الرئيسية / صوت العالم / صفحات من النضال التونسي-الفلسطيني المشترك: إضاءات على المشاركة التونسية في حرب 1948 و«عملية القائد الشهيد أبو جهاد» على الشريط الحدودي بين لبنان وفلسطين وبطلها الطالب التونسي عمران المقدّمي (يوم 26 أفريل 1988):
صفحات من النضال التونسي-الفلسطيني المشترك: إضاءات على المشاركة التونسية في حرب 1948 و«عملية القائد الشهيد أبو جهاد» على الشريط الحدودي بين لبنان وفلسطين وبطلها الطالب التونسي عمران المقدّمي (يوم 26 أفريل 1988):

صفحات من النضال التونسي-الفلسطيني المشترك: إضاءات على المشاركة التونسية في حرب 1948 و«عملية القائد الشهيد أبو جهاد» على الشريط الحدودي بين لبنان وفلسطين وبطلها الطالب التونسي عمران المقدّمي (يوم 26 أفريل 1988):

إضاءات على المشاركة التونسية في حرب 1948 و«عملية القائد الشهيد أبو جهاد» على الشريط الحدودي بين لبنان وفلسطين وبطلها الطالب التونسي عمران المقدّمي (يوم 26 أفريل 1988):

أ.د عادل بن يوسف (كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة)

في جانفي 2004، قام «حزب الله» بتسلّم أسرى ورفات بعض الشهداء من الكيان الصهيوني إثر مفاوضات ووساطات دولية مضنية وشاقة. وكان من بين رفات هؤلاء، رفات قائد عملية «أبو جهاد» في «جبل دوف» (إصبع الجليل) على مقربة من مزارع شبعا في 26 أفريل 1988، الشهيد التونسي عمران بن الكيلاني المقدّمي.

ورغم الاتصالات الرسمية وشبه الرسمية، بين السلطات وعائلة الشهيد حينئذ رفضت عائلة العمراني بقفصة تسلّم رفات ابنها في صمت وتعتيم إعلاميّ ودفنه ليلا كما كان يحصل لكل شهداء القضيّة والرأي الحرّ زمن حكم بن علي، لكونها تعتبره شهيدا والشهيد يليق به الاحتفال لكونه شهيد الوطن والأمّة العربية مهما اختلفت جنسيته، إضافة إلى كونه كان عند تنفيذ العملية طالب علم في جامعة دمشق (قسم علم النفس) وأعزب… إلخ.

وظلّت العائلة على رفضها وبقي ابنها في مدفن الشهداء ببيروت، إلى جانب الكثيرين ينتظرون العودة إلى الديار إلى أن أتى اليوم الموعود بعد ثورة الحرّية والكرامة، ذات يوم 08 أفريل 2012 إذ تمّ رسميا استقبال رفات الشهيد عمران بن الكيلاني المقدّمي وسبعة من أبناء وطنه الذين استشهدوا فوق أرض الشرف جنوب لبنان، نصرة للقضيّة الأمّ، بين 26 أفريل 1988 و27 جانفي 1996 وذلك بمطار تونس قرطاج الدولي بحضور أفراد من عائلات الشهداء وأعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل يتقدمهم الأمين العام حسين العباسي وأرملة خليل الوزير وسفير فلسطين بتونس ونشطاء المجتمع المدني من كامل أنحاء البلاد…

وعلى وقع انتفاضة غزّة والقدس الشريف «الثالثة» (بعد الانتفاضة الثانية سنة 2000 والثانية سنة 2015) والتي انطلقت منذ يوم 26 أفريل 2021 وراح ضحيتها إلى حد الآن ما يفوق عن 200 شهيد (حوالي نصفهم من النساء والأطفال) وأكثر من 1950 جريحا واعترافا بأواصر التضامن التونسي- الفلسطيني الذي تعود جذوره إلى ماي 1948، رأينا من الضروري التذكير بهذه المحطّة غير المعروفة من تاريخ النضال التونسي- الفلسطيني المشترك وبطلها الطالب التونسي.

