الرئيسية / صوت الوطن / ملامح ميزانية العام القادم 2027 وطاحونة الشيء المعتاد
ملامح ميزانية العام القادم 2027 وطاحونة الشيء المعتاد

ملامح ميزانية العام القادم 2027 وطاحونة الشيء المعتاد

بقلم جيلاني الهمامي

توجّهت رئاسة الحكومة إلى الوُزراء وكتّاب الدّولة ورؤساء الهياكل العمومية والولّاة ورؤساء البرامج يوم 14 أفريل الجاري بمنشورها الخاص بإعداد ميزانية العام القادم 2027. وقد تضمّنت هذه الوثيقة التي جاءت في 14 صفحة إضافة إلى المقدّمة محورين أساسييّن هما أوّلا منهجية إعداد مشروع ميزانية الدّولة لسنة 2027 وثانيا التوجّهات العامّة لإعداد وثائق الأداء لسنة 2027.

قبل عرض محتوى هذين المحورين لا بدّ من التوقّف أوّلا عِنْدَ المقدّمة (الثّلاث صفحات الأولى من الوثيقة) والتي تضمّنت الأهْداف الكُبرى التي رسمتها الحكومة لميزانية السنة القادمة.

فكما جاء في مستهلّ هذه الوثيقة تتنزّل ميزانية سنة 2027 ضمن المخطّط الخماسي 2026-2030 و”يعتمد المشروع بالأساس على تكريس البناء القاعدي” و”يتضمّن تنفيذ عدد من المشاريع المقترحة من المجالس المحلّية والجهوية ومجالس الأقاليم”. ويُرَادُ لهذه الميزانية كما جاء في الوثيقة التوجيهية (ص 2) أن تكون “ميزانية صامدة أمام الأزمات العالمية ومخلّفات النّزاع القائم خلال سنة 2026”.

شعارات الأمس شعارات اليوم

أمّا عن الأهداف الاقتصادية والمالية والاجتماعية المرسومة لها فهي في الحقيقة مجموعة من الشّعارات العامّة بعضُها مجرّد تكرار لما جاء في سلسلة الميزانيات السّابقة منذ عشرات السنين وبعضّها الاخر ترديدٌ للشّعارات الشّعبوية التي أصبحت رائجة في تونس منذ صعود قيس سعيد للحكم.

إن “تعزيز العدالة الجبائية وتطوير مردوديّتها” و”تكريس العدالة الاجتماعية” و”إصلاح المنظومة الصّحية ومنظومة الضّمان الاجتماعي وتدعيم التّغطية الصّحّية” و”دعم الأمن الغذائي” و”الأمن المائي” و”الانتقال الطّاقي” و”التحوّل الرّقمي” و”إعادة تنظيم وإصلاح الهياكل والمؤسّسات العمومية” و”دفع الاستثمار العمومي وتعزيز التّنمية الجهوية المتوازنة” و”التحكّم في التوازنات المالية وتعزيز السّيادة الوطنية” هي كلها من الشعارات التي لم تخلو منها ميزانية من ميزانيات السنوات الفارطة. وإذ تستمر الحكومات المتعاقبة في رفعها بما في ذلك حكومات قيس سعيد فلأن كل هذه الأهداف المرفوعة منذ عقود لا تزال معلقة بل افتقدنا، مع مرّ السنين، الأمل في تحقيقها.

ولو تمعنا في مختلف هذه الشعارات لرأينا كيف أدت في أغلبها إلى نتائج عكسية. فشعار “تحقيق التوازنات المالية وتعزيز السيادة الوطنية” انتهى في الحقيقة إلى بلوغ المديونية التونسية أرقاما قياسية (أكثر من 145 مليار دينار وأكثر من 80 % الناتج الإجمالي المحلي) علاوة على التبعية التكنولوجية التامة للخارج والارتهان للأسواق الخارجية في مجالات أساسية كثيرة بما يتناقض تماما مع ما يقع ترديده بخصوص “الأمن الغذائي” ذلك أننا ما ننفك نعيش على حبوب أوكرانيا وروسيا وكندا وغيرها وعلى بطاطا بولونيا وعلوش رومانيا وبصل وثوم مصر الخ…

أما عن “تحقيق العدالة الاجتماعية” فإن الأرقام الرسمية وشبه الرسمية تؤكد كلها أن الفوارق الطبقية في تونس لم تبلغ قط ما تبلغه اليوم من عمق بين كمشة الأثرياء أصحاب المليارات (6500 ملياردير في مقدمتهم عائلات المبروك بحوالي 350 مليار والحرشاني وبن يدر الخ…) من جهة وأكثر من 4 ملايين تونسي يعيشون تحت خط الفقر (أو فقر نسبي) ونسبة فقر مدقع بلغت 9.4 % سنة 2025.

وقد واجه النظام التونسي في كل مراحله السابقة، في عهد بورقيبة وبن علي والترويكا والنهضة ونداء تونس، كما في المرحلة الحالية بسياسة “تخدير الفقر” عبر الإجراءات الترقيعية التي تكلف الدولة عبئا ماليا ثقيلا دون أن ترفع عن الفقراء آثار الفقر، على غرار  ما يسمى بمنحة “الأمان الاجتماعي” التي تم الترفيع في مقدارها هذه الأيام بزيادة 20 دينارا لتصبح 280 دينارا.

