الرئيسية / صوت الوطن / ما أشبه اليوم بالبارحة
ما أشبه اليوم بالبارحة

ما أشبه اليوم بالبارحة

علي الجلولي 

حين تتعقد الأوضاع وتتداخل الأوراق، وفيما يتطلب التعاطي السليم قدرا مهما من العقلانية والشجاعة والوضوح، تتجه الانتهازية بشتى تعبيراتها وفي مختلف المجالات إلى حرف النظر وتلويث الجدل السليم بما يشكل مساعدة لا على الفهم بل على السطحية والجبن في إرباك مقصود لا قصد له سوى إضعاف الموقف الثوري وتزيين المقاربات الانتهازية التي لا هدف لها سوى بث الوهم لتسهيل تمرير المصالح الفئوية والشخصية التي كثيرا ما كانت تقود أوساط الانتهازيين.

لقد بيّنت الحملة السياسية/الإعلامية الأخيرة والتي استهدفت حزب العمال وأمينه العام تحديدا، وهي في الحقيقة حملة متواصلة منذ عقود ولم تهفت يوما في استهداف الفكر والمواقف الثورية التي ظلت على الدوام ومهما اختلف الزمان أو المكان، خاصية من خصائص الصراع الطبقي والسياسي. لقد كشفت هذه الحملة التي تقودها الأذرع الدعائية الشعبوية وتنخرط فيها عن وعي وغيره أوساط من الانتهازيين بمن فيهم سليلي بعض تعبيرات “اليسار” الذي وضع نفسه على ذمة السلطان كما تعوّد ذلك، كشفت عن خلط ولو أنّ غالبه مقصود، وعن قصور في التمثل والتفكير والوعي.

إنّ ما تعيشه بلادنا اليوم ليس مستجدا، فالانقلاب ليس الأول في تاريخ البلد فقد قام بن علي بانقلاب أبيض من داخل المنظومة الحاكمة على وليّ نعمته، ولم يجد في معارضته إلا القوى المبدئية فيما تهافتت أغلب القوى السياسية والاجتماعية والمدنية على مساندته، هذه المساندة التي رافقته إلى يوم رحيله الذي كان المطلب الأساسي لثورة الشعب. لقد ساندت هذه القوى بن علي لأنه “خلّص البلاد من الفساد والاستبداد والرئاسة مدى الحياة”. وبعد أن رتّب بيته الداخلي صلب الطبقة والأجهزة والحزب، نظم الهجوم الواسع على كل خصومه لفرض صمت القبور، وطبعا كانت الانتهازية في الموعد مقدمة جليل الخدمات، فانبرى صحافيون وسياسيون ونقابيون ومثقفون ونشطاء من كل حدب وصوب للانخراط في جوقة الدعاية والتحريض متزامنة مع الهجوم السافر على الحريات، وقد كانت الحجج يومها أنّ الخوانجية أعداء الحرية وخطر ومتطرفون وإرهابيون..، لذلك لا مشكل في قمعهم وتعذيبهم وإصدار أحكام ثقيلة بالسجن، وحين طالت عصا القمع مناضلات حزب العمال ومناضليه، انبرت نفس الجوقة لتكرير نفس التعلات، فهؤلاء أيضا متطرفون، ولعل البعض يتذكر خطاب السلطة طيلة تسعينات القرن المنصرف بكون “بن علي يتصدى للتطرف مهما كان مأتاه”. ولعل البعض يتذكر جيدا انخراط عديد القوى في النظرية الانتهازية التي تقول أنّ المطلوب التصدي للفاشية الصاعدة ممثلة في الخوانجية أساسا باعتبارهم أخطر من الفاشية النازلة ممثلة في نظام بن علي. لقد وجدت هذه المقاربة الانتهازية روادا في أوساط الانتهازيين منذ أوساط التسعينات حين كان بن علي ونظامه في أوج قوتهما مسنودين بتواطؤ أغلب القوى محليا ومساندة أهم القوى خارجيا.

لقد كنا من القوى القليلة، وهذا نقوله للتوثيق والتذكير لا للتفاخر، التي صاغت الفهم الثوري السليم والمبدئي للتناقضات الاجتماعية والسياسية التي تشق البلاد وما يترتب عن ذلك من ضبط للأولويات، ولن نأتي بجديد حين نقول إنّ ذلك هو ما يرسم خطوط الفصل بين الموقف الثوري والمواقف الإصلاحية والانتهازية والطفولية. وكما هو طبيعي تتحدد العلاقات السياسية تأسيسا على ذلك، لقد انبنت تجربتنا السياسية طيلة عقود على المبدئية والجرأة والشجاعة، ولم نهادن حاكما ولم نوجه سهامنا في غير محلها، وحين توفرت الحرية السياسية التي اعتقدنا منذ تأسيس الحزب أنها المدخل المحوري وأحد العناوين الأساسية لنضال شعبنا من أجل تحرير إرادته ووعيه وتنظمه، فيما كان يراها البعض تشويها للنضال الحقيقي خوفا من التصادم مع السلطة الحاكمة التي رفضوا لعقود توصيفها بالفاشية والدكتاتورية، حين توفرت الحرية التي لم يناضل العديد من أجلها انبرى البعض إلى الاعتراف بكوننا كنا على حق لكن دون الجرأة على استكمال التقييم النزيه بالاعتراف بخطأ موقف المهادنة. لقد انخرطنا في مقاربة أنّ الثورة تقبر ما قبلها والمهم هو الاستعداد للتجاوز، لكن هاهي الأصوات تنعق من جديد فرادى وجماعات من أجل جرنا إلى الانتهازية وإلى مهادنة منظومة الحكم وإلى خلط الأوراق لتمرير أسوأ المواقف وأكثرها ضررا على شعبنا الذي يتعرض لمغالطة كبرى تتمثل في كون ما جرى يوم 25 جويلية 2021 هو تصحيح للمسار الثوري، وهو حركة تصحيحية استهدفت حركة النهضة الظلامية والإرهابية والفاسدة، لذلك فإنّ الموقف السليم يقتضي مساندة هذه الحركة ورأسها والإجراءات التي تم اتخاذها. نحن نرى أنّ التاريخ يعيد نفسه في شكل مهزلة، فبعض القوى والأوساط هي ذاتها التي قامت بنفس الدور بداية التسعينات وانضمت لها جوقات أخرى من المرتزقة والمضللين، وقد وصل الأمر حدّ انخراط بعض مدّعي الانتساب إلى اليسار في دعم الانقلاب وتوجهاته رغم كونها تواصل نفس الخيارات الطبقية والسياسية والاجتماعية والثقافية المعمقة للتبعية والتفقير والتهميش والتطبيع…

نفس خيارات دولة الاستعمار الجديد وهي خيارات لا وطنية ولا شعبية، والانقلاب قاده جزء من المنظومة ضد جزء آخر، وهما من نفس الطبيعة الطبقية والسياسية والفكرية، فسعيد لا يقلّ يمينية وظلامية ومحافظة على حركة النهضة وائتلاف الكرامة، وهو إضافة إلى ذلك معادي للحركة النقابية والمدنية، ومجمل الوسائط وعلى رأسها الأحزاب التي اعتبر أنّ عهدها ولّى ومضى، وهو معادي للمساواة بين الجنسين ، ونظامه يقمع الحريات ويتابع المدونين والنشطاء ويلفق القضايا من خلال قضاء التعليمات وأمن التعليمات. وهو لا يفتح القضايا والملفات الحارقة والمهمة التي تهم المحاسبة والمسائلة مثل قضايا الاغتيالات والأجهزة الموازية والتسفير والفساد واستغلال النفوذ…، فلماذا يطالبنا “أصدقاؤنا” بمساندته ودعمه؟

طبعا لن ندخل المستنقع، ولن نرتبك في ضبط التناقضات المركزي منها والأساسي، لقد صغنا الشعار المكثف لكل ذلك في شعار ” لا شعبوية لا دساترة لا خوانجية”، وإذا كان التناقض الرئيسي الآن هو مع الشعبوية باعتبارها على رأس الحكم وفي قلب المنظومة وتقود الدولة، فإنّ التناقض الأساسي هو مع جناحي منظومة الهيمنة الطبقية والسياسية والإيديولوجية التي قادت الدولة قبل 25 جويلية وقبل 14 جانفي أي “الدساترة والخوانجية”، والترتيب بينهما طبعا تمّ لدواعي تتعلق بالوزن الموسيقي لا غير. إنّ هذه القراءة الماركسية اللينينية للتناقضات وللأولويات هي القراءة الأكثر تماسكا وجرأة وشجاعة، هي قراءة حرة ومتحررة من كل تبعية لأيّ كان من أقطاب الرجعية الجاثمة أو المتربصة. أما من يريدون جرّنا إلى النظرية السخيفة التي اعتنقتها كل الجوقات الانتهازية هو منذ غابر الأزمان أنّ “البهيم المربوط أخطر من البهيم المسيّب”، فهذا منطق لن نتجرعه كلفنا ذلك ما كلفنا، فكلا الحمارين خطير وأخطرهما هو “المسيب” الذي يأكل الزرع، كل الزرع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×