* مشاركة مكثّفة للتونسيّين في حرب 1948:

إنّ المتتبع لتاريخ المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني والحروب العربية -الصهيونية، يلاحظ الحضور المكثف للتونسيّين، بدءا بالحرب الأولى سنة 1948، مرورا بحرب 1967 فحرب رمضان في أكتوبر 1973 فالقصف الصهيوني لحمّام الشط يوم 01 أكتوبر 1985، وصولا إلى الانتفاضات المتتالية من انتفاضة الحجارة الأولى في ديسمبر 1987 إلى الانتفاضات اللاحقة. ولم يقتصر دعم الشعب التونسي للقضية الفلسطينية بالتنديد بالمظلمة الدولية على الشعب الفلسطيني إثر صدور قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947 على المظاهرات والتبرّعات (بالمال والدواء والدم والغذاء…) وكتابة العرائض لحكومات الدول الكبرى، بل تعداه ليشمل مشاركة إخوتهم الفلسطينيّين في القتال، لا فوق الأراضي الفلسطينية فحسب، بل وكذلك في دول الطّوق بسوريا ولبنان.

ففي كتاب تونس: عروبة متجذّرة ودور متجدّد، (منشورات نقوش عربية، تونس 2012، 158 صفحة)، يورد الكاتب محمد صالح الهرماسي، بعض الرسائل من المجاهدين التونسيين الذين تطوعوا للقتال في فلسطين. فقد كتب أحد مسؤولي حملة التطوّع: «على طول طريقي نحو طرابلس كان يعترضني مئات من التونسيين المتوجهين إلى فلسطين للتطوع في صفوف المجاهدين العرب» (ص 87).

وفي تونس العاصمة وجلّ المدن الداخلية، فُتحت مكاتب تستقبل المتطوّعين وتحوّلهم إلى الحدود مع طرابلس الليبية في الجنوب. كما أورد المؤلف في كتابه تقريرًا من المقيم العام الفرنسي في 20 جويلية 1948، يفيد بأنه قبل ذلك التاريخ بيومين، أحصت الأجهزة الأمنية 2676 تونسيا متطوعا، إما جرى احتجازهم على الحدود مع طرابلس، أو تم إيقافهم قبل عبور الحدود الليبية.

ورغم عدم التعرّف على العدد الحقيقي للذين استطاعوا اجتياز الحدود المصرية، ثم دخلوا فلسطين للمقاومة، إلّا أنه وبعد النكبة مباشرة، تفيد برقية ثانية من المقيم الفرنسي بتاريخ 17 ماي 1949 (أي بعد تثبيت الهدنة على معظم الجبهات وتوقف القتال)، أنّ هناك 188 تونسيا لا يزالون عالقين في طرابلس، وتعمل السلطات على ترحيلهم إلى بلدهم تونس.

ويورد صاحب التقرير الفرنسي أنّ عدد المتطوعين الذين حاولوا الدخول إلى فلسطين، بلغ ما يقارب 3.000 تونسي، بعضهم تمّ احتجازه أثناء محاولتهم العبور. أما من استطاع الدخول إلى فلسطين فقد حارب في صفّ المتطوّعين السوريّين أو ضمن متطوعي مصر أو لبنان، أو انضم إلى الفصائل الفلسطينية المسلّحة. وكان توزيع هؤلاء المتطوعين حسب الجهات من تونس العاصمة وأحوازها (657 متطوعا)، تليها صفاقس (276 متطوعا)، ثم سوسة والساحل (256 متطوعا) وقابس والجنوب (222 متطوعا). وكان معظم هؤلاء من الفقراء المعدمين والحرفيّين والعمّال والفلاحين الفقراء والعاطلين عن العمل وطلبة من جامعة الزيتونة… و1256 متطوعا آخرون من الوسط والشمال. وقد شهدت بعض القرى الصغيرة وحدها عددا قياسيا من المتطوعين قصور الساف (65 متطوعا).

كما برزت أعلى درجات الاستعداد للتضحية لدى المرأة التونسية من ذلك امرأة من مدينة الرديف كانت تتوسل للقائمين على عملية التطوع ليقبلوا ابنها متطوّعا. ولئن لعبت إذاعات المشرق العربي دورا في تعبئة هؤلاء الشباب للتطوع، فإنّ عدة قوى وأطراف لعبت دورا بارزا في دفع هذا التوجه وتأطيره وبصورة خاصة الحزب الحر الدستوري القديم «اللجنة التنفيذية» بحكم وجود بورقيبة في مصر منذ مارس 1945 بمكتب المغرب العربي بالقاهرة حينها وإشراف الزعيم صالح بن يوسف على شؤون الحزب و«جمعية الشبان المسلمين» و«اللجنة العليا للدفاع عن فلسطين العربية»…

وقد لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دورا مهمّا في هذه التّعبئة بفتح مقرّاته لقبول المتطوّعين وتسجيلهم ومدّها إلى المشرفين على التطوّع. كما ساهم الأئمة والوعّاظ في تحريض النّاس على التطوّع للدّفاع عن مقدّسات المسلمين…

كما أورد تقرير المقيم الفرنسي العام ذاته، بتاريخ جويلية 1948، أن عناصر الفرقة الأولى من المتطوعين وصلوا إلى مدن بيت لحم ويافا والقدس واشتبكوا مع الصهاينة، واستشهد منهم 11 تونسيا، 03 منهم معلومة أسماؤهم ومواقع استشهادهم وهم على التوالي: علي بن صالح بموقع الخيرية شرقي مدينة يافا يوم 28/04/1948 وأبو القاسم بن عبد القادر وعبد الحميد الحاج سعيد اللذان استشهدا جنوب القدس يوم 29/05/1948.

وكان من دوافع التطوع كسب تجربة عسكرية تفيد العائدين في مواصلة مشوارهم الجهادي ضدّ قوات الاحتلال الفرنسي الجاثمة على تونس، لا سيّما بعد فشل تجربة الحوار الثاني التونسي مع فرنسا أواخرَ سنة 1951 وبدء الإعداد للكفاح المسلّح. ونذكر في مقدمة هؤلاء المقاومين: الأزهر الشرايطي وعمر البنبلي… إلخ.

وكانت طرابلس الممرّ الرئيسي الأول الذي عبر منه المتطوعون نحو مصر. وقد توخّى المتطوعون شتى الوسائل والسبل للوصول إلى طرابلس فمنهم من ركب البحر ومنهم من سار على الأقدام أو ظهور الحمير ومنهم من استعمل وسائل النقل العمومية كالحافلات وسيارات الأجرة… وقد تكبدوا في ذلك أكبر المشاقّ، لاسيما عملية المرور من بن قردان إلى رأس جدير التي تتم في سرية عن قوات الاحتلال الفرنسي المتربصة. ومن بين الوسائل التي استعملت شاحنة كانت تنقل الطين لإصلاح الطريق الرابطة بين بن قردان وطرابلس.

* أثناء حربي جوان 1967 وأكتوبر 1973:

اقتصرت المشاركة التونسية الرسمية في حرب الستة أيام خلال شهر جوان 1967 على فيلق عسكري للعمل إلى جانب القوات المصرية غير أنّ هذا الفيلق لم يتجاوز الحدود التونسية (مدينة) لأسباب مختلفة، أولها توقف العدوان بعد الانتصار الإسرائيلي الساحق. وفي أيلول/ سبتمبر 1970 أرسلت تونس فيلقا لمراقبة وقف إطلاق النار بالأردن بين القوات الأردنية والفلسطينية إلى حين توقيع اتفاقية سلام بين المتنازعين، كان من بين أفراده الجنرال المرحوم الحبيب عمّار… وتحوّل الوزير الأول الأستاذ الباهي الأدغم منذ 21 سبتمبر إلى القاهرة حيث لعب دور الوسيط بين الأردنيين والفلسطينيّين…

وفي حرب أكتوبر 1973 شاركت تونس إلى جانب القوات العربية بفيلق مشاة محمولة عدده 1.100 ضابط وجندي بقيادة الجنرال الراحل عبد العزيز سكيك. وفي جانفي 1974 أُرسِلَ فيلق القوات الخاصة لتعويض الفيلق المذكور. وعاد فيلق القوات الخاصة في 19 ماي 1974.

* انتفاضة الحجارة الأولى ومهندسها خليل الوزير «أبو جهاد»:

في نهاية عام 1987 اندلعت الانتفاضة المباركة الأولى التي خطّط لها المناضل الشهيد خليل الوزير «أبو جهاد» مع رفيق دربه ياسر عرفات، «أبو عمّار». ومهندسها هذا من مواليد مدينة الرملة، فلسطين في 10 أكتوبر 1935 واُغتيل في ضاحية سيدي بوسعيد، في 16 أفريل1988 ) هجّرت المليشيات الصهيونية عائلته خلال الحرب العربية-الصهيونية الأولى «النكبة»، سنة 1948، فأسّس مجموعة صغيرة من الفدائيّين الفلسطينيّين في قطاع غزّة بين 1960 و1962.

وفي الفترة نفسها ربط علاقات بين حركة المقاومة الفلسطينية فتح وقادة الأنظمة الشيوعية في الصين وكوريا الشمالية وألمانيا الشرقية… وغيرها. وفي سنة 1963 فَتَحَ أول مكتب لحركة فَتْحْ في الجزائر بعد أقلّ من سنة من استقلالها عن فرنسا إثر حرب تحرير تواصلت ثمانيَ سنوات كاملة. وفي ماي 1964 ساهم في تأسيس حركة فتح التي تمّ الإعلان عنها رسميا في 01 جانفي 1965.

ولعب خليل الوزير دورًا مهمّا في أحداث أيلول الأسود سنة 1970 إذ ساعد القوات الفلسطينية وزوّدها بالسلاح، لكن بعد هزيمة القوات لحق بالمنظمة إلى لبنان. أعدّ خليل الوزير خططًا لعمليات فدائية ضدّ إسرائيل، وساهم في الدفاع عن بيروت إبّان حرب لبنان صيف 1982. وإثر انسحاب قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في أوت 1982 تنقل بين تونس وعمان وبغداد. وكان خليل الوزير نائبا للقائد العام لقوات الثورة الفلسطينية وله تأثير كبير على نشاط حركة فتح العسكري. كما تولّى خليل الوزير قيادة جهاز الأرض المحتلة (القطاع الغربي) وكان أحد أبرز قادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى وأبرز القادة المُصمّمين على استمرار الكفاح المسلح. وفي 16 أفريل 1988، اغتالته إسرائيل في مقرّ إقامته بتونس بالتزامن مع أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

وفى مطلع عام 1988 بادرت قوّات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) التي تأسّست في 22 فيفري 1969 بجهود من نايف حواتمة إثر انفصال فصيل ماركسي متأثّر بالشيوعية نتج عن الانسلاخ الفكري بين الماركسيّين والقوميّين في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي تأسّست في 11 ديسمبر 1967 بقيادة جورج حبش) ببعث قوة خاصة من خيرة كوادرها ومقاتليها تحت اسم «قوّة إسناد ودعم الانتفاضة» مهمتها تنفيذ عمليات ضدّ قوات المحتلّ بكل السبل المتاحة وتجهيزها لاحقا للدخول إلى الأراضي المحتلة. وقد نفذت عديد العمليات في جنوب لبنان على كامل الشريط الحدودي مع فلسطين وإدخال السلاح إلى أرض فلسطين.

* «عملية القائد الشهيد أبو جهاد» شمال هضبة الجولان يوم 26 أفريل 1988:

إثر اغتيال المناضل الكبير الشهيد أبو جهاد في تونس يوم 16 أفريل 1988 بضاحية قمّرت، توجّه اهتمام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى الثأر من عملية تونس بكل الطرق. وقد وجدت في الطالب الناشط صلبها، عمران بن الكيلاني المقدّمي الحماسة والاستعداد الكافيين والاستثنائيين لتنفيذ عملية نوعية فوق التراب الفلسطيني أطلق عليها اسم «أبو جهاد». بدأت التحضيرات والتدريبات والإعداد العسكري والمادي واللوجستي لمجموعة من الفدائيّين. وبعد مرور عشرة أيام فقط عن حادثة الاغتيال اقتحمت كتيبة متألفة من 07 أفراد يرأسها أبو يوسف موقعا عسكريا إسرائيليا بمنطقة إصبع الجليل شمال فلسطين بين مستعمرتي «دان» و”شيرباشوف” في إصبع الجليل فاحتلّ صحبة مجموعة موقعا عسكريا للعدوّ وكبّده خسائر مادية مهمّة كما تمكن خلال العملية من قتل سبعة عناصر من جيش العدوّ، من بينهم ضابطان أحدهما برتبة عقيد يدعى «شموئيل اديف» وضابط مختصّ في قصّ الأثر و04 من جنود الاحتلال، إضافة إلى جرح 15 آخرين وأسر جنديّيْنِ صهيونيينِ. لكنّ القوات الصهيونية قامت بملاحقتهم وقصفهم بالطائرات حيث استشهد عمران بن الكيلاني المقدّمي (أبو خالد) من مواليد سنة 1962 بقفصة مع ثلاثة رفاق له وهم: نضال حسن أبو خميس (أبو عمر) من مواليد سنة 1969 بدمشق ـ اليرموك، فلسطيني الجنسية ومحمد حمد داوود جودة (أبو زرد) من مواليد سنة 1962 بنابلس فلسطيني الجنسية وإبراهيم زيدان خليل من مواليد سنة 1970 بدمشق – اليرموك وفلسطيني الجنسية.

* شهادات مؤثرة عن الشهيد عمران بن الكيلاني المقدّمي:

– شاهد عيان بدمشق:

يذكر أحد الذين التقوا الشهيد عمران بن الكيلاني المقدّمي قبل استشهاده بحوالي أربعة أشهر قائلا: «… كانت الساعة تشير إلى الثامنة ليلا (أواخر 1987) حين طرق عمران باب بيت صغير في ضاحية ركن الدين في العاصمة السورية دمشق ثم دخل ليقضي بعض الوقت مع مجموعة من الطلبة التونسيين… ليلتها ضحك عمران طويلا… وغنى كثيرا… وتحدث كثيرا عن حبه لتونس ولفلسطين التي يردّد دائما أنها قضية العرب المركزية… كان حديث عمران بسيطا ومفهوما لكنه قادر على تحريك أصلب المشاعر… كان مثل حديث العشّاق… وعمران كان عاشقا لتونس ولفلسطين…».

– شهادة والدته خالصة:

في سنة 2008 تحدثت السيدة خالصة والدة الشهيد عمران المقدّمي إلى موقع “المظيلة الإخبارية” الذي نشر حوارها كاملا على الفايس بوك في 12 جوان 2018 عن استشهاد ابنها بكل فخر واعتزاز بما أنجزه ابنها البطل وبما ساهم به ودفعه ثمنا في سبيل تحرير فلسطين ولكنها كانت تخفي لوعة ولهفة أمّ عظم وكبر شوقها إلى استلام رفات ابنها بعد استشهاده ومواراته الترابَ إلى جانب رفات شهداء تونس الأبرار بقفصة. فقالت عن ابنها:

«لقد تعلّق بالحرّية منذ نعومة أظفاره وزاده تعلّقا بها ما حدثه به والده المناضل المرحوم كيلاني عن مساهماته في حركة تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي فتشبع بمبادئ التحرير والنضال عن وطنه الأكبر أينما كان الجزء المحتل من الوطن العربي. وبذلك أعدّ العدّة للاستشهاد في سبيل فلسطين دون أن يكشف عن ذلك إلا لبعض المقربين من أصدقائه وبعد أن أتم الدراسة الثانوية بمدينة قفصة بإحرازه على ديبلوم في التركيب والصيانة الميكانيكية اشتغل بإحدى المؤسسات بالجهة وادخر خلال الفترة التي قضاها في العمل مبلغا من المال. وبعد أن أدى الواجب الوطني أصرّ على السفر إلى سوريا بتعلّة ظاهرها مواصلة الدراسة وباطنها في الواقع الشهادة ضمن الشهداء الأحرار والبواسل.

ولم يمض وقت طويل على سفره إلى سوريا وكان ذلك في سنة 1984 حتى أحرز شهادة الباكالوريا ثمّ التحق بالجامعة السورية ودرس علم النفس لمدّة عامين وانخرط بعد ذلك في العمل المسلح ضمن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وشارك في بعض العمليات الفدائية ضد العدو الإسرائيلي كلّلت بالنجاح وكان يعود بعد كل عملية الى موقعه سالما».

وهنا تقول والدة الشهيد البطل إنّ كل هذه المعلومات قدمها لها رئيس الكتيبة الفدائية (أبو يوسف) عندما شارك في أربعينية ابنها بتونس. تصمتُ الأم ثم تتابع قائلة: «بعد مرور عشرين عاما من استشهاد ابني رحمه الله ما زلت أنتظر عودة رفاته ليرقد هنا في تراب الوطن ولا أخفيكم إنني سئمت الوعود الكثيرة التي أعطيت لي دون أن تنفذ وأنا أرجو بل أطلب من كل أحرار لبنان وفلسطين أن يحققوا أمنيتي فيساعدوني على جلب الرفات قبل أن يتوفاني الأجل المحتوم». تصمت مرة أخرى ثم تضيف ملاحظة أنها قد رأت ابنها منذ أشهر في المنام وكان واقفا بالنهج القريب من منزلها وهو يحمل اسمه (نهج الشهيد عمران المقدّمي) وكان يرتدي بزّة عسكرية فأسرعت الخطى نحوه لمصافحته لكنه توارى عن أنظارها. وفسّرت ذلك بعدم تطبيق الوصيّة التي تركها قبل استشهاده والتي أوصاها فيها بألا تحزن وأن تنثر الورود في كل مكان من دروب مسقط رأسه، وقد وعدت روحه إثر هذه الرؤية بتطبيق الوصية وهذا ما بدا واضحا حين حدثتنا بقلب أم للشهيد دون أن تذرف أي دمعة وباعتزاز وفخر كبيرين.

* شهادة شقيقه رشيد: قال شقيق عمران: «أبارك مواقف كل من آزرنا وساندنا في السنوات الثلاث عشرة الأولى من استشهاد شقيقنا (من سنة 1988 إلى سنة 2001) وإحياء ذكراه كل سنة من خلال إقامة تظاهرات ثقافية شارك فيها عديد الشعراء العرب والفلسطينيين والتونسيين وعدة رموز وطنية وفلسطينية لكنني استغرب واستنكر انقطاع المؤازرة والتوقف عن إحياء الذكرى منذ سنة 2001 وأنّ رفات شقيقي نقلت منذ مدة إلى لبنان وكان ذلك في عملية سابقة من عمليات تبادل الأسرى بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل وناشدت جميع المنظمات الحقوقية بالعمل على تحقيق رغبة العائلة في جلب الرفات ليدفن في مسقط رأس الشهيد البطل ليكون رمزا من رموز الحرية والنضال والتضحية بالنفس من أجل قضية العرب الأولى، القضية الفلسطينية».

* شهادة سميّة شقيقة الشهيد عمران المقدّمي: أفاضت شقيقته سميّة المقدّمي الحديث عن شقيها قائلة: «لقد كان شقيقي عمران بن الكيلاني المقدّمي عفّ القلب.. عفّ اللسان، عفّ الضمير، ولقد أوتي نعمة التوفيق والقبول. وقد سافر إلى سوريا للدراسة وهو يعتقد أن الدفاع عن فلسطين قصدا وعدلا، ولم يعد يبصر شيئا سواه ! ومن هناك انخرط في سلك المقاومة الفلسطينية وبسط يمينه كأنه يطلب الموت في سبيل عروس العروبة… وكان مقداما.. ودائما في المقدمة أو ليس لقبه المقدّمي؟

وفي يوم 26 أفريل 1988 استشهد في عملية فدائية بإصبع الجليل شمالي فلسطين المحتلة ردّا على اغتيال أبو جهاد ولقد كانت والدتي خالصة تشاهد التلفزة يومها، ولم تكن تشاهد التلفزة من قبل، ولقد أحسّت قلبها ينقبض، وأحسّت إحساسا خاصا وغريبا على أرواح وأشلاء من قاموا بالعملية، وقالت مساكين، ودعتْ لهم بالرحمة، ولم تكن تعرف المسكينة أن ابنها عمران المقدّمي، كان من ضمن الشهداء الذين سقطوا في تلك العملية الجريئة التي شهدت وقائعها عبر شاشة التلفزة. ولقد سمعنا بالخبر لاحقا، ولقد سمعت أمي بالخبر بصبر وثبات ثم شعرت بالفخر عندما علمت أنّ ابنها كان يؤدّي واجبا مقدّسا، وهي إلى حدّ الآن تنتظر عودة رفاته الى أرض الوطن وكأنها تقول وعلى رأي الشاعر: أحبّ أرضي وأرض الطهر تعشقني حبّا بحبّ وما في الحب من عجب متى سرى الخوف مرّا ها أنذا إليك روحا بغير الموت لم تطب».

 * تفاصيل عن عملية تبادل الأسرى والشهداء التونسيّين بين المقاومة اللبنانية والكيان الصهيوني:

فور وصول رفات الشهداء الثمانية إلى تونس يوم 08 أفريل 2012 تناقلت وسائل الإعلام نبأ التونسيين الثمانية الذين شملتهم عملية تبادل الأسرى والجثامين التي تمت بين المقاومة اللبنانية واسرائيل وكان هؤلاء التونسيون قد انخرطوا في حركة المقاومة الفلسطينية منذ 1988 ونفذوا عمليات فدائية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة وعلى الشريط الحدودي بين لبنان وفلسطين واستشهدوا هناك…

وقد أوردت جريدة الصباح قائمة هؤلاء كاملة وتعميما للفائدة نوردها للأصدقاء والقراء:

 1- الشهيد ميلود بن ناجح نومة: وهو من مواليد منطقة سيدي بو مخلوف بتطاوين استشهد يوم 25 نوفمبر 1988 إثر تنفيذه لعملية فدائية جريئة في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة واستعملت في هذه العملية لأول مرة الطائرات الشراعية.

2- الشهيد عمران بن الكيلاني المقدّمي: أصيل منطقة القصر قفصة استشهد في 26 أفريل 1988 في عملية بطولية بإصبع الجليل في فلسطين المحتلة أطلق عليها اسم «أبو جهاد» وكانت عملية ثأرية لاغتيال المناضل أبي جهاد.

 3- الشهيد فيصل الحشائشي: أصيل مدينة قابس، كان طالبا جامعيا قبل انضمامه الى صفوف المقاومة الفلسطينية استشهد يوم 8 جويلية 1993 إثر مشاركته في عملية فدائية جريئة ضد دورية إسرائيلية بمنطقة العيشية في جنوب لبنان.

4- الشهيد سامي بن الطاهر الحاج علي: وهو أصيل جزيرة جربة استُشهد يوم 19 جانفي 1995 إثر قيامه بعملية استشهادية ضد دورية اسرائيلية في منطقة الطيبة بجنوب لبنان على بعد كيلومترين من فلسطين المحتلة.

 5- الشهيد رياض بن محمد الهاشمي بن جماعة: وهو أصيل مدينة صفاقس كان طالبا جامعيا قبل رحيله إلى فلسطين. استُشهد يوم 19 جانفي 1995 إثر قيامه بعملية استشهادية ضد دورية صهيونية في منطقة الطيبة بجنوب لبنان على بعد كيلومترين من فلسطين المحتلة.

6- الشهيد كمال بن السعودي بدري: مولود في 27 جانفي 1975 بمدينة المتلوي بقفصة وهو أصيل منطقة المكارم بسيدي بوزيد، زاول دراسته بمعاهد قفصة وعرف بتفوقه الدراسي (باكالوريا تقنية بمعدل 14.68) وحسن سلوكه ودماثة أخلاقه وقد ذكر لنا والده أنه من عائلة مناضلة (جده علي بن عمر كان من مساعدي القائد البشير بن سديرة وجده وعمه انخرطا في صفوف الثورة ضدّ الاستعمار الفرنسي وشاركوا في عدة عمليات بجبال عرباطة وسيدي بوزيد كما شاركوا في معركة الجلاء ببنزرت) استُشهد يوم عيد ميلاده الواحد والعشرين في 27 جانفي 1996 في عملية فدائية في منطقة السريرة (قضاء جزين) في جنوب لبنان.

7- الشهيد بليغ بن محمد أنور اللجمي: أصيل مدينة صفاقس وهو ينتمي إلى عائلة نقابية مناضلة استشهد في العملية نفسها التي استُشهد فيها رفيقه كمال بدري وذلك في 27 جانفي 1996 في منطقة السريرة (قضاء جزين) في جنوب لبنان.

8- الشهيد خالد بن صالح الجلاصي: من مواليد معتمدية نصر الله- القيروان، استشهد في 28 ديسمبر 1988 في عملية فدائية بمنطقة المنارة بالجليل الأعلى في فلسطين المحتلة. وخلافا لما نشر في الجريدة لم يتمّ تبادل جثمان الشهيد خالد لأنّه دفن في لبنان مباشرة بعد العملية حيت تسلمه الصليب الأحمر الدولي من الكيان الصهيوني وسلّمه إلى التنظيم الذي تبنى العملية. وورود اسمه في قائمة من تبادلهم حزب الله مع اسرائيل له تفسير واحد، هو أن الداخلية أعدت قائمة الشهداء التونسيّين ظنا منها أنّ خالد لدى الكيان الصّهيوني. وقد بنى كثيرون على هذا الخطإ أمورا مجانبة للصواب.

ولا يزال النضال المشترك بين الشعبين متواصلا:

لم يقتصر النضال التونسي- الفلسطيني المشترك على عملية أبو جهاد، بل تواصل عبر محطات لاحقة في أكثر من مناسبة بين 25 نوفمبر 1988 و27 جانفي 1996 وانتفاضة الأقصى سنة 2000 أو الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2015 والحروب على غزة في سنوات 2006، 2008 و2014… ورغم إكراهات السياسية والسياسيّين فإنّ النضال المشترك بين الشعبين التونسي والفلسطيني لا يزال متواصلا !

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

خمسة + خمسة عشر =

إلى الأعلى