الرئيسية / صوت الوطن / الأسعار في لعبة السياسة
الأسعار في لعبة السياسة

الأسعار في لعبة السياسة

علي البعزاوي

مستوى أسعار المواد في أي دولة من الدول ليس قضاء وقدرا أو أمرا محتوما على المواطنين قبوله مهما كانت انعكاساته على مقدرتهم الشرائية بل تحدده الخيارات السياسية.
في الأنظمة الرأسمالية عموما تكون الأسعار محررة وترتبط عادة بالعرض والطلب. فكلما كثر الطلب ندرت السلع وارتفعت الأسعار والعكس بالعكس. وفي كل الحالات يحافظ رأس المال على نسبة من الربح تساعده على المراكمة.
الدولة في الأنظمة الرأسمالية تلعب دور المتابع والمراقب ولا تتدخل إلا في حالات محددة. زمن الأزمات مثلا تضخ الأموال بهدف انعاش الاقتصاد وتدفع تعويضات للمتضررين ويصل بها الأمر أحيانا إلى بعث مشاريع عمومية الهدف منها إنتاج الثروة وتشجيع الخواص على الاستثمار. كما تقوم بدور الحامي للسلع المحلية ضد المنافسة الأجنبية وهو ما فعلته الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية لحماية منتجاتها الفلاحية.
في الأنظمة الديمقراطية الشعبية والاشتراكية تلعب الدولة دور الراعي فهي من يبعث المشاريع المنتجة ويشغل ويحدد أسعار السلع بما يسمح لعموم الشغيلة والشعب الكادح بالحفاظ على مقدرتهم الشرائية والعيش بكرامة. هذه الأنظمة لا تتأثر بالأزمات الدورية التي تضرب الأنظمة الراسمالية. وهي غير معنية بها. ففي 1929 عندما ضربت الأزمة كل الأنظمة الرأسمالية ظلت الدول الاشتراكية بمنآى عن هذه الأزمة ولم تتأثر بها.
الأنظمة الديمقراطية الشعبية والاشتراكية هدفها ليس ربحيا بل اجتماعيا بالأساس. وكلما نمى إنتاج الثروة كلما تطورت المداخيل وأصبحت الخدمات الأساسية التي تقدم مجانا لعموم الشعب أكثر جودة.
لقد أكد ماركس أنّ ” الإنسان هو أثمن رأسمال “.
الدولة الشعبوية مثلها مثل الأنماط التي سبقتها رغم أنها تعيش مرحلة انتقالية هي بالكاد من الصنف الأول أي دولة هدفها الرئيسي حماية مصالح كبار الرأسماليين المحليين والأجانب (الشركات والدول) والعمل على تنمية أرباحهم على حساب الشغيلة. وقد أكدت تجربة السنتين الأخيرتين أنّ المساحات الكبرى ومؤسسات الاتصالات ومصانع الغذاء والمنتوجات الطبية وشبه الطبية استغلت أزمة وباء كورونا وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية لتحقق أرباحا خيالية. أما عموم الشعب فقد ناله نصيب كبير من تدهور القدرة الشرائية والفقر والبطالة وتردي الخدمات الأساسية كما لم يحدث من قبل.
خيارات حكومة الرئيس وميزانية التفقير والتجويع لسنة 2022 ومختلف القرارات والإجراءات من ضغط على الأجور وتحرير للأسعار وتضييق على الانتدابات ودهورة للخدمات الاجتماعية إلى جانب الرسالة/الالتزام الموجه/ة لصندوق النقد الدولي تؤكد هذه الحقيقة.
التونسيات والتونسيون مطالبون بمعرفة هذه الحقيقة حتى لا يضيعوا الكثير من الوقت في انتظار حلول من الدولة الشعبوية لن تأتي، بل عليهم تأثيث النضالات السلمية والمدنية من أجل بديل مستقل عن كل الرجعيات المكرسة للتبعية والاستغلال، بديل يضمن العيش الكريم للأغلبية في ظل دولة قانون ومؤسسات مستقلة وذات سيادة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

اثنا عشر + 11 =

إلى الأعلى