الرئيسية / صوت الثقافة / إنشائيّة الصّورة بين مسار الحياة ومسار النّصّ في مجموعة “ورد لخدّها.. والمطر” للشاعر سليم بوخذير  
إنشائيّة الصّورة بين مسار الحياة ومسار النّصّ  في مجموعة “ورد لخدّها.. والمطر” للشاعر سليم بوخذير   

إنشائيّة الصّورة بين مسار الحياة ومسار النّصّ في مجموعة “ورد لخدّها.. والمطر” للشاعر سليم بوخذير  

خليل قويعة

ورد لخدّها.. والمطر”، مجموعة شعريّة ونثريّة للشاعر والكاتب الصّحفي والسّياسي سليم بوخذير، تونس 2022، تقديم السيّد حمّة الهمّامي. يقع الكتاب في 102 صفحة، من الحجم المتوسّط.

إنّ أوّل انطباع يمكن أن يحصل حول هذا الإصدار هو أنّه ليس فقط كتابا شعريّا بل هو تجربة في الحياة. لذلك حريّ بنا أن نتدبّر أوجه التقاطع والالتقاء والتّماهي أيضا ما بين مسارين على الأقل، وهما مسار الحياة التي يعيشها الكاتب على الأرض ومسار الحياة التي يستدرجها النصّ الشعري أو النثري وهو بصدد الكتابة. هذا إذا ما لم نحتسب مسارا ثالثا وهو مسار التلقي لدى القارئ الذي من خلال القراءة يحاول الرّبط بينهما بحثا عن مساره الخاص وعن موقع ملائم داخل النصّ نفسه. كيف يكتب الكاتب نصوصه؟ وكيف ترسم القصيدة ملامح شاعرها وينحت النصّ ملامح كاتبه؟ إلى أي مدى تنشأ نصوص بوخذير داخل أتون الحياة نفسها وتعتمل؟ هل القصيدة أو النّص ترسيم فكري ووجداني لوجود الكاتب نفسه؟ وهل يستقيم لهذا الكاتب وجود حرّ خارج النّص؟ كيف يتنفّس الكاتب ويعيش داخل أوكسيجين النّص؟ وما نصيب القارئ من هذا الهواء الذي ينفـثه الكاتب من روحه التاريخيّة والحيّة وينشره عبر الأرجاء من خلال العلامات والإشارات والكلمات؟ ذلك ما سنحاول النّظر فيه من خلال خمس نقاط:

  • نقطة تعجّب:

لا ريب، إنّ كافة النّصوص التي وردت في فصل “من كرّاس الحب” تنتهي بنقطة تعجّب. وهو تأكيد على مدى المتناقضات التي تزدحم بها الحياة وتبعث على التّعجّب. ولولا العجب، لما كان النّصّ. وليست النّصوص افتعالا للعجب ولا صناعة للإثارة بقدر ماهي نتاج وجع يوميّ وحُرقة واكتواء في غمار تجربة الحياة، يحوّله سليم بوخذير إلى مواقف وقضايا ووجهات نظر هي مدعاة للتّعجّب.

فليس اشتباك الرّجل مع تناقضات الحياة على نحو سالب ولا مبال، بل هو انطلاقا من إحساسيّة خلاّقة وبنية وعي تاريخي وفكر متوثب يتأمّل الأشياء ويحوّلها إلى كلمات، تلك هي رسالة الكاتب في الحياة: “ويتحوّلون في حياتنا إلى مجرّد نصوص..

بعد أن مارسوا مع قلوبنا..

مهمّة اللّصوص! “. ص. 26.

ينطلق الكاتب في هذا التّحويل والتّأويل من البسيط إلى المركّب. من مفردات وأحداث تبدو بديهيّة ولكنّها ملغزة ومكتنزة، حيث تتكاثف الدّلالات شيئا فشيئا على مسار القراءة والتّلقي وهو المسار الثالث الذي لا يمكن دونه الرّبطُ بين مسار حياة الشاعر وبين مسار تكوينيّة النّصّ، إلى أن ترسي القراءة في أفق اللّحظة القوليّة المركّبة التي تتضمّن، في ذات الوقت، مآل الأحداث في الواقع الحي ومآل تأويله وإنتاجه الأدبي من قبل الكاتب. وعادة ما تنضج هذه اللّحظة المكثفة في آخر النّص لتحيل إلى العجب، حيث تبدو الحقيقة وهّاجة بنار اللّهب، تفرض بوهجها على القارئ وتخرجه من أفق الانتظار البارد ومن البديهيّات الشائعة، لتضعه وجها لوجه أمام نار الحقيقة التي اكتوى بها الشاعر في معترك الحياة، وها هو يقدّمها إلينا في نصوص ساخنة بنار اللّظى، مثيرة للتّأويل المستمرّ وشغالة للفكر وجلاّبة للجدل. وكذا يكون النّص محاكمة لتاريخ البداهة والبلاهة، فيما تكون الحقيقة حريقة.
2- نار ومتعة، ورد ومطر:
يشعر القارئ بمتعة جماليّة في قراءة نصوص سليم بوخذير، سواء في “كرّاس الحبّ” المفعم بالرّومنسيّة، أو في “كرّاس الحياة” المغرق في الوجع… ولكن من قيمة هذه المتعة، على المستوى الإنشائي، أنّها قد تحجب عنّا ما وراءها من مكابدة وحرقة وغربة عاشها الشاعر- السّياسي في إنشائيّة الحياة وحممها، خارج خارطة النّص وتشكّلات اللّذّة (رولان بارط). ومن مزايا الاختزال في نصوص الكاتب، أنّه يصرّف العجبَ حِكمةً، كما في قوله:
“فلكلّ إنسان وطن واحد..
والنّاس لا تختار اللّجوء إلاّ إذا ضاقت بها الأوطان”، ص. 25. أو في قوله:
“لا يكفي أن تكون اللّوحة جميلة وخالية من الغبار
حتّى تكون لوحة ثمينة”، ص. 20.
وليست الحكمة ههنا إرشادا وموعظة وخطابا عموديّا من رجل حكيم، وقور ومتسام، إلى قارئ أقلّ مقاما وتجربة . بل هي خلاصة تجربة في الحياة، عندما يحوّلها سليم بوخذير إلى معرفة. فالحكمة ليست تمريرا لناموس الحياة والاعتبار لدى الأوّلين أو الرّاسخين في العلم، بل هي نتاج معرفيّ- خِبريّ (أمبيريقي)، وهي ثمرة مسار تأمّليّ في أعاجيب الزّمن وتناقضات الوطن، بعد أن عاشها الكاتب في مسرح الواقع وحوّلها إلى ذهنيّة النّص ووجدان القصيدة.
بل وليس الأمر يشترط أن يبلغ الشاعر من العمر عُتيّة ويتجاوز التّسعين، مثل زهير ابن أبي سلمى، حتّى “تأتيه الحِكم ارسالا وتنثال عليه معانيها انثيالا” . وقد قال زهير وهو أحد ألمع شعراء الحكمة:
“سئمت تكاليف الحياة ومن يعيش ثمانين حولا لا أبالك- يسأمِ
وأعلم ما في اليوم والأمس وقبله لكنّني عن علم ما في غد عمِ” .
3- حكمة وسخرية:
هكذا، يقدّم بوخذير حكمه في الحياة في صيغة تعجّب، والتّعجّب انفعال يقترن بالاحتمال وليس علما بالغيب وخبرة عمريّة، بعد عمر مديد، لا وليس تصريحا بالثوابت واليقينيّات العابرة للأزمان. وكثيرا ما يأتي التّعجّب في صيغة سخرية. والسّخرية موقف من الوجود، ليس موقفا عبثيّا يستند إلى اللاّ معنى كما عند العبثيّين أمثال يوجين يونسكو وألبار كامي… بل هو طريقة للنّفي البنّاء. إنّه هدم ذاتي (autodestruction) يتّجه إلى منظومة القيم والنّواميس المتخشّبة لإعادة هيكلتها شعريّا (هيغل، في حديثه عن الوعي الشقيّ في “فينومينولوجيا الفكر”. وهي سخرية إيمائيّة تتجه إلى مراجعة ثوابت المعقوليّة الاجتماعيّة وإعادة هيكلة علاقاتنا بالعالم على أساس التّنوّع والحريّة (نيتشة، “هكذا تحدّث زاراذوسترا”…)، وإن كان نيتشة قد أقام من خلال السّخرية في مناطق العدميّة، لا محالة، فاتحا الباب من جهة أخرى على تعدّديّة الحقيقة. وقد أعرب بوخذير في فصل “من كرّاس الحبّ”:
” ببساطة، سلكنا الطريق السّريعة نحو الأشواك!…
بالمناسبة: مع أنّ هذه المسألة مروريّة بحتة،
فإنّك لن تجد لها أثرا في قانون الطرقات!”، ص. 26.
إنّ الكلمة الشعريّة حقيقيّة، ولكنّها ليست صحيحة. حقيقيّة، لأنها تستند إلى حقيقة ما في الوجود، يعمل الشاعر على تعريتها وفضحها، ولكنّها لا تخضع إلى منطق الصّحيح والخاطئ… فعبثا نحاول إن نحن أخضعنا شعر سليم بوخذير إلى ميزان معياريّ، اجتماعيّ كان، أو هندسيّ… وهو القائل في “بطاقة زيارة” مخاطبا حبيبته:
“حين حضرت.. انتفض المكان والزّمان
وراحت الأرض تحاكي الآفاق البعيدة..
وراح قلبي يطير، يطير..
مغازلا نور القصيدة”، ص. 67. كما قال في ذات القصيدة:
“ويسكت شهريار لتصنع عروس الأغاني كلّ الأماني
في لحظة غارت منها الأساطير والحَكايا..
وغار القمر”، ص. 68.
4- امرأة، وطن ومقاومة:
إنّ مجمل الأشعار الواردة في مجموعة “ورد لخدّها.. والمطر” إمّا أن تتغنّى بالمرأة وإمّا أن تتغنّى بالوطن. المرأة هي الحبيبة والوطن هو تونس.
إنّ الحبيبة لدى الشاعر بوصلة ترحاله وطريقه إلى قلبه وإلى وجوده. إنها السّعادة الممكنة، بقدر التطابق الشعري الذي يحصل بين الشاعر ولحظة امتلاك وجوده. وهي لازمة وجوديّة على الأرض وعنوان الخلاص. بل هي كما لدى الشاعر السّوريالي أندراي بروتون في « Arcane 17 » خلاص الرّجل من عنف هذا الزّمان وطاقة لتجدّد الحياة على نحو أبدي:
“هذا الصّباح، لا داعي لأن أقرأ ركن “حظّك اليوم” بالصّحيفة..
يكفي أنّك إلى جواري لأعرف أنّ نهاري عسل..”، ص. 55.
فعلاقة الشاعر بالحظّ السّعيد تتحدّد بمدى قربه من الحبيبة. فهي الخلاص إلى إشراقة الحياة وهي لحظة امتلاء الكينونة.
5- استئناف لزمن التّأسيس:
لكنّ المرأة في شعر سليم بوخذير هي عنوان المقاومة من أجل ضمان الاستمرار والبقاء على الأرض، ودونها يقع الشاعر في دوّامة الاغتراب والتّيه. إنّ المرأة أكثر من حبيبة، بل هي الرّوح والمعنى في الوجود، واقعا وقصيدة. ولقد قالها بوخذير صراحة:
“لولا المرأة ما كان الكرسيّ ولا الطّاولة ولا القهوة
ولا الورقة والقلم ولا الشعر ولا الحبّ!
ولا كنتَ أنتَ”، ص. 23.
وأمّا الوطن فهو المجال الحيوي والتّاريخي الذي تتجسّد فيه هذه المقاومة، مقاومة الانغلاق وأحاديّة المعنى وقوى الجذب إلى الوراء وتسطّح القيم الانسانيّة، مقاومة الخيانة والفوضى واللاّ معنى:
“يلاّ نكمّل ها الحلمة
ونرسمها هلال ونجمة
ونرصّع بالذّهب اسمه
وننقش في القلب رسمه
تاج بلادي الشهيد”. ص. 96.
وينتهي القصيد متفائلا:
يبشّر بالفجر العاطر
ويحلّي بالحلم زغاريد”. ص. 96.
إذ القصيد رسم لطريق الضّوء في العتمة من أجل قادم أجمل…
هكذا، تتدارك إنشائيّة النّصّ الشعري إنشائيّة الحياة وتبشّر بالآتي، فيما الشعر تأسيس للمستقبل، بقدر ما هو رفع للهمم و”ما يبقى إنّما يؤسّسه الشعراء”، كما قال هولدرلين، معاصرا لهيغل. تلك هي رسالة الشاعر: التّأسيس في معتركٍ تاريخي، على صفيحٍ ساخنٍ، يوجّهها إلى أصحاب الهمم:
“فالرّسائل قد تتوه في الطّريق
إذا وجّهناها إلى..
العناوين الخاطئة”.
إنّ القصيدة فعل في قلب الحياة، أمّا النّظر فهو متعطّش إلى الآتي. والشعر مستمرّ…

العين، في 16 سبتمبر 2022

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

15 + 16 =

إلى الأعلى