منهجية تكرار الشيء المعتاد

يتضح من مقدمة الفقرة المخصصة لـ”منهجية إعداد الميزانية” أن هذه الأخيرة لن تأتي بالجديد وستكون كالعادة ميزانية تقشفية في أكثر من اتجاه. فقد جاء في توصيات رئاسة الحكومة “لإعطاء الأولوية إلى النفقات الإلزامية والوجوبية” (ص 4) والاكتفاء، في ما يتعلق ببعث المشاريع التي تدفع بالتنمية الاقتصادية عبر خلق الثروة ومواطن الشغل، بـ”المشاريع المتواصلة” والتي نعلم جميعا محدوديتها وانعدام مردوديتها أو الاكتفاء بـ”جزء من محفظة المشاريع المقترحة من المجالس الجهوية والمحلية”.

كما يتجلى ذلك في جملة التوصيات الخاصة بـ”نفقات التأجير” حيث أوصت الحكومة بحصر “مجهود التشغيل” بـ”الإمكانيات المتاحة وبما يراعي التوازنات المالية” المنخرمة أصلا إلى جانب حصر الترقيات المستوجبة أو المستحقة مهنيا وقانونيا بنسبة 40 % منها فقط وضبط نسبة تطور نفقات التسيير كحد أقصى بـ 3 % مقارنة بسنة 2026. هذا إضافة إلى “التقليص إلى الحد الأقصى” في “نفقات الأكرية” و”استهلاك الطاقة” و”الماء” مع ما في “مواصلة تحسين كفاءة منظومة الدعم وتعزيز نجاعتها” من معاني ينبغي انتظار ما سيترتب عن ذلك في الأيام القادمة.

وفي مجال الاستثمار تكاد تنحصر السياسة التنموية للدولة في إيلاء الأولوية لـ”المشاريع المتواصلة” والتسريع بإنجاز “المشاريع المعطلة بالجهات” على قلتها. وللتدليل على ذلك فإن منشور رئيسة الحكومة أكدت على ضرورة التقيد بسلسلة من الأوامر الصادرة منذ سنوات خلت تعنى كلها بضرورة “التسريع في إنجاز المشاريع المعطلة (قرار رئيسة الحكومة بتاريخ 13 جوان 2023 والأمر عدد 497 لسنة 2024 المؤرخ في 24 أكتوبر 2024 والمنشور عدد 27 بتاريخ 7 نوفمبر 2024 الخ…) (ص 8). والواضح إذن أن معضلة “المشاريع المعطلة” مازالت محل تأكيد وإلحاح كمحور رئيسي في السياسة التنموية الفاشلة. وإلى جانب ذلك فرغم أن الوثيقة التوجيهية لم تتضمن أرقاما (حتى في شكل تقديرات أساسية) من المنتظر أن لا تتجاوز ميزانية التجهيز نسبة 5 % من الميزانية العامة للدولة على غرار السنوات الماضية. وقد أوصى منشور رئاسة الحكومة بـ”البحث عن تنويع مصادر التمويل لإنجاز المشاريع العمومية الكبرى مع إعطاء الأولوية عند توجيه مذكرات طلبات التمويل الخارجية (هبات وقروض) للمشاريع الجاهزة” (ص 10). ودائما في باب “التعويل على الذات” و”تعزيز السيادة الوطنية” أكد منشور الحكومة على أهمية الهبات الخارجية التي صدرت في شأنها التوصية التالية “بالنظر لأهمية دور الهبات الخارجية، خاصة من حيث مساهمتها في دعم الموارد الذاتية لميزانية الدولة فضلا عن تدعيم الاحتياطي من العملة يقترح إدراج  مجمل الهبات الخارجية للدولة ضمن موارد ميزانية الدولة” (ص 10). ومنذ متى كانت الهبات موارد ميزانية الدولة؟؟

الخلاصة

جاء منشور رئاسة الحكومة نصا خاليا من الاعتبارات المرقمة (نسبة النمو المتوقعة وسعر الصرف المحتمل وسعر برميل البترول والمواد الأساسية في السوق العالمية والحد الأقصى من حاجات التمويل الخارجي الخ….) ورغم ما قيل عن كونه يندرج ضمن المخطط الخماسي الجديد 2026 – 2030 فإنه لا يعدو أن يكون غير ترديد لنفس المنهجية القديمة. لذلك بدا نصا روتينيا لا روح فيه بل يعكس الروح السائدة في الحكومة الحالية والمنظومة ككل، روح تصريف “شؤون كل يوم” في غياب كلي لأبسط محاولات الابتكار من أجل الخروج من الأزمة.

إن ميزانية 2027 هي ميزانية تصريف شؤون الأزمة في ظروف أشد وأكثر قساوة بالنظر للتحولات الجارية على المناخات الاقتصادية والسياسية الدولية. ولا ينتظر منها أن تتقدم بالبلاد خارج مستنقع الأزمة بقدر ما سيكبدها مصاعب جديدة وسيكون الشعب الكريم هو من يدفع التكاليف المؤلمة.

إلى الأعلى
×