حلول جدية لأزمة المنظومة، بل فتح المجال أمام حكومة المهدي جمعة لإمضاء اتفاقيات قروض بنسب فائدة مرتفعة وإلى تجديد بعض عقود شركات البترول بشروط مجحفة في حق الاقتصاد الوطني لم تجرؤ عليها الترويكا.

لكلّ طرف حساباته
إنّ ما دفع قيادة الاتحاد إلى طرح هذه المبادرة ليس البحث عن حلول لأنها تدرك جيدا أنّ الأزمة تتعلق بالخيارات والبرامج والسياسات وأنّ منظومة الحكم الحالية لا تتوفر لديها الإرادة السياسية لمراجعتها بما يخدم الأغلبية الشعبية. بل منطلقها تحويل وجهة الرأي العام النقابي والشعبي عن الملف الداخلي المتمثل في السعي إلى عقد مؤتمر استثنائي غير انتخابي للانقلاب على الفصل 20 من النظام الداخلي للمنظمة الذي أقره المؤتمر الوطني السابق وللتغطية أيضا على تراجع الاتحاد في التمسك من خلال المفاوضات بتحسين القدرة الشرائية لعموم الأجراء وعدم القبول بتحميل الشغيلة مسؤولية الأزمة التي ليست سببا فيها. الاتحاد يبحث أيضا من خلال هذا الدور السياسي عن دعم المنظومة لمشروعه وعقد مؤتمره الاستثنائي دون ضغوطات وفي ظروف عادية.

ومن جهته يسعى رئيس الدولة من خلال إشرافه على الحوار الاقتصادي والاجتماعي المنتظر إلى إعادة المبادرة السياسية لشخصه حتى يتحكم أكثر في اللعبة السياسية ويستعيد ما خسره في الفترة الأخيرة التي عادت فيها المبادرة إلى ائتلاف النهضة، قلب تونس، ائتلاف الكرامة الداعم للحكومة. قيس سعيد لا علاقة له وفق الصلاحيات التي يمنحها له الدستور بالملف الاقتصادي والاجتماعي عدا ما يمكن أن يقدمه من مبادرات للغرض. هذا الملف يعود أساسا إلى الحكومة والبرلمان الذي سيمرر أو يرفض تمرير مشروع الميزانية القادم الذي يتضمن الخيارات والسياسات والبرامج المزمع تطبيقها. لكن إشرافه على الحوار سيعيده سياسيا وشعبيا وإعلاميا إلى الواجهة على حساب منافسيه في السلطة وأساسا حركة النهضة.

أمّا حركة الشعب والتيار الديمقراطي فإلى جانب تأييدهما المتواصل لرئيس الدولة الذي أسّسا معه نوعا من التنسيق والتعاون لمواجهة حركة النهضة وسحب البساط من تحت أقدامها فإنها يسعيان إلى التغطية على مشاركتهما الفاشلة في الحكم إلى جانب النهضة والتي لم تعمر طويلا، وفي عدم قدرتهما من خلالها على فرض خياراتهما السياسية والاقتصادية رغم نجاحهما في تضييق الخناق على النهضة ومنعها من السيطرة على وزارات السيادة.

البلاد في حاجة إلى تغيير جذري
إنّ تجربة الحوار الوطني تحت إشراف منظومة الحكم تحمل في طياتها مفارقة تتمثل في بحث المتسببين في الأزمة من خلال خياراتهم اللاشعبية واللاوطنية عن حلول لأزمتهم وهذا غير منطقي لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه ولأنّ من كان سببا في الأزمة لا يمكنه أن يساهم في معالجتها مهما قدّم من تنازلات لأنّ هذه التنازلات مقيدة بخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها وهي خدمة البورجوازية الكبيرة العميلة المنتصبة على رقاب الشعب منذ عقود والتي لم تنجح الثورة التونسية في المساس بمصالحها الطبقية التي تبنّتها أحزاب الحكم المختلفة ودافعت عنها بقوة وسعى كل منها إلى تزعم هذا الدور ومن خلاله الهيمنة على السلطة، إلى جانب الإذعان لإملاءات صناديق النهب الاستعماري مقابل تدفق القروض المشروطة.

إنّ الهدف الحقيقي من الحوار الاقتصادي والاجتماعي هو تكريس الخيارات الطبقية لمنظومة الحكم مع البحث عن تشكيل تأييد واسع لها من قبل المنظمات والأحزاب والإعلام إلى جانب فرض نوع من الصمت والقبول بتحمل الأزمة على نطاق شعبي واسع وبالتالي سد الباب أمام أيّ إمكانية للاحتجاج مادام هناك مخرجات حوار وعقد سياسي اقتصادي اجتماعي جديد متفق بشأنه ولا يجب بالتالي خرقه.
إنّ الحل الجذري لمعالجة الأزمة في مختلف أبعادها يتطلب تغيييرات جوهرية اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وعلى مستوى العلاقات الخارجية، أي يتطلّب تغييرا جوهريا على مستوى الخيارات العامة مثلما يتطلب حكما جديدا لا علاقة له بالمنظومة الحالية.

إنّ الشعب التونسي وقواه الثورية والتقدمية والديمقراطية مطالبون بلعب دور أساسي في قلب الأوضاع لصالحهم واستعادة المبادرة من خلال عمل ميداني منظم ينتهي إلى تكريس خيارات وطنية ديمقراطية شعبية. وهو ليس في حاجة إلى حوارات مغشوشة تُفضي إلى حلول مغشوشة الهدف منها إدامة حكم منظومة التبعية والاستغلال والفساد
السلطة للشعب من أجل الديمقراطية الشعبية والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

ستة + 2 =

إلى الأعلى