الرئيسية / صوت الوطن / عام مضى وعام أتى وحال التونسيين يزداد تدهورا
عام مضى وعام أتى وحال التونسيين يزداد تدهورا

عام مضى وعام أتى وحال التونسيين يزداد تدهورا

علي الجلولي

انقضى منذ ساعات عام 2023 ليترك مكانه لعام جديد يرجو التونسيّون أن يكون أفضل. لقد مضى عام ثقيل ومُرٌّ عرف فيه الشعب ما لم يعرفه منذ عقود. فرغم ادّعاءات السلطة وأذنابها أن العام المنقضي حقّق مؤشّرات للخروج من الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي السّيئ (نعم هكذا)، ولم تستحِ جوقة الزّبانية من ترديد دعايات سخيفة لا معنى لها سوى الانخراط في مزيد الضّحك على ذقن الشعب وتدمير وعيه وإدراكه وفهمه حتى الحسي والبسيط للأشياء، فرغم ذلك فالوضع غاية في الدقّة والسّوء.

عام تصاعد الاستبداد

لقد انطلق العام المنقضي بتنظيم مسخرة انتخابيّة تمثّلت في بعث برلمان صوري أسندت له “الوظيفة التشريعية” التي سيقوم بها صحبة مجلس ثاني انتهى العام الجاري ببعث هيئته الأساسية المسمّاة “المجلس المحلّي” الذي لا يعرف أحد مهماته ولا وظيفته ولا حقوق أعضائه ولا واجباتهم. تمّ “انتخاب” المجلس الأوّل بنسبة تصويت لم تتجاوز الـ 11.3% وها هو المجلس الأخير “يُنتخب” من طرف 11.86% ، علما وأن كلا النّسبتين تعرّضتا للقدح والتّشكيك من قبل عديد الجهات المدنيّة والحقوقية. إن بعث المجلسين – أو الغرفتين – هو استكمال للهيكلة السّياسية لنظام الحكم كما يراه ويريده قيس سعيد، وهو نظام أقرب للفوضويّة باعتبار قيامه أصلا على فكرة من أخطر ما أنتج الفكر السياسي الاستبدادي وهي فكرة إلغاء “الأجسام الوسيطة” ممثّلة في كل أشكال وآليات الانتظام المدني والسياسي والاجتماعي. إن المشروع برمّته يقوم على إلغاء الأحزاب والجمعيات والمنظمات النقابية بدعوى أن العلاقة الفُضلى بين الحاكم والمحكوم يجب أن تكون مباشرة “مثل العلاقة بين الخالق والمخلوق” كما صرّح قيس سعيد قبل وصوله للحكم.
إن حصيلة عامين ونصف من استفراد سعيد بالحكم ظاهرة وجليّة من جهة تصحير الحياة العامّة وسحل كل أشكال الانتظام من أحزاب إلى منظمات ونقابات، لقد تمّ فعليا تكريس فكرة “من تحزّب خان”، إذ لم تشهد بلادنا ترذيلا وشيطنة للسياسة وللعمل السياسي المنظّم أكثر ممّا عاشته في المدّة الأخيرة. صحيح أن بلادنا عاشت سابقا أثناء حكم دكتاتورية بورقيبة وبن علي تجريما للنشاط السياسي والمدني، كما عاشت بعد صعود سعيد إلى قصر قرطاج وصعود راشد الغنوشي إلى قصر باردو ترذيلا عاليا للسّياسة والتحزّب من خلال عروض السّيرك على الهواء مباشرة والتي نشّطها الرّباعي الشّعبوي ممثلا في “ائتلاف الكرامة” و”جماعة نبيل القروي” و”الحزب الدستوري” و”حركة النهضة”، والتي نفّرت الأغلبيّة السّاحقة من الشعب من متابعة الشأن العام، وهو ما استغلّه سعيد باقتناص تنامي الغضب لإلغاء الحياة السّياسية ومسك كل مفاصل القرار بيده. لقد وصلت الأوضاع السّياسية في بلادنا درجة عميقة من التّدهور بما يذكّر بالأيام العصيبة للدكتاتورية. فترسانة التّشريع من الدستور إلى القوانين والأوامر كلّها صاغها سيادتَهُ لسيادتِهِ، ووصل الأمر حدّ إصدار التسميات الجزئيّة حتى في مصالح إدارية خدميّة، كلها تصدر مذيّلة بإمضاء رئيس الدولة دون سواه، فيما تشهد الحرّيات تراجعا فضيعا مقابل تنامى سطوة عصا الأمن والرّقابة وتوظيف القضاء وتدجين الإعلام ووضع اليد على الإدارة.
إن حصيلة العام هي حصيلة تنامي مظاهر الحكم الفردي المطلق والذي لا يمكن فرضه وإعادة بعثه دون مصادرة الحرّيات ولجم الأفواه، وها هو العام ينهي ساعاته الأخيرة بإيداع الصّحفي زياد الهاني السّجن على خلفية كلام علق به في وسيلة إعلامية. فيما يتواصل سجن نشطاء وسياسيّين ونقابيين ومدوّنين وغيرهم على خلفية المرسوم 54 الفاشي. إن سجون بلادنا تعجّ اليوم بموقوفين على خلفيّة آرائهم ومواقفهم وتصريحاتهم وكتاباتهم، وهو الوجه الآخر والشرط الضروري لوضع اليد على البلاد، البلاد التي تستقبل العام الجديد وهي غارقة في الضّبابية والعتمة، فلا أحد بإمكانه معرفة أين تتّجه السلطة وأين يسير حاكمها. إن النظام القائم ببلادنا اليوم أعادنا، لا إلى ما قبل الجمهورية الحديثة فحسب، بل أصلا إلى ما قبل النّظام الملكي المستنير الذي تحدّث عنه “فولتير” والذي يتميّز بالاحتكام إلى قوانين عقلانية تتمايز مع الأهواء وفردانية التّسيير، وهو نظام يستلهم من الأفكار السابقة لـ”مونتسكيو” الذي تحدّث عن فصل السلطات وترتيبها ومراقبتها لبعض: مراقبة السلطة التشريعية للسّلطتين، ومراقبة السّلطة القضائية للسّلطتين وخضوع السلطة التنفيذية للسّلطتين. لقد عادت ترسانة التّشريع في تونس التي أمدّت الإنسانية بأقدم دستور، هو دستور قرطاجنّة الذي أشاد به “أرسطو”، عادت لتنهل من أفكار الاستبداد الماقبل فاشيّة التي لم تتجرّأ في عديد الحالات على إلغاء الحياة السياسية وحافظت فيها على الأقل على الواجهات.

الوضع الاقتصادي والاجتماعي يكذّب حملات التّبييض

لقد انتهى العام على إطلاق حملة من أنصار سيادته مفادها أن الدولة حقّقت نجاحات هامّة مثل خلاص نسبة هامة من الديون، ومثل تحسين الميزان التجاري وتراجع نسبة التضخّم وتحسّن موارد الدولة (الفسفاط، الفلاحة…)، وتبقى المغالطة الكبرى التي لا يخجل الزّبانية من ترديدها وهي أن ميزانية العام الجديد ستكون “ميزانية الاعتماد على الذات”. إن الجريمة الكبرى اليوم في بلادنا ليست فقط اضطهاد الشّعب وقهره، بل هي أيضا الكذب عليه واحتقار ذكائه. إن مجمل هذه المعطيات خاطئة فما تمّ سداده في العام الجاري هو 80% من خدمات الدّيون المستوجبة لهذا العام، وهي ديون في أغلبها إن لم تكن كلّها كريهة لم يُقْدم الحاكم بأمره ولا أنصاره بطرح مهمّة التدقيق فيها فضلا عن تجميد سدادها، مقابل ترديد شعارات للمغالطة لا غير، فيما لم يعرف الميزان التّجاري تحسّنا لأن المنطق الذي يقود التصدير والتوريد هو ذاته لم يتغيّر بل أن الظروف العالمية وغلاء عديد البضائع فضلا عن ندرتها هو الذي حكم تراجع توريدها لا غير. وفي الوقت الذي تردّد الجوقة هذه الادّعاءات والإشاعات، تعجز الدولة عن توريد أدوية أساسية فضلا عن قطع غيار هامة وسلع حيوية لسير دواليب عديد المصالح الصناعية والفلاحية.
أما نسبة التضخّم فالقاصي والدّاني يعلم في تونس حقيقة الأسعار وحقيقة المقدرة الشّرائية التي تؤكّد الأرقام الرّسمية وشبه الرّسمية أنّها بلغت درجة غير مسبوقة فعلا من السّوء. يضاف إلى ذلك ندرة المواد الأساسية التي أصبح المواطن يحملها تحت ثيابه بعد أن تدبّرها بأضعاف ثمنها وتطبيع التونسيين مع ظاهرة الطوابير أمام المخابز والفضاءات التجارية..، وكلّها مظاهر ذكّرت شيوخنا وعجائزنا بسنوات الأوبئة والجوائح والحرب.
أما الحديث عن تحسّن مداخيل وموارد الدولة فلن يصدّقه أهالي قفصة مثلا الذين يرون بأمّ أعينهم يوميا تعطّل أغلب مصالح شرطة الفسفاط، وأنّ الفلاحين يعرفون حقيقة موسم التّمور والزيتون والقوارص حيث يفرّط الفلاح في منتوجه بأسعار بخسة لتصل إلى المستهلك بأسعار خيالية (لتر زيت الزيتون بـ 25د) والمستفيد الوحيد ليس الفلّاح ولا المواطن ولا الدولة بل كمشة مصّاصي الدماء المتحكّمين في مسالك التوزيع الرسمي والموازي. كما أن كذبة “ميزانية التعويل على الذات” لن يصدقها إلا مجنون أو مخبول، فكلّ مطّلع، ولو غير مختصّ، على ميزانية العام الجديد وقانون ماليته يلاحظ دون أي مجهود أنّ باب الموارد يقوم أساسا على الاقتراض الداخلي والخارجي، وأن هذا الأخير في غالبه غير معلوم المصدر، يعني أن “مجلس الدُّمى” وضع جداول فارغة بها مبالغ يقع التدبّر في شأنها لاحقا وهو أمر لا يعني سوى قمّة العبث في تدبير شأن الدولة، وهي خاصية تتواصل في “العهد السعيد” الذي ورثها وحافظ عليها من “العشريّة السوداء”.
إن شعبنا يودّع عاما ويستقبل آخر على وقع أوضاع اجتماعية صعبة للغاية، فالغلاء وتدهور المعيشة توسّعت إلى طبقات وفئات واسعة أصبحت متضرّرة من أزمة مستفحلة زادتها الشّعبوية تعمّقا. كل المؤشرات تتصاعد: في البطالة والبؤس والفاقة والتسوّل و”الحرقة” والجريمة والمخدّرات والبغاء والطّلاق والانقطاع المدرسيّ والتدهور القيمي والاخلاقي؛ وهذه هي الحصيلة الحقيقيّة والملموسة والتي يراها الناس لمنظومة الحكم المصرّة على الفشل بحكم الارتهان لنفس السياسات والخيارات المتّبعة من قبل نفس الطبقات الاجتماعية التي تحكم فعليّا البلد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×