الرئيسية / صوت الوطن / الحصيلة الاقتصادية بعد 7 سنوات من الحكم: شعارات على محك الواقع
الحصيلة الاقتصادية بعد 7 سنوات من الحكم: شعارات على محك الواقع

الحصيلة الاقتصادية بعد 7 سنوات من الحكم: شعارات على محك الواقع

بقلم جيلاني الهمامي

الأزمة هي ظاهرة مصاحبة وملازمة للاقتصاد التونسي منذ ستينات القرن الماضي لأنها ناجمة عن طبيعة البنية الاقتصادية الاجتماعية العامة السائدة في تونس. لذلك هي أزمة هيكلية ازدادت تشعبا واشتدادا مع اختيارات الحكومات المتعاقبة طيلة نصف القرن المنقضي. ورغم أن ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي أجرت تغييرات سياسية على شكل الدولة وخطت بعض الخطوات في إرساء أسس دولة ديمقراطية ليبرالية بديلة عن دولة الاستبداد فإنها بالمقابل لم تمسّ من موقع ومصالح التشكيلة الطبقية الماسكة بالبنية الاقتصادية. ما يعني أن الثورة لم تحرز أي تقدم ولو قيد أنملة في معالجة الأزمة التي غرق فيها الاقتصاد التونسي وعانى ولا يزال يعاني منها الشعب. لذلك هي، من ناحية أخرى، أزمة قارة ودائمة لا تنتهي.

عندما ساقت الصّدفقيس سعيد لاعتلاء كرسي الرئاسة ساد خطاب جديدحول السيادة الوطنيةوالقطع مع منهج التنمية القديم والتعويل على الذاتورفض تطبيق الإملاءات الخارجية وعدم الرضوخ لضغوط المؤسسات المالية الدولية وخاصة صندوق النقد الدولي. وتمكن هذا الخطاب من مغالطة أوساط واسعة من الجماهير الشعبية والنخبة التي باتت تعلق على الرئيس الجديد آمالا كبيرة في فك الارتباط بالدوائر الأجنبية والخروج من التبعية للقوى الاستعمارية التي خضعت لها بلادنا منذ أمد طويل.

ولكن الاختيارات الاقتصادية المعبّر عنها في سلسلة القوانين والميزانيات والإجراءات المتخذة والنتائج المسجلة بعد حوالي سبع سنوات من الحكم أثبتت وبما لا يدع مجالا للشك أن كل تلك الشعارات التي تم ترديدها ليست سوى خطاب مخادع وتمويه يرتقي إلى مستوى الكذب. وسنحاول فيما يلي التركيز على جانب واحد من المسألة للتدليل على صحة الحكم الذي حكمناه على حصيلة حكم قيس سعيد في مجال التنمية الاقتصادية باستقلالية عن الدوائر الرأسمالية العالمية.

السيادة الوطنيةوالتعويل على الذات

هو من الشعارات التي بنى عليها قيس سعيد استراتيجيته الدعائية والتواصلية إيمانا منه – وهو في هذا الصدد على صواب – بحساسية الموضوع في نظر الشعب التونسي الذي يقيم لمسألة الكرامة الوطنيةواستقلال القرار الوطني أهمية كبرى. من ذلك أن شعار شغل حرية كرامة وطنيةكان من أكثر الشعارات تأثيرا في انتفاضة الشعب التونسي شتاء 2010 – 2011.

لذلك ركز عليه تركيزا خاصا بغاية الظهور بمظهر الوطنيوكسب ثقة الشعب للبقاء في الحكم أطول مدة ممكنة. ولكنه تغافل عن أن ثقة الشعب لا تنبني فقط على الشعارات البراقة وعلى الخطاب الحماسي بقدر ما تنبني على وقائع مادية ونتائج حقيقية ملموسة.

لم ينتظر الشعب التونسي كثيرا لتظهر له جلية الأمر ويدرك الطابع التضليلي الكاذب للشعارات التي رفعها قيس سعيد وجعل منها واحدة من أدوات دعايته الرئيسية.

المديونية العمود الفقري للتبعية

إن مديونية بلدان ما يسمى بالعالم الثالث ليست عامل تنمية بل هي أخطر أداة في نسف أسس التنمية في هذه البلدان علاوة على أنها عامل من عوامل الاضطرابات التي تهز الاقتصاد الرأسمالي المعولم. هذه حقيقة علمية أثبتها علماء الاقتصاد بشكل واضح وتام. وعلى هذا الأساس باتت مسألة التخلص من المديونية أو الحد منها مشغلا كبيرا في سياسات التنمية وهدفا أساسيا في البرامج الاقتصادية في هذه الدول. فإلى أي مدى نجحت حكومات قيس سعيد في تحقيق هذا الهدف؟

اعترف سمير عبد الله وزير الاقتصاد والتخطيط أمام البرلمان في شهر ماي الماضي أن البرلمان صادق على 19 اتفاقية قرض وهو نفس عدد القروض التي سبق أن صادق عليها البرلمان سنة 2015. وللمقارنة فإن البرلمان صادق في دورته ما بين 2015 و2019 على 136 اتفاقية قرض فإنه صادق ما بين 2020 و2026 (حصيلة مؤقتة) على حوالي 90 اتفاقية قرض(1). ما يعني أن خيارات الدولة قبل مجيء قيس سعيد وبعده لم تتغير فيما يتعلق بطريقة تمويل الاقتصاد والتعويل على الاقتراض الداخلي والخارجي. وللتدليل على ذلك فقد ارتفعت نسبة التداين بـ 7.2% سنة هذه السنة مقارنة بالعام الماضي. مع الإشارة إلى الفارق في كلفة القروض المصادق عليها قبل 2019 والمصادق عليها بعد هذا التاريخ.

وإلى حدود سنة 2021 كانت الديون الخارجية تطغى على هيكلة المديونية التونسية لتترك مكانها للديون الداخلية التي أصبحت تمثل هذه السنة مثلا 57% من مجموع المديونية وذلك بسبب الصعوبات التي تلاقيها بلادنا في الأسواق المالية العالمية بعد تعطل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بصدد القرض الممدد بمبلغ 1.9 مليار دولار.

إن ما يقع ترويجه حول رفضالسلط التونسية لإملاءات صندوق النقد الدولي هو محض مغالطة وقلب للحقائق وادعاء لا أساس له من الصحة ذلك أن الحكومة التونسية التي أنهت كل المشاورات مع الصندوق عبر فريقه التقني المكلف ومن خلال حضورها لاجتماعات مواعيد الربيع والخريف صادقت على مضمون اتفاقية القرض الممددبما جاء فيها من أحكام وشروط ومنها الإصلاحات الاقتصادية والمالية والاجتماعية وكانت على أهبة لإمضاء الاتفاقية(2) لولا اشتراط الصندوق أن يكون الإمضاء من قبل رئيس الدولة لا الحكومة.

إن رفض قيس سعيد إمضاء الاتفاقية لأسباب سياسية انتخابية (تتعلق بمستقبله السياسي) لا يعني بالمرة رفضه لمضمونها بل بالعكس سعى بكل جهده إلى إقناع صندوق النقد الدولي بالاكتفاء بإمضاء الحكومة الأمر الذي تم رفضه. والدليل على ذلك أن شرعت الحكومة في تنفيذ إصلاحاتالصندوق حتى في ظل في ظل فشل الصفقة. ذلك ما تضمنته ميزانيات السنوات الماضية فيما يخص غلق باب الانتداب والتخفيض من حجم كتلة الأجور إلى 12 % والتخفيض من اعتمادات الدعم وخوصصة المؤسسات العمومية الخوتجدر الإشارة هنا إلى إعلان رئاسة الحكومة التونسية، يوم الثلاثاء 5 أوت 2025، انخراط بلادنا رسميًا في مبادرة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) بخصوص مقايضة الديون الخارجية باستثمارات موجّهة نحو مشاريع تنموية ومناخية(3). ذلك ما يثير مخاوف جدية أن تكون الديون المقصودة هي تلك التي تحصلت عليها المؤسسات العمومية. وسبب التخوف هو أن يكون ذلك مدخلا للتخلي عن جزء من رأسمال هذه المؤسسات لشركاء أجانب. بهذه الطريقة تنفذ تونس توصية صندوق النقد الدولي المتعلقة بخوصصة المؤسسات العمومية في الوقت الذي تثير الكثير من الضجيج حول التعويل على الذاتوعدم التفريط في مؤسسات الشعبوما إلى ذلك من الشعارات الكاذبة.

ما ينبغي الإشارة إليه أيضا أن طي صفحة القرض الممددلا يعني انقطاع علاقة تونس بالصندوق، فتونس عضو به ومطالبة بمقتضى البند الرابع من قانونه الأساسي بالقيام بمشاورات دورية كل سنة مع الفريق التقني للصندوق. غير أن هذه المشاورات (الإجبارية) تعطلت أكثر من اللزوم (من وجهة نظر الصندوق) ولم تقع منذ شهر فيفري 2021 وهو ما من شأنه أن ينعكس سلبا على الاقتصاد التونسي في عديد الاتجاهات منها حصول انطباع سلبي لدى المستثمرين ووكالات الترقيم السيادي وشكوك حول المصداقية السياسية والمالية لتونس“. من جانب آخر ونتيجة لتعطل العلاقات بين الطرفين أصدرت وكالات الترقيم تصنيفات سلبية جدا لتونس واقتصادها ومديونيتها وحتى لبعض مؤسساتها (البنوك مثلا) بحيث لم يعد بإمكانها التوجه للسوق المالية العالمية إلا بشكل محدود للغاية. مع العلم أن الاقتراض من الصندوق يعد هو الأقل كلفة (إذ لا تتجاوز نسبة الفائدة الـ 6 %).

ونظرا لانسداد أفق التوصل إلى مفاهمة مع الصندوق الدولي اتجهت حكومة قيس سعيد إلى استراتيجية مزدوجة تقوم على توقيع اتفاقيات دعم مالي بأحجام كبيرة من Afrimexbank وصندوق النقد العربي (FMA) من جهة والحصول على قروض ضمانات قطاعية مهيكلة (من البنك الدولي للإنشاء والتعمير، البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، الجمعية الإسلامية الدولية لتمويل التجارة) لفائدة المنشآت العمومية التونسية من جهة ثانية.

وقد اضطرت إلى الاقتراض أحيانا بنسب فائدة تصل إلى 12% من البنك الإفريقي للاستيراد والتصدير Afrimexbank والبنك الإفريقي للتنمية BAD ومن الاتحاد الأوروبي ومن بعض البلدان (السعودية والجزائر مثلا).

للإشارة فإن كل القروض الأجنبية التي ستحصل عليها تونس هذه السنة 2026 ستخصص كلها حصريا للدعم المباشر لميزانية الدولة ولتغطية حاجياتها من السيولة بالعملات الأجنبية خاصة وأن تونس مطالبة بتسديد مبلغ 740 مليون يورو يوم 14 جويلية. كما تجدر الإشارة أيضا إلى ظهور تقليد جديد يتمثل في أن رئيس الدولة شخصيا من يتولى الإمضاء على القرض بمقتضى مرسوم رئاسي ثم يتولّى البرلمان المصادقة عليه مثلما جرى مع القرض من Afrimexbank (جوان 2026) بمبلغ 500 مليون دولار الذي صادق عليه البرلمان على جناح السرعة بعد أقل من شهر.

وعلى الرغم من كل هذه الحقائق وغيرها لا تتوانى الدعاية الرسمية عن الإشادة بسياسة التعويل على الذاتوبـالسيادة الوطنيةوتحجب عن المواطن كل هذا الخور الذي يكبّد الاقتصاد التونسي أضرارا جسيمة وتزجّ به، أي الاقتصاد، في أتون الضبابية والغموض والعبث والتسيير الرعوانيوتخضع البلاد إلى حالة من العمالة لا تختلف عما خضعت إليه من قبل سوى في خطاب المغالطة والكذب.

الهوامش

1وفق ما جاء في تصريح الوزير المشار إليه فقد صادق البرلمان على عدد اتفاقيات القروض الخارجية التالية:

2أنظر تقرير المرصد التونسي للاقتصاد بعنوان الطريق إلى التداين: رصد رحلة مفاوضات تونس المكبلة بالديون مع صندوق النقد الدوليعلى الرابط التالي:

https://www.economie-tunisie.org/sites/default/files/imf_monitor_arabic.pdf

3أنظر موقع رئاسة الحكومة على الرابط التالي:

مجلس وزاري مُضيّق حول مبادرة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية (الإسكوا) لمقايضة الديون الخارجية مقابل استثمارات لتنفيذ مشاريع تتكيّف مع التحديات المناخية وتساهم في تحسين المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية:

https://pm.gov.tn/ar/article/mjls-wzary-mudywq-hwl-mbadrt-ljnt-alamm-almthdt-alaqtsadyt-walajtmayt-alaskwa-lmqaydt

إلى الأعلى